ارتفاع تكلفة الوقود المورد لمحطات الكهرباء إلى 23 مليار جنيه شهريًا منذ بداية 2026، بزيادة 21% عن نفس الفترة في 2025، ليس رقمًا عابرًا في تقرير مالي؛ بل مؤشر ضغط مباشر على قرار تسعير الكهرباء في الشهور المقبلة، في بلد يعاني تضخمًا مرتفعًا، ودينًا عامًا تجاوز الحدود الآمنة بحسب تقديرات رسمية وخبراء مستقلين، بينما تواصل الحكومة تحميل الأسر عبء «إصلاح مالي» لم تشارك في صنع أسبابه. ورغم أن طلبات رسمية تتحدث عن عدم وجود قرار فوري برفع الأسعار، إلا أن تجربة السنوات الأخيرة تجعل أي قفزة في فاتورة الوقود إنذارًا مبكرًا بأن المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الطاقة والديون، حتى لو حاولت الحكومة تأجيل الصدمة مؤقتًا.

 

فاتورة وقود تقفز إلى 23 مليار.. فجوة تتسع بين التكلفة وسعر البيع

 

المصدر الحكومي الذي تحدث لـ«المنصة» أوضح أن فاتورة الوقود للمحطات التقليدية وصلت 23 مليار جنيه شهريًا مع بداية 2026، بزيادة 21% عن بداية 2025، نتيجة ارتفاع استهلاك الوقود بنحو 5%، والتحول بشكل أكبر إلى المازوت الأعلى تكلفة، بعد تراجع إتاحة الغاز أو ارتفاع سعره النسبي، وهو ما يعني أن كل كيلووات ساعة يُنتَج اليوم يحمل تكلفة أعلى من العام الماضي، بينما تظل أسعار البيع للمستهلكين محكومة بجداول محددة سلفًا، ما يفتح فجوة متزايدة بين التكلفة الحقيقية والعائد الفعلي ما لم يزد الدعم أو تُرفع الأسعار.

 

هذه القفزة تأتي بعد سنوات كانت فيها الفاتورة الشهرية للوقود تدور بين 10 و17 مليار جنيه في 2024، وفق تقديرات سابقة، ما يعني أن الدولة تتحرك سريعًا نحو مستوى إنفاق على الطاقة يعيد فتح ملف التشابكات المالية بين الكهرباء والبترول والموازنة العامة، في ظل التزام حكومي معلن بعدم العودة إلى سيناريو تخفيف الأحمال، ورغبة موازية في خفض عجز الموازنة وتقليص دعم الطاقة، وهو مزيج يجعل أي زيادة في تكلفة الوقود عامل ضغط مباشر على خيارات التسعير، حتى لو لم يُعلن ذلك الآن بشكل صريح.

 

وتربط د. سالي صلاح، في تحليلات سابقة عن الدين العام، بين انفلات بنود الإنفاق الدوري مثل دعم الطاقة وبين وصول نسبة الدين إلى نحو 123% من الناتج المحلي، معتبرة أن تجاوز مستوى 100% عالميًا يمثل «قنبلة موقوتة» تهدد الاستقرار المالي والاجتماعي إذا استمر الاعتماد على الاقتراض لسد الفجوات بدل إصلاح هيكل السياسة الاقتصادية.

 

تسعير كهرباء تحت ضغط الدين.. خبراء: المواطن «صمام أمان الموازنة» لا المستفيد منها

 

الحكومة كانت تدرس، قبل بداية 2026، زيادات جديدة في أسعار الكهرباء ضمن خطة استكمال خفض الدعم، مع تقديرات لزيادات بين 15% و25% على بعض الشرائح، ثم أعلنت في يناير 2026 جداول شرائح جديدة تمتد للعام، قيل إن جزءًا من أثر ارتفاع الوقود مدمج فيها، مع استمرار دعم تقدره الحكومة بأكثر من 100 مليار جنيه سنويًا لقطاع الكهرباء، وهو رقم تستخدمه السلطة لتأكيد أنها «تتحمل العبء» عن المواطن، بينما يرى خبراء أن الصورة أكثر تعقيدًا حين تُربط بسياق الدين والتضخم والأجور الراكدة.

 

الخبير الاقتصادي د. محمد فؤاد ذكّر، في أكثر من حوار، بأن السنوات من 2020 إلى 2025 كانت من «أسوأ الفترات» اقتصاديًا خلال 60 سنة من حيث النمو، مشيرًا إلى أن إدارة ملف الدين والفائدة والطاقة تجعل المواطن في النهاية «مفتاح سد العجز»، سواء عبر الضرائب غير المباشرة أو رفع أسعار الخدمات، وأن الحديث عن التزام الدولة بسداد الديون في «أصعب الظروف» يعني عمليًا تقديم أولوية خدمة الدين على أولوية خفض أعباء المعيشة.

