تجدّد منذ أيام الخطاب الرسمي عن «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات، لكن هذه المرة ليس من نتنياهو فقط، بل من سفير الولايات المتحدة لدى الاحتلال مايك هاكابي، الذي قال أمام تاكر كارلسون إن «لإسرائيل الحق التوراتي في السيطرة على أراض تمتد من النيل إلى الفرات»، قبل أن يضيف: «لا بأس إذا أخذوها كلها»، في إشارة إلى الشرق الأوسط بأكمله.

 

هذا يأتي بعد نحو 6 أشهر من تصريح بنيامين نتنياهو في أغسطس 2025 عن ارتباطه العاطفي بـ«رؤية أرض الميعاد وإسرائيل الكبرى» في مقابلة مع قناة i24 العبرية. ورغم موجة إدانات عربية واسعة، حاول هاكابي لاحقًا عبر منصة «إكس» التخفيف من وقع تصريحاته بزعم أن النقاش كان ملتويا حول معنى الصهيونية، بينما تجنّبت معظم البيانات العربية تحميل الرئيس دونالد ترامب نفسه مسؤولية هذا الخطاب، واكتفت بمطالبة واشنطن بتوضيح موقفها الرسمي من «الرؤية التوراتية» لأراضي 6 دول عربية مهدَّدة نظريًا بهذا التصور.

 

سفير أمريكي يروّج لـ«إسرائيل الكبرى» من موقع رسمي

 

في المقابلة المطوّلة التي بثتها منصة «شبكة تاكر كارلسون» من داخل الأراضي المحتلة، كرر هاكابي مزاعم «الحق التوراتي» لكيان الاحتلال في أراض تمتد «من النيل إلى الفرات»، وعندما سأله كارلسون بشكل مباشر عما إذا كان هذا يعني عمليًا الشرق الأوسط بأكمله، بما يشمل مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق وأجزاء من السعودية، رد السفير بقوله: «لست متأكدًا أن تكون كل هذه القطعة من الأرض، لكنها ستكون قطعة كبيرة»، ثم حسم قائلا: «لا بأس إذا أخذوها بالكامل».

 

بعد موجة غضب عربية وإسلامية، أصدرت السفارة الأمريكية توضيحًا متأخرًا قالت فيه إن التصريحات «أُخذت خارج سياقها»، وإن سياسة واشنطن الرسمية لا تتبنى أي تغيير لحدود دول المنطقة، لكنها لم تتراجع عن وصف إسرائيل بأنها صاحبة «حقوق تاريخية» في الأرض التي تحتلها، ولم تُصدر إدارة ترامب أي نفي مباشر لفكرة «الحق التوراتي» التي استند إليها هاكابي.

 

هاكابي ليس دبلوماسيًا تقليديًا؛ فهو حاكم سابق لولاية أركنساس، وقيادي بارز في تيار «الصهيونية المسيحية»، أعلن أكثر من مرة أنه «مسيحي صهيوني»، وتبنّى قبل تعيينه سفيرًا في أبريل 2025 موقفًا رافضًا لحل الدولتين، ومؤيدًا لضم الضفة الغربية، بل واعتبر سابقًا أنه «لا يوجد شيء اسمه فلسطيني»، واقترح توطينهم في الأردن أو سيناء باعتبار أن «هناك الكثير من الأراضي العربية، بينما لا توجد إلا إسرائيل واحدة صغيرة». هذه الخلفية تجعل من حديثه عن «إسرائيل من النيل إلى الفرات» استمرارًا لمواقف أيديولوجية معلنة وليست زلّة لسان عابرة.

 

المؤرخ الفلسطيني–الأمريكي د. رشيد خالدي يرى أن مثل هذا الخطاب لا يمكن فصله عن بنية المشروع الصهيوني ككل؛ ففي كتابه «حرب المئة عام على فلسطين» يصف خالدي الصهيونية بأنها مشروع استعمار استيطاني مدعوم من القوى الإمبريالية، أولًا بريطانيا ثم الولايات المتحدة، ويعتبر أن ما يجري في فلسطين «ليس صراع حركتين وطنيتين متكافئتين، بل حرب استعمارية تُشن على شعب أصلي لانتزاع وطنه». وفي حوارات لاحقة، حمّل خالدي الإدارات الأمريكية المتعاقبة مسؤولية تمكين إسرائيل من توسيع احتلالها وفرض أمر واقع يتجاوز حدود 1967، مؤكدًا أن الدعم غير المشروط من واشنطن هو ما يسمح لخطابات مثل تصريح هاكابي بأن تتحول من هامش أيديولوجي إلى فكرة مطروحة من موقع رسمي رفيع.

