من داخل زنزانته في سجن المرناقية، يوجّه راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان المنحل، رسالة سياسية واضحة تقول إن مستقبل تونس يجب أن يكون الحرية ودولة القانون لا حكم الفرد، بينما يواصل نظام قيس سعيّد استخدام القضاء وملفات “التآمر” لسحق المعارضة، في سياق وصفته منظمات حقوقية دولية بأنه تحول ممنهج نحو حكم استبدادي منذ 25 يوليو 2021.
رسالة من السجن في مواجهة مسار رئاسي يقوم على تركيز السلطة لا تداولها
في رسالته، يربط الغنوشي بين مصيره الشخصي ومسار البلاد، مؤكدا أن الأوطان لا تُدار بالقهر ولا تستقر بالظلم، بل بالشورى والعدل واحترام إرادة الناخبين، في إشارة مباشرة لقرارات قيس سعيّد بحل البرلمان وتعطيل المؤسسات المنتخبة والحكم بالمراسيم منذ 25 يوليو 2021. ويقدّم نفسه نموذجا لسياسي يُعاقب لأنه تمسّك بدستور 2014 وبفكرة التداول السلمي على السلطة، مقابل رئيس يختزل الدولة في شخصه ويعيد صياغة النظام السياسي وحده.
الرسالة تضع سعيّد في موقع المتهم بهدم ما تبقّى من التجربة الديمقراطية؛ فحين يقول الغنوشي إن مستقبل تونس هو دولة مؤسسات وتعدد واحترام للاختلاف، فهو عمليًا يقول إن الواقع الحالي عكس ذلك تماما، وأن المسار الرئاسي القائم اليوم يقوم على تجريم المعارضة وتجفيف المجال العام، لا على التنافس السلمي بين مشاريع وبرامج. ويرى الباحث التونسي يوسف شريف أن ما حدث منذ 2021 هو “تفكيك تدريجي لديمقراطية ناشئة وبناء نظام يسمح للرئيس بالحكم وحده دون معارضة مؤسسية حقيقية”، معتبرًا أن هذا التحول لا يمكن فصله عن حملة الاعتقالات الواسعة ضد السياسيين والإعلاميين.
أحكام “التآمر”.. قضاء في خدمة السلطة لا حماية لأمن الدولة
خلف الرسالة تقف وقائع قضائية ثقيلة؛ فالغنوشي يواجه اليوم أحكامًا متعددة بالسجن في قضايا مختلفة، من بينها ملفات مرتبطة بتمويل حزبي وملف “إنستالينغو”، وأخرى مرتبطة باتهامات “إرهاب” و“تآمر على أمن الدولة”، ليصل مجموع الأحكام الصادرة ضده إلى أكثر من 20 سنة سجنا، وفق تقارير صحفية دولية، في وقت تصف فيه منظمات حقوقية هذه القضايا بأنها ذات طابع سياسي واضح.
هذا المسار الشخصي يتقاطع مع مسار أوسع شمل عشرات المعارضين؛ ففي 2025 أصدرت محكمة تونسية أحكامًا بالسجن تتراوح بين 13 و66 سنة ضد 40 معارضا وناشطًا وصحفيًا في ما عُرف إعلاميًا بقضية “التآمر 2”، وهي أوسع محاكمة سياسية منذ استيلاء سعيّد على كل السلطات. واعتمدت القضية على اتهامات فضفاضة بـ“المسّ بأمن الدولة” و“التآمر مع قوى أجنبية”، وسط شكاوى من منع متهمين من حضور الجلسات وحرمان الدفاع من الاطلاع الكامل على ملف القضية.
منظمة العفو الدولية اعتبرت أن “الإدانات الجماعية” في هذه القضية تعمّق أزمة دولة القانون، وتؤكد استمرار استخدام القضاء أداة لإسكات المعارضين، مشيرة إلى الاعتماد على نصوص مبهمة وإلى انتهاكات جسيمة لحقوق الدفاع والإجراءات العادلة. وترى أن النمط نفسه يتكرر في قضايا أخرى تستهدف محامين وإعلاميين ونشطاء نقابيين وحقوقيين، تحت عناوين من قبيل “عرقلة السير” أو “نشر أخبار كاذبة” أو “إهانة الرئيس”، بما يحوّل الخلاف السياسي أو النقد الإعلامي إلى جريمة أمن دولة.
