توفّي القمص تادرس عطية الله، كاهن كنيسة مارجرجس المطار وأستاذ العهد الجديد بالكلية الإكليريكية، بعد سقوطه من شرفة مبنى خدمات بالدور الرابع في منطقة محرم بك بالإسكندرية، وسط رواية رسمية أولية تتحدث عن حادث سقوط عرضي، وتحقيقات نيابة ما زالت مفتوحة نظريًا على كل الاحتمالات، وبينهما يتكوّن سؤال معلّق في الشارع والوسط الكنسي: هل الأمر مجرد حادث مؤلم، أم أن هناك شبهة جنائية لم تُحسم بعد؟

 

ملابسات السقوط من شرفة مبنى الخدمات في محرم بك

 

بداية الواقعة كانت بلاغًا إلى قسم شرطة محرم بك بسقوط شخص من أعلى عقار في دائرة القسم، ومع انتقال قوات الشرطة والإسعاف والمعاينة الميدانية، تبيّن أن الجثمان يعود للقمص تادرس عطية الله، المعروف بخدمته في كنيسة مارجرجس المطار وبعمله التدريسي في الكلية الإكليريكية بالإسكندرية، ما جعل الحادث من اللحظة الأولى محل متابعة خاصة من الكنيسة ومن الرأي العام القبطي والمدني على السواء.

 

أظهرت معاينة موقع الحادث وجود الجثمان أسفل العقار مصابًا بكسور متعددة في أنحاء الجسم، ورجّحت الفحوص الأولية أن الإصابات تتفق مع سقوط من ارتفاع كبير من شرفة بالدور الرابع في مبنى خدمات ملحق بالمكان، وهو ما تم على أساسه نقل الجثمان إلى المشرحة تحت تصرف النيابة العامة لمباشرة التحقيقات الفنية والقانونية.

 

الروايات المتداولة في التحقيقات الصحفية نقلاً عن شهود عيان قالت إن القمص كان يقف في شرفة مبنى الخدمات ويتحدث، ثم قيل إن حالة إغماء مفاجئة أو اختلال توازن أدت إلى سقوطه من الطابق الرابع إلى الشارع، دون وجود مشاجرة ظاهرة أو عراك مُسبق في اللحظة نفسها، وفق ما نُشر حتى الآن من شهادات أولية. جزء من الصورة المتداولة اعتمد كذلك على لقطات وتقارير مصورة بثتها قنوات ومنصات عبر يوتيوب، من بينها هذا التقرير الذي تناول تفاصيل الواقعة وردود الفعل الأولى في الإسكندرية:

 

هذه المعطيات الأولية تحدد إطارًا عامًّا: رجل دين معروف يسقط من شرفة مبنى خدمات بالدور الرابع في منطقة سكنية، بلا مؤشرات بصرية واضحة على عنف خارجي في لحظة السقوط نفسها، مع بقاء السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان الإغماء المزعوم مثبتًا طبيًا، أم مجرد اجتهاد أولي من شهود عيان أو مصادر شرطية في الساعات الأولى للحادث.

 

تحقيقات النيابة بين رواية الحادث العرضي وأسئلة الشبهة الجنائية

 

نيابة محرم بك باشرت التحقيق فورًا، وأمرت بسؤال شهود العيان الذين كانوا في محيط المبنى أو على مقربة من مكان السقوط، كما كلفت إدارة البحث الجنائي بسرعة إجراء التحريات حول ظروف وملابسات الحادث، مع مراجعة كاميرات المراقبة إن وُجدت في العقار أو الشوارع المحيطة، لتكوين صورة دقيقة عن الثواني السابقة على السقوط. النيابة طلبت تقريرًا طبيًا مبدئيًا، ثم أحالت الجثمان للطب الشرعي لبيان السبب الدقيق للوفاة، وتحديد ما إذا كانت الإصابات تتسق تمامًا مع سيناريو السقوط العرضي وحده، أم أن هناك أي علامات أخرى تستدعي التوقف أمامها، مثل آثار مقاومة أو ضرب سابق، أو مؤشرات على فقدان الوعي بسبب سبب مرضي أو جرعة دواء أو غير ذلك من الاحتمالات العلمية.

 

بعد مناظرة الجثة والتأكد من عدم وجود ما يمنع الدفن من الناحية القانونية، صرّحت النيابة بدفن الجثمان، لكنها لم تغلق ملف التحقيق، بل أبقت على تكليفها للمباحث باستكمال التحريات، وعلى انتظار التقرير النهائي للطب الشرعي بوصفه الوثيقة الفنية الحاسمة في توصيف الواقعة جنائيًا. في الصياغات المنشورة بتقارير الصحف والمواقع، ظل التوصيف الرسمي حتى الآن هو «سقوط من أعلى عقار» مع تكليف المباحث «لبيان وجود شبهة جنائية من عدمه»، بما يعني أن التحقيق مفتوح نظريًا على كل الاحتمالات، لكن من دون إعلان عن أدلة تقطع بوجود جريمة أو فعل متعمد أدى إلى السقوط.