 

مال سياسي إنجيلي وسياسة ترامب.. البنية الحقيقية لمشروع «إسرائيل الكبرى»

 

تصريحات هاكابي لا تُقرأ بمعزل عن بنية التحالف الذي يحكم علاقة إدارة ترامب باليمين الإسرائيلي؛ فالسفير يمثل شريحة واسعة من الإنجيليين البيض في الولايات المتحدة، الذين يرون في قيام إسرائيل وتوسعها تحقيقًا لنبوءات دينية، ويشكلون قاعدة انتخابية حاسمة لدونالد ترامب والجناح الجمهوري المتشدد، ما يجعل الخطاب التوراتي جزءًا من ممارسة سياسية يومية وليس مجرد خطاب لاهوتي.

 

هذه القاعدة ضغطت خلال السنوات الماضية لدعم قرارات مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2017، والاعتراف بسيادة الاحتلال على الجولان السورية عام 2019، وتبنّي مواقف داعمة للاستيطان والضم في الضفة الغربية، وهي قرارات اعتبرها مراقبون عرب وغربيون خطوات عملية في اتجاه تكريس واقع «إسرائيل الموسّعة» ولو دون إعلان رسمي عن حدود «من النيل إلى الفرات».

 

في قلب هذه المنظومة تقف المليارديرة مريام أديلسون، التي تُقدّر ثروتها بحوالي 40.5 مليار دولار وفق مؤشر بلومبرغ للأثرياء في 2025، وتعدّ من أكبر الممولين الأفراد للحزب الجمهوري وحملات ترامب الانتخابية، إذ تبرعت مثلًا بما يقارب 106 ملايين دولار لحملته في انتخابات 2024 وحدها. أديلسون معروفة بدعمها الصريح لضم الضفة الغربية ومشاريع توسيع الاستيطان، واستخدمت نفوذها المالي والإعلامي للضغط باتجاه سياسات أمريكية أكثر انحيازًا لإسرائيل، ما جعل الكثيرين يرون في تصريحات هاكابي امتدادًا طبيعيًا لتأثير هذا المال السياسي على صياغة خطاب السفارة الأمريكية في تل أبيب.

 

الأكاديمي المصري د. مصطفى الجمال يلفت إلى أن السفير، بحكم موقعه، لا يمكن أن يُعامل كـ«معلّق ديني» بل كناطق باسم دولة عظمى؛ ويشير إلى أن أي احتجاج رسمي من عاصمة عربية على تصريح من هذا النوع يجب أن يتلقّى ردًا واضحًا من البيت الأبيض يحدد ما إذا كان هذا الموقف يمثل واشنطن أم لا، موضحًا أن الاكتفاء ببيانات غاضبة دون اشتراط رد أمريكي علني يترك الانطباع بأن الدول العربية تقبل عمليًا بتمرير خطاب «الحق التوراتي» على أنه رأي شخصي للسفير، بينما تواصل التعامل مع الإدارة ذاتها باعتبارها «راعٍ لعملية سلام» أو «ضامن لمؤتمر سلام عالمي» على غرار ما يسمى بـ«مجلس السلام العالمي» الذي أطلقه ترامب بعد حرب غزة.

 

منظور خالدي هنا يتقاطع مع هذا التقييم؛ إذ يؤكد أن المؤسسات التي تُقدّم كأطر سلام دولية، مثل «مجلس السلام» الذي يترأسه ترامب خارج منظومة الأمم المتحدة، ليست سوى أدوات لإدارة السيطرة الأمريكية–الإسرائيلية على غزة والمنطقة، مع إقصاء الفلسطينيين عن القرار الفعلي، وهو ما يجعل تصريحات هاكابي عن «إسرائيل من النيل إلى الفرات» منسجمة مع بنية أوسع تُعيد رسم الإقليم وفق ميزان القوة لا وفق القانون الدولي.

 

غضب عربي ببيانات حادة.. بلا استراتيجية ردع حقيقية

 

إقليميًا، أثارت تصريحات هاكابي موجة إدانة واسعة؛ فوزارات خارجية مصر والسعودية والأردن ولبنان والعراق وسوريا، إلى جانب قطر والإمارات والبحرين والكويت وعُمان وفلسطين ودول إسلامية مثل تركيا وباكستان وإندونيسيا، أصدرت بيانات وصفت الخطاب بأنه «استفزازي وخطير» و«انتهاك صارخ للقانون الدولي» و«مساس بسيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها»، مع مطالبة واشنطن بتوضيح رسمي يؤكد التزامها بحدود الدول القائمة ورفضها لأي مشاريع ضم أو توسع.

