منذ اللحظة الأولى لإعلان انتقال موظفي الجهاز الإداري إلى العاصمة الإدارية الجديدة، رُوّج للمشروع كرمز لـ"الجمهورية الجديدة" مع وعود رسمية بسكن ملائم، ومواصلات ميسرة، وبيئة معيشية متكاملة، لكن ما يعيشه آلاف الموظفين اليوم يكشف فجوة واسعة بين الخطاب والصورة على الورق من جهة، وتجربة الناس اليومية من جهة أخرى، حيث تحولت العاصمة بالنسبة لكثيرين إلى عبء مالي وزمني بدلًا من أن تكون نقلة لتحسين ظروف العمل والمعيشة.

 

وعود إسكان ومواصلات لم تصل إلى الواقع

 

السلطات قدمت منذ 2021 برنامجًا لسكن موظفي العاصمة في مدينة بدر، مع حديث رسمي عن وحدات مدعومة ومرافق كاملة، ومشروع "زهرة العاصمة" وغيره من التجمعات التي قُدمت باعتبارها حلًا سكنيًا متكاملًا للعاملين المنتقلين، لكن شكاوى الموظفين تكشف أن جزءًا معتبرًا من هذه الوعود ظل حبيس الأوراق والتصريحات، حيث لم تُستوعب في البداية كل الطلبات، وتأخر تسليم وحدات، واضطر كثيرون للسكن في بدر أو العودة يوميًا إلى القاهرة في رحلة مرهقة تستنزف الوقت والدخل المحدود.

 

الباحث الاقتصادي علاء بيومي، الذي تابع شهادات موظفي الضرائب وغيرهم حول تكاليف الانتقال، تساءل صراحة عما إذا كان الانتقال "تعسفيًا"، معتبرًا أن نقل مقار الوزارات دون ضمان سكن فعلي ومواصلات منظمة للموظف المتوسط والصغير يحوّل العاصمة من مشروع تطوير إداري إلى أداة ضغط مادي ونفسي على العاملين في الدولة بدلًا من أن تكون بيئة عمل حديثة كما وعدت الحكومة.

 

تكاليف انتقال ومعيشة ترهق الرواتب وتُضعف جدوى المشروع

 

في الواقع اليومي يقف الموظف الحكومي في قلب الأزمة، مضطرًا للانتقال إلى مدينة لم تكتمل خدماتها، بشبكة مواصلات غير فعّالة تربطها بالقاهرة، وغياب وسائل نقل عامة منتظمة، ما يعني ساعات طويلة في الطريق واستقطاع جزء كبير من الراتب في مواصلات خاصة أو رحلات متعبة من بدر والقاهرة إلى الحي الحكومي، بينما لا يزال كثيرون ينتظرون سكنًا وُعدوا به منذ شهور دون تسليم واضح أو معايير شفافة للاختيار.

 

ارتفاع تكلفة المعيشة في العاصمة الإدارية والمناطق المحيطة يزيد الفجوة، فغياب المطاعم الشعبية والخيارات الاقتصادية للطعام والخدمات يجعل الموظف المتوسط الدخل في مواجهة أسعار أقرب لمستويات "كومباوند vip" الذي رُوّج له في ديسمبر 2020 على أنه سكن النخبة من موظفي العاصمة مع محطة قطار كهربائي خاصة، في تناقض حاد مع أوضاع صغار الموظفين الذين يقيمون في بدر أو يتحملون الانتقال اليومي من أحياء شعبية بالقاهرة. الخبير في قضايا العدالة الاجتماعية عمر الشنيطي يرى أن نمط التخطيط الذي يضع أولوية لمبانٍ حكومية فخمة قبل إنشاء منظومة نقل عام وخدمات أساسية "يكشف أن الإنسان ليس في قلب القرار"، وأن تكلفة هذه الفجوة "لا تظهر في بيانات الموازنة فقط، بل في إحباط الموظف وتآكل إنتاجيته وشعوره بأن المشروع يخدم صورة سياسية أكثر مما يخدم حياته".

