تحوّل الجدل حول صلاة التراويح في الجامع الأزهر وبرنامج «دولة التلاوة» إلى مرآة لصراع أعمق على من يحتكر الدين في مصر؛ هل يبقى الأزهر منبرًا له قدر من الاستقلال التاريخي، أم تُسحب البساط لصالح نموذج ديني مُصنَّع في مطبخ السلطة وتحت إدارة وزارة الأوقاف وأسامة الأزهري، برعاية مباشرة من عبد الفتاح السيسي؟ هذا السؤال صاغه السياسي المصري د. يحيى موسى بحدة، حين قال إن شيخ الأزهر قدّم «تنازلات مخجلة» للنظام، ومع ذلك «حقد السيسي على الأزهر لا يزال عظيما»، قبل أن يربط بين صلاة التراويح في الأزهر العام الماضي وبين الدفع هذا العام ببرنامج «دولة التلاوة» ونجومه من «القراء الرسميين» في حملة موازية لصناعة مرجعية دينية بديلة.
الأزهر بين تنازلات شيخه وضيق السيسي بتاريخ المؤسسة
في قراءته للمشهد، ينطلق د. يحيى موسى من مفارقة واضحة؛ شيخ الأزهر، في رأيه، لم يواجه السلطة الحالية بموقف صلب كما ينتظر جزء من الرأي العام، بل قدّم تنازلات متتالية في ملفات حساسة، من الخطاب الديني إلى تمرير سياسات الدولة في المناهج والفتاوى، ومع ذلك لا يبدو أن السيسي راضٍ عن وجود مؤسسة تاريخية لها رأس مستقل اسمه الإمام الأكبر، وله حضور رمزي عابر للسلطة التنفيذية. هذا الغضب غير المعلن يظهر، بحسب موسى، في محاولة الإحاطة بالأزهر من كل اتجاه، عبر وزارة الأوقاف، ووزارة التعليم، والإعلام، والمشروعات الدينية الرسمية، بحيث يُختزل دور الأزهر في أداء بروتوكولي بينما تتحول «المرجعية العملية» في الدين إلى مؤسسات خاضعة مباشرة للرئيس.
هذا التحليل يجد صداه في تاريخ علاقة السيسي بالمؤسسة؛ فالرئيس لم يُخفِ أكثر من مرة ضيقه من بطء استجابة الأزهر لدعواته المتكررة لـ«تجديد الخطاب الديني»، وظهر ذلك في خطابات علنية عبّر فيها عن إحباطه من عدم التحرك بالسرعة التي يريدها، ما يُفهم في نظر كثيرين كضغط لإخضاع المؤسسة لجدول أعمال سياسي أكثر منه علمي. ورغم أن شيخ الأزهر تجنّب المواجهة المباشرة، ومال في أغلب الملفات إلى تجنّب الصدام، فإن ذلك لم يمنع توسع نفوذ وزارة الأوقاف والأذرع الإعلامية الدينية المرتبطة بالرئاسة على حساب الأزهر، وهو ما يفسّر حساسية أي مشهد جماهيري أو روحي ينجح فيه الأزهر خارج سيطرة هذه الأذرع.
تراويح الأزهر.. من حالة روحانية جامعة إلى منافسة مفروضة باسم «دولة التلاوة»
يشير موسى إلى «لمحة بسيطة» لكنها كاشفة؛ رمضان الماضي شهد نقل صلاة التراويح من الجامع الأزهر بصورة حية أثارت إعجابًا واسعًا بين المصريين، مع تناوب كوكبة من قراء الأزهر المتقنين على الإمامة، وبحضور روحاني واضح بعيد عن الاستعراض التلفزيوني؛ إذ نقلت القنوات الرسمية ومنصات الأزهر الصلوات يوميًا، مع مشاركة ١٢ قارئًا من كبار قراء المؤسسة في نظام دقيق، ما حوّل تراويح الأزهر إلى حدث روحي ومتابعة جماهيرية لافتة.
هذا النجاح، في قراءة المنتقدين، أظهر أن الأزهر حين يترك له هامش حركة بسيط يمكن أن يستعيد جزءًا من دوره التاريخي في صناعة الذوق الديني العام، دون حاجة إلى رعاية شركة إنتاج أو حملات دعائية ضخمة؛ مجرد قرّاء أزهريين، وانضباط في الأداء، وأجواء عبادة خالصة، كفت لتحويل التراويح إلى حديث الناس داخل مصر وخارجها. هنا تحديدًا يرى موسى أن السلطة لم تكن مرتاحة لأن مركز الجاذبية الرمضانية الدينية خرج لحظة من يدها إلى ساحة الجامع الأزهر، فكان الرد هذا العام بتكثيف الضوء على مشروع موازٍ هو برنامج «دولة التلاوة»، مع دفع أسامة الأزهري إلى واجهة المشهد بوصفه «رمز المؤسسة الدينية الرسمية»، في محاولة لإعادة تموضع المرجعية من الأزهر التاريخي إلى «الدولة الدينية» التي تُدار من مكتب الرئيس ووزارة الأوقاف.