 

الخارجية السعودية ذهبت أبعد قليلًا حين اعتبرت تصريح هاكابي «سابقة خطيرة» و«استهتارًا بالعلاقات المميزة بين دول المنطقة والولايات المتحدة»، وطالبت الإدارة الأمريكية بتحديد موقفها من «الطرح المتطرف» الذي «ينذر بعواقب وخيمة ويهدد السلم والأمن الدوليين»، بينما شددت حركة «حماس» على أن الكلام يعكس «العقلية الاستعمارية» التي قامت عليها الصهيونية، ويكشف «انحيازًا أمريكيًا سافرًا لمشاريع الهيمنة والضم على حساب الحقوق العربية والفلسطينية».

 

مع ذلك، ربطت بيانات دول مركزية مثل القاهرة وعمان بين استنكارها لتصريحات هاكابي وبين إبراز «رؤية ترامب» المعلنة بشأن إنهاء الحرب في غزة وخطة النقاط العشرين، ومؤتمر السلام الذي استضافته واشنطن في 19 شباط/ فبراير، في صياغة قدّمها كثيرون باعتبارها محاولة لفصل السفير عن الإدارة، وإبقاء باب التنسيق مفتوحًا مع البيت الأبيض، رغم أن الموقف العملي للإدارة – وفق مراقبين – لم يظهر أي استعداد حقيقي للضغط على إسرائيل لوقف ضم الأراضي أو تجميد الاستيطان في الضفة الغربية.

 

على مستوى الشارع، جاءت ردود الفعل أكثر حدة؛ فدعوات عديدة طالبت بطرد السفير الأمريكي من العواصم العربية، وعقد قمة عربية طارئة، وتقديم شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة ضد ما اعتُبر «تحريضًا أمريكيًا على احتلال أجزاء من 6 دول عربية»، مع طرح مقترحات لتشكيل جبهة إقليمية تضم مصر والسعودية وتركيا وإيران وباكستان، تتعاون في مجالات التصنيع العسكري والتوازن النووي، بهدف خلق ميزان ردع حقيقي مع إسرائيل في مواجهة «مشروع طويل المدى لن يتوقف بخطاب استنكاري أو بيان دبلوماسي». أصوات أخرى ذكّرت بأن الموقف المعلن للسفير الأمريكي «ليس جديدًا»، وأن ما حال حتى الآن دون تحول هذا المخيال التوراتي إلى واقع خرائطي هو صمود المقاومة الفلسطينية، خصوصًا في غزة، إلى جانب توازنات إقليمية ودولية معقدة، لا البيانات الرسمية.

 

الكاتب والمحلل السياسي المصري إلهامي المليجي يحذّر من التعامل مع استدعاء هاكابي لعبارة «من النيل إلى الفرات» بوصفه مجرد «رد ديني متحمّس»؛ موضحًا أن الخطر لا يكمن في أن إسرائيل تستطيع غدًا ابتلاع 6 دول عربية كاملة، بل في أن يتحول منطق «الحق التوراتي» إلى عدسة تُرى من خلالها سيادة هذه الدول على أنها مشروطة، وحدودها قابلة للتأويل، ووجودها الجغرافي خاضع لمعادلات القوة التي تفرضها واشنطن وتل أبيب. ويرى المليجي أن المشروع الصهيوني يتحرك تاريخيًا بسياسة «الخطوة الممكنة»، من ضم القدس وتوسيع الاستيطان في الضفة، إلى تكريس السيطرة على الجولان واستباحة الأجواء السورية واللبنانية، ثم تحويل هذه الخطوات إلى أمر واقع تحت لافتة «الأمن»، بما يجعل كل جولة توسع جديدة تبدو كاستثناء اضطراري، لا كجزء من مسار استراتيجي متواصل.

 

في هذا السياق، يطرح خالدي سؤالًا متقاطعًا مع ما يثيره المليجي والجمال: هل تملك الدول العربية تصورًا استراتيجيًا يعيد بناء ميزان ردع، يجعل أي حديث عن «إسرائيل الكبرى» مجرد وهم سياسي؟ أم أن سقف الرد سيظل محصورًا في بيانات استنكار لفظية، بينما تستمر واشنطن في رعاية مؤسسات مثل «مجلس السلام العالمي» التي تمنح المشروع ذاته مظلة شرعية شكلية؟ الإجابة حتى الآن تميل إلى الاحتمال الثاني؛ إذ لم تُترجم أي من ردود الفعل العربية إلى خطوات عملية، لا على مستوى إعادة تقييم التحالفات العسكرية، ولا على مستوى رسم خطوط حمراء واضحة أمام التوسع الإسرائيلي، ما يترك المنطقة في وضع تتقدّم فيه كلمات سفير أمريكي متحمّس خطوة إلى الأمام كل مرة، بينما تتراجع قدرة النظام العربي الرسمي على إنتاج ردع حقيقي خطوة أخرى إلى الخلف.