 

مشروع ضخم بإدارة عمرانية تتجاهل البعد الإنساني

 

رغم الإعلان المتكرر عن نسب إنجاز مرتفعة في وحدات إسكان الموظفين ببدر وتأكيد وزارة الإسكان على متابعة التسليم، فإن الواقع الميداني الذي تعكسه الشكاوى يكشف مشكلات في اختيار الوحدات، وتجاوز بعض شروط التخصيص، وعدم اكتمال خدمات في مناطق المشروع، إضافة إلى مخاوف أمنية غذّتها حوادث إطلاق نار ومحاولات سرقة في مساكن الموظفين، حتى إن كانت فردية، لكنها تعكس هشاشة البنية الاجتماعية في مناطق لم تكتمل كثافتها أو خدماتها.

 

مع ذلك تواصل الحكومة تسويق العاصمة كمثال لـ"إدارة حديثة" و"مدينة ذكية"، بينما يشتكي الموظفون من أن الأنظمة الإلكترونية في بعض الوزارات تعطلت لفترات طويلة، ما أجبرهم على قضاء ساعات في المكاتب دون مهام واضحة، مع استمرار تحملهم تكاليف الانتقال والسكن والطعام، في نموذج يجسد – وفق المركز العربي لدراسات حقوق الإنسان – أحد أوجه "تآكل الحقوق الحضرية" عندما تُبنى المدن الكبرى لخدمة السلطة أكثر من خدمة السكان والعاملين فيها. الخبير العمراني ياسر الهواري يعلق على هذا النمط بالقول إن "المشروعات الضخمة في مصر خلال السنوات الأخيرة تُدار بسرعة إنجاز إنشائي تفوق بكثير سرعة استكمال البنية الاجتماعية والخدمية"، محذرًا من أن العاصمة الإدارية قد تتحول إلى "جزيرة منعزلة إداريًا" إذا لم تُعالج جذور مشكلات السكن والمواصلات والأمن والخدمات التي يواجهها الموظفون اليوم على الأرض.

 

إدارة للمشروعات الكبرى تتجاهل أثرها على البشر

 

تحليلات عدة حول المشروعات الكبرى في مصر تشير إلى أن ما يحدث في العاصمة الإدارية ليس استثناءً، بل جزء من نمط أوسع يركز على البناء السريع وإبهار واجهة المدينة أكثر مما يركز على الأثر الاجتماعي والاقتصادي على الفئات التي تتعامل يوميًا مع هذه المشروعات، من موظفين وسكان ومستخدمي خدمات. تصريحات رسمية سابقة عن "فائدة اللاجدوى" في الإسراع بتنفيذ المشروعات أعطت انطباعًا بأن الأولوية ليست لحل مشكلات قائمة أو تحسين نوعية حياة المواطنين، بل لإرسال رسائل سياسية عن قدرة الدولة على الإنجاز، ما يفسر جزئيًا لماذا يشعر كثير من الموظفين اليوم بأنهم يدفعون ثمن مشروع لم يُصمَّم من منظور إنساني، بل من منظور استعراضي في المقام الأول.

 

في هذا السياق يأتي تساؤل الموظف علي توفيق "هل العاصمة الإدارية لكبار الإداريين فقط بينما يُترك صغار الموظفين لبدر والانتقال اليومي؟" معبرًا عن شعور متزايد باللاعدالة، حيث تبدو مزايا السكن والخدمات والقطار الكهربائي موجهة لفئات محدودة، بينما تتحمل الكتلة الأكبر من العاملين كلفة الانتقال والسكن في بيئة غير مكتملة الخدمات أو الأمان. في النهاية تقدم أزمة موظفي العاصمة الإدارية مثالًا مركّزًا على أن المشروعات الكبرى لا تُقاس بحجم الأبراج أو سرعة رصف الطرق، بل بقدرتها على تحسين الحياة اليومية لمن يُطلب منهم تشغيلها، وعندما تتراكم الشكاوى حول السكن والمواصلات والأمن وتكاليف المعيشة دون معالجة جذابة، يتحول المشروع من رمز "جمهورية جديدة" إلى مرآة لغياب رؤية متكاملة تضع الإنسان – وليس الخرسانة – في قلب التخطيط.