برنامج «دولة التلاوة» نفسه ليس مشكلة من حيث الشكل؛ هو مسابقة قرآنية تلفزيونية ضخمة، تُنتجها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بالتعاون مع وزارة الأوقاف، وتُعرض على قنوات الحياة وCBC والناس ومصر قرآن كريم، بهدف اكتشاف المواهب الشابة في الترتيل والتجويد وإحياء «المدرسة المصرية في التلاوة»، مع جوائز مالية كبيرة. لكن حين يوضع البرنامج في سياق تنافسي مع تراويح الأزهر، ومع خطاب رسمي يقدّم «نجوم دولة التلاوة» بوصفهم واجهة المشروع الديني للدولة، يصبح السؤال مشروعًا: هل الهدف دعم تلاوة القرآن، أم إعادة تركيب المجال الديني بحيث تكون كل نقطة جذب روحية تحت إدارة السلطة التنفيذية بشكل مباشر؟
أسامة الأزهري.. من شيخ أزهري إلى وزير أوقاف وذراع دينية متقدمة للنظام
في قلب هذا التحول يقف أسامة الأزهري؛ عالم أزهري تقليدي في تكوينه، لكنه اختار منذ سنوات أن يرتبط عضويًا بمشروع السيسي؛ فتعيّن مستشارًا دينيًا للرئيس منذ ٢٠١٤، وعضوًا بالمجلس القومي لمكافحة الإرهاب، ونائبًا معينًا في مجلس النواب ووكيلًا للجنة الدينية، قبل أن يصبح وزيرًا للأوقاف في يوليو ٢٠٢٤، جامعا بين صفته الأزهرية وموقعه السياسي المباشر داخل السلطة.
هذا المسار جعل كثيرين يرونه «وجه المشروع الديني الرسمي»، لا ممثلًا لتعددية العلماء داخل الأزهر؛ فهو حاضر في كل الملفات، من الخطاب الإعلامي إلى الفتاوى التي تبرر سياسات الدولة، ومن برامج التلفزيون إلى مشروعات مثل «دولة التلاوة» والمواسم الدينية التي تُقدَّم فيها الدولة كراعٍ وحيد للدين. ومع دفعه إلى مقدمة مشهد التراويح هذا العام عبر نجوم «دولة التلاوة»، تبدو الرسالة واضحة: منابر رمضان هي أيضًا ساحة نفوذ سياسي، ومن يملك التحكم في القُرّاء والمحتوى الديني يملك جزءًا من السيطرة على المزاج العام، خاصة في لحظات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تحتاج فيها السلطة إلى غطاء ديني مستمر.
في المقابل، يظهر الأزهر، بمشيخته التاريخية، في موقع دفاعي؛ مؤسسة عريقة لها حضور رمزي عالمي، لكنها محاصَرة بين رغبة النظام في تطويعها بالكامل وبين انتقادات جزء من الشارع والمعارضة الإسلامية لها بسبب ما يُعتبر «صمتًا» أو «تواطؤًا» في ملفات تتعلق بالحريات والقمع السياسي والعدالة الاجتماعية. وهكذا يجد شيخ الأزهر نفسه متّهَما من اتجاهين متعاكسين؛ السلطة ترى فيه صوتًا غير منضبط بما يكفي لمشروعها، وقطاع من المجتمع يراه أقل من مستوى التوقع في لحظة تحتاج إلى مواقف واضحة.
في الخلفية، يتواصل الفارق الذي أشار إليه موسى بين «نمط الأزهر» و«نمط وزارة الأوقاف» حتى في تلاوة القرآن؛ الأول يعبّر عن تقليد علمي وروحي تراكم عبر قرون، والثاني يعبّر عن جهاز تنفيذي يُدار بمنطق التعليمات، ويُستخدم لضبط المساجد والخطاب والمنابر بما يخدم أولويات السلطة. وبينما يتقدّم أسامة الأزهري كوجه لهذا النمط الرسمي الجديد، يتآكل تدريجيًا ما تبقى من المسافة بين الدين والدولة في مصر، لصالح نموذج واحد يجمع السياسة والفتوى والإعلام في قبضة واحدة، تحت سقف لا يحتمل إلا صوتًا واحدًا حتى في أكثر عبادات المسلمين خصوصية وروحانية.