 

في هذا السياق، يصبح ارتفاع فاتورة الوقود إلى 23 مليار جنيه شهريًا مدخلاً جاهزًا لتبرير أي زيادات لاحقة في أسعار الكهرباء، خاصة على الشرائح المتوسطة والعليا، تحت شعار تقليل الفجوة بين التكلفة وسعر البيع، بينما تظل الشرائح الأفقر تحت ضغط تضخم عام في أسعار السلع والخدمات، يجعل أي زيادة في فواتير الكهرباء عبئًا إضافيًا لا يعالجه دعم اسمي، في ظل أجور لا تلحق بالمستويات الجديدة للأسعار، وغياب سياسات حماية اجتماعية فعالة مرتبطة بدخل الأسر الفعلي.

 

وتحذر د. عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، من أن معالجة الاختلالات عبر مسارات مالية قصيرة الأجل مثل رفع أسعار الخدمات أو الاعتماد على أموال ساخنة وبيع أصول، دون إصلاح هيكلي حقيقي ودعم للاستثمار الإنتاجي المحلي، يمكن أن يفاقم هشاشة الاقتصاد ويعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي حول «الحماية الاجتماعية» والواقع الذي يعيشه المواطن أمام فاتورة كل شهر.

 

بدائل مهملة: كفاءة الطاقة والشفافية قبل تحميل الأسر كلفة 23 مليارًا شهريًا

 

تجربة السنوات الماضية توضح أن كل موجة ارتفاع حادة في تكلفة الوقود كانت تتبعها، عاجلًا أو آجلًا، إعادة نظر في تجميد الأسعار، وتمرير زيادات جزئية أو كاملة، مع التركيز غالبًا على المستهلك النهائي بدل مراجعة كفاءة المنظومة نفسها، سواء في الفاقد بالشبكات، أو كفاءة المحطات، أو ترتيب أولوية مصادر الإنتاج بين الغاز والمازوت والمتجدد، أو تعديل عقود طويلة الأجل وُقِّعت في ظروف مختلفة لصالح شركات معينة أو مسارات سياسية محددة.

 

الخبير الاقتصادي د. عبد النبي عبد المطلب يشير، في سياق حديثه المتكرر عن مناخ الاستثمار والبنية التشريعية، إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في نصوص القوانين، بل في ما يحدث «على الأرض» من تعقيدات وضعف حوكمة وتداخل اختصاصات، وهي ملاحظات يمكن إسقاطها مباشرة على ملف الطاقة؛ حيث تظل أرقام الفاقد وخطط ترشيد الاستهلاك الصناعي والمنزلي ومراجعة العقود الكبرى بعيدة عن النقاش العام، بينما يُدفع المواطن إلى مقدمة المشهد باعتباره الحلقة الأيسر في نقل كلفة الاضطراب المالي.

 

في المقابل، تقدم د. سالي صلاح نموذجًا لكيفية ربط ملف الدين بالسياسات القطاعية، موضحة أن استمرار إنفاق مرتفع وغير شفاف على بنود مثل دعم الطاقة دون إعادة تقييم شامل يجعل أي حديث عن «حدود آمنة» للدين تناقضًا مع الواقع، وأن التصحيح الحقيقي يبدأ من مراجعة أولويات الإنفاق ومصادره، لا من تكرار تحميل الأسر زيادات تدريجية في أسعار خدمات أساسية مثل الكهرباء والمياه والنقل، في وقت لا تُمس فيه مصالح قطاعات كبرى استفادت سابقًا من دعم الطاقة والائتمان.

 

على مستوى الأثر المباشر، يرى د. محمد فؤاد أن أي زيادة إضافية في أسعار الكهرباء خلال 2026، فوق ما أُقِرّ في جداول يناير، ستنعكس سريعًا على تكاليف الإنتاج الصناعي والخدمي، ثم على أسعار السلع النهائية، بما يغذي التضخم بدل أن يساعد في خفضه، وهو ما يتناقض مع الهدف الرسمي المعلن بوصول التضخم إلى نحو 8% في منتصف العام، ويجعل رفع الأسعار أداة قصيرة النظر لتخفيف ضغط فاتورة الوقود على الموازنة، مقابل ضغط مضاعف على جيوب الناس.

 

في المحصلة، ارتفاع فاتورة الوقود إلى 23 مليار جنيه شهريًا، بزيادة 21% عن العام الماضي، إشارة إنذار قوية على اختلال معادلة الطاقة والديون في الاقتصاد المصري، لكنها ليست قدرًا حتميًا يفرض رفع أسعار الكهرباء على المواطنين وحدهم؛ البدائل موجودة في تحسين الكفاءة، ومراجعة العقود، وزيادة الشفافية، وربط أي قرار تسعير بنقاش مجتمعي حقيقي يشارك فيه الخبراء والبرلمان والرأي العام، لا أن يظل المواطن صمام أمان للموازنة، يدفع في كل مرة ثمن سياسات لم يشارك في صياغتها ولا يستفيد من عوائدها.