 

في المقابل، رجّحت التحريات المبدئية التي نُشرت في بعض المنصات أن السقوط ناتج عن إغماء أو اختلال توازن أثناء وقوف الكاهن في الشرفة، مع ترديد رواية أن القمص لم يكن في حالة نزاع مع أحد في لحظات ما قبل السقوط، وأن ما حدث أقرب إلى الحوادث العرضية المتكررة في حالات كبار السن أو المرضى. هذا الترجيح لم يتحول حتى الآن إلى قرار نهائي من النيابة ينفي تمامًا أي شبهة جنائية؛ لكنه في الوقت نفسه لم يُرافقه أي إعلان رسمي عن دلائل على تدخل بشري مباشر، ما جعل الخط الفاصل بين «السقوط العرضي» و«الشبهة الجنائية» حتى اللحظة يُرسم في مساحة رمادية تتغذى عليها أسئلة الشارع ومناقشات السوشيال ميديا.
 

حتى وقت كتابة هذا التقرير، لا توجد جهة رسمية – لا من وزارة الداخلية ولا من النيابة – أعلنت امتلاك دليل مثبت على جريمة قتل أو دفع متعمد، وفي المقابل لم يصدر أيضًا بيان نهائي يغلق الباب أمام الشبهة كلية، ويصف ما جرى بحادث عرضي منتهي دون حاجة لمزيد من التوضيح، ما يترك مساحة من عدم اليقين تزداد اتساعًا كلما تأخر صدور التقرير النهائي للطب الشرعي وبيان النيابة الحاسم.

 

الكنيسة بين الحزن وانتظار الحسم الرسمي في ملف الشبهة

 

على المستوى الكنسي، نعت بطريركية الأقباط الأرثوذكس في الإسكندرية القمص تادرس عطية الله، وأشارت في بيانها إلى أنه رحل عن عمر يناهز تقريبًا 63 عامًا بعد خدمة كهنوتية قاربت 29 عامًا، جمع خلالها بين عمله ككاهن في كنيسة مارجرجس المطار ودوره أستاذًا لمادة العهد الجديد بالكلية الإكليريكية، ما منحه حضورًا رعويًا وتعليميًا واسعًا وسط الكهنة والدارسين.

 

بيانات أخرى من شخصيات عامة ومؤسسات كنسية اكتفت بوصف الوفاة بأنها «حالة سقوط مؤلمة»، وأحالت أي حديث عن الملابسات إلى نتائج التحقيقات الرسمية التي تشرف عليها النيابة والطب الشرعي، دون تبنّي رواية حاسمة لصالح كونها حادثًا عرضيًا خالصًا أو فعلًا مدبرًا، في محاولة واضحة لعدم الدخول في صدام مع مسار التحقيق أو تغذية تكهنات غير مستندة إلى وثائق. هذا الموقف تركز على تأكيد جانب الحزن الروحي على رحيل الكاهن، مع تجنّب تبني أي اتهامات أو إشارات لشبهة جنائية قبل صدور كلمة القضاء، ما يتسق مع نهج عام تتبعه الكنيسة في القضايا ذات البعد الجنائي التي تمس رموزها الدينية أو منشآتها.

 

في الشارع الكنسي والمدني، ظل السؤال حاضرًا بصيغة بسيطة: هل يكفي ما نُشر عن إغماء مفاجئ أو اختلال توازن لتفسير سقوط كاهن من شرفة بالدور الرابع في مبنى خدمات، أم أن غياب الشهود المباشرين للحظة الإغماء يفرض انتظارًا إلزاميًا لتقرير الطب الشرعي وتحقيقات المباحث؟ البعض يتوقف عند تفاصيل مثل ارتفاع السور، أو حالة الإضاءة، أو وجود من رأى اللحظة الأخيرة قبل السقوط، لكن كل هذه التفاصيل لا تزال متداولة في إطار مواقع التواصل والروايات الشفهية، دون أن تُترجم إلى أوراق رسمية أو بلاغات محددة يمكن البناء عليها قانونيًا.

 

إلى أن يصدر التقرير النهائي للطب الشرعي وبيان واضح من النيابة يحدد توصيف الواقعة بصورة قاطعة، تبقى الرواية الأقرب رسميًا هي حادث سقوط من شرفة مبنى خدمات بالدور الرابع في منطقة محرم بك، مع فتح الباب نظريًا أمام احتمال أن تكشف التحريات أو الفحوص الفنية عن معطيات إضافية، أو تؤكد بصورة لا لبس فيها أن ما حدث كان بالفعل حادثًا عرضيًا لا جريمة فيه، وعندها فقط يمكن أن ينتقل الحديث من مساحة التساؤل حول الشبهة الجنائية إلى مساحة التقييم الأوسع لإجراءات السلامة ومسؤولية حماية الأرواح في مباني الخدمات الدينية وسواها.