الكاتبة والخبيرة في الشأن التونسي مونيكا ماركس تصف مسار سعيّد بأنه “اندفاع ثابت نحو حكم فردي”، وتقول إن إعادة كتابة الدستور، وإضعاف البرلمان، وإحكام السيطرة على القضاء، ومحاكمات المعارضين بتهم التآمر، وضعت تونس عمليا خارج مسار الانتقال الديمقراطي الذي بدأ بعد 2011، وحوّلتها إلى نظام رئاسي مركزي يفتقر لميزان قوى مؤسساتي.
مشروع أكبر من الأشخاص.. ورسالة سياسية ترفض شرعنة الاستبداد
في فقرة محورية من رسالته، يدعو الغنوشي أنصاره لعدم ربط المشروع الديمقراطي بالأشخاص، مؤكدا أن “المعاني أكبر من الأفراد والمشروع أوسع من الأشخاص”، وأن الواجب هو الحفاظ على خط الحرية والعدالة مهما تبدلت القيادات أو غابت خلف القضبان. هذا الخطاب يرفض سردية السلطة التي تروّج لفكرة أن اعتقال زعماء النهضة والمعارضة يعني نهاية ما تسميه “المنظومة القديمة”، ويعيد تعريف المعركة بوصفها معركة على معنى الدولة: هل هي دولة مؤسسات وتعدد أم دولة قرار فردي وقضاء مُسخّر؟
رسالة الغنوشي تتحرك هنا في نفس الاتجاه الذي تشير إليه تحليلات حقوقيين تونسيين مثل أمنا غلالي، نائبة مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، التي ترى أن “الانقلاب الذاتي” في يوليو 2021 أنهى مسار العدالة الانتقالية وأعاد البلاد إلى منطق الإفلات من العقاب وتركيز السلطة في يد واحدة، مع تراجع واضح لمكانة الدستور والقانون كمرجع أعلى.
في المقابل، يواصل قيس سعيّد نفي وجود سجناء سياسيين، ويؤكد أن كل من يحاكمون متهمون في قضايا جنائية مرتبطة بأمن الدولة أو الفساد، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الاستهداف يتركز على المعارضين البارزين، من قيادات النهضة إلى شخصيات علمانية مثل عبير موسي، ومن محامين معروفين مثل عياشي الهمامي، إلى صحفيين وحقوقيين حُوكموا بموجب مراسيم وقوانين فضفاضة. وتوضح تقارير صحفية وحقوقية أن هذه السياسات ترافقها حملة متزايدة على منظمات المجتمع المدني، شملت التحقيق مع عشرات الجمعيات وتعليق نشاط بعضها، في محاولة لتجفيف ما تبقّى من فضاء مستقل داخل البلاد.
الخبير في شؤون التحول الديمقراطي يزيد صايغ يحذر من أن تحويل الخلاف السياسي إلى ملف أمني، واستخدام القضاء والشرطة كأدوات رئيسية لتصفية الخصوم بدل تنظيم التنافس على السلطة، يعني عمليًا إغلاق الباب أمام أي عودة لمسار ديمقراطي في المدى المنظور، ويحوّل الرسائل القادمة من زنزانة المرناقية إلى وثيقة اتهام لنظام يقدّم نفسه حاميًا للدولة بينما يهدم قواعدها المؤسسية. ويرى أن استمرار هذا المسار في ظل صمت دولي نسبي يبعث برسالة سلبية إلى التونسيين مفادها أن أمن الشواطئ والهجرة أهم لدى الشركاء الخارجيين من بقاء تونس دولة قانون.
في المحصّلة، رسالة الغنوشي ليست مجرد خطاب معنوي من سجين سياسي، بل نصّ يضع قيس سعيّد في قلب الاتهام بتقويض دولة القانون وبناء حكم فردي يستند إلى القضاء والأمن، لا إلى التفويض الشعبي والمساءلة، في بلد قدّم قبل سنوات نموذجًا نادرًا على إمكانية الانتقال الديمقراطي في المنطقة، ثم تحوّل اليوم إلى مثال على سرعة الانهيار حين يجتمع تركيز السلطة مع صمت الداخل وخفوت ضغط الخارج.

