قرار الحكومة برفع رسوم تأشيرة الدخول السياحية العادية للأجانب من 25 إلى 30 دولارًا اعتبارًا من مطلع مارس 2026 يفتح الباب أمام أسئلة قاسية عن جدواه وتوقيته وصلته بأزمة الدولار التي لم تغادر المشهد أصلًا رغم الخطاب الرسمي المطمئن. الإخطار الصادر إلى غرفة شركات ووكلاء السفر والسياحة، وما تضمنه من لهجة تنفيذية حاسمة، يعكس توجهًا واضحًا نحو تحصيل موارد سريعة بالعملة الصعبة حتى لو جاء ذلك على حساب تنافسية المقصد السياحي المصري في سوق إقليمية شديدة التزاحم والحساسية للأسعار.
قرار مفاجئ وسوق بلا وقت للتكيف
الغرفة، برئاسة المدير التنفيذي أسامة عمارة، أبلغت الشركات بضرورة إخطار العملاء بالأسعار الجديدة فورًا، مؤكدة أن القرار "معتمد وواجب التطبيق" في جميع المنافذ، بما يعني أن الزيادة ستدخل حيز التنفيذ دون فترة انتقالية تسمح للسوق بإعادة تسعير البرامج أو استيعاب الصدمة في عقود سارية بالفعل.
هذا النمط في إدارة القرار الاقتصادي، الذي يعتمد الإخطار الفوري والتنفيذ المباشر، يعكس – وفق خبراء – رؤية ضيقة تعتبر السائح مصدر إيراد سريع أكثر مما تعتبره استثمارًا طويل الأجل في سمعة البلاد ومكانتها كوجهة مفضلة، خاصة في ظل هشاشة ثقة شركاء الخارج بعد أعوام من تغير السياسات المتكرر. الخبير السياحي هشام جبر، الرئيس الأسبق لغرفة الغوص والأنشطة البحرية، يرى أن "إعلان أي زيادة في رسوم الدخول يجب أن يسبقه حوار مع القطاع وفترة إشعار لا تقل عن 3 شهور"، معتبرًا أن ما حدث "رسالة سلبية لوكلاء السفر بأن القرارات يمكن أن تتغير بين ليلة وضحاها دون اعتبار للتعاقدات المسبقة".
زيادة في التوقيت الخطأ تضرب التنافسية
القرار يأتي قبيل موسم الربيع، الذي يمثل ذروة للحجوزات من الأسواق الأوروبية، ما يجعل أي زيادة في التكلفة الثابتة – حتى لو بدت محدودة عند 5 دولارات – عاملًا مباشرًا في إعادة تسعير الحزم السياحية، خصوصًا في الشرائح الاقتصادية التي تعتمد عليها مصر بشكل كبير. المنافسة الإقليمية مع وجهات مثل تركيا واليونان والمغرب تقوم على مزيج من الأسعار الجذابة وسهولة الدخول، في وقت تتحرك فيه دول مجاورة نحو إعفاءات وتأشيرات إلكترونية مخففة، بينما يختار صانع القرار في القاهرة الاتجاه المعاكس عبر تعظيم رسوم البوابة الأولى للدخول بدلًا من تحفيز إنفاق السائح داخل البلد.
الخبيرة في اقتصاديات السياحة سلمى حسين تقول إن "رفع رسوم التأشيرة في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع تكلفة السفر يرسل إشارة خاطئة تمامًا للأسواق"، موضحة أن "السائح الذي يقارن بين وجهتين متقاربتين في المحتوى سيذهب غالبًا للأرخص والأكثر استقرارًا في سياساتها، وليس لمن يغيّر الشروط على خط الوصول". هذا التوقيت، مع حساسية الوكلاء في أوروبا وآسيا لأي زيادة مفاجئة، قد يدفع بعضهم لتقليص مقاعد الطيران أو تحويل جزء من الطلب لوجهات بديلة، وهو ما يعني خسارة عملة صعبة أكبر بكثير من دولارات محدودة تحصلها الدولة عند ختم جواز السفر.
رسوم بالدولار تكشف ضيق هامش المناورة
رفع رسم مقوم بالدولار لا يمكن فصله عن عودة مؤشرات الضغط على العملة الأجنبية للواجهة، بعد أشهر من إجراءات استثنائية قالت الحكومة إنها أنهت أزمة سوق الصرف بينما أبقت على قيود غير معلنة في التحويلات والتعاملات الخارجية. في هذا السياق، تبدو زيادة التأشيرة أقرب إلى محاولة سريعة لاقتناص موارد إضافية مضمونة من كل سائح، في مخالفة واضحة لروح تصريحات رسمية سابقة في ديسمبر 2025 نفت وجود نية لرفع الرسوم إلى 45 دولارًا، ووصفت ما جرى وقتها بأنه مجرد تحديد حد أقصى نظري دون تطبيق فعلي.
خبير الاقتصاد الكلي هاني جنينة يرى أن "اللجوء إلى تعظيم الرسوم السيادية الصغيرة بالدولار مؤشر على ضيق هامش المناورة المالية والنقدية"، موضحًا أن "الحكومة تراهن على مصادر مجزأة بدلًا من معالجة جذور أزمة العملة، من هيكل الواردات إلى أولوية الإنفاق العام". هذا التناقض بين خطاب "تحفيز السياحة" من جهة، وقرارات تزيد تكلفة الدخول من جهة أخرى، يقوض الثقة في استقرار السياسات، ويعطي انطباعًا بأن أي تعهد رسمي يمكن التراجع عنه متى احتاجت الخزانة العامة إلى دولار إضافي، حتى لو جاء ذلك على حساب قطاع تُعلنه الدولة "قاطرة للنمو" في التصريحات اليومية.
تناقض الخطاب الرسمي مع واقع السوق
الحكومة كانت قد أكدت في بيانات متكررة أن هدفها تسهيل إجراءات الدخول عبر التأشيرة الإلكترونية وتطوير المطارات، في رسالة موجهة للأسواق بأن مصر تراهن على حجم السائح وإنفاقه وليس على الرسوم المفروضة عليه عند الوصول، لكن الانتقال من تحديد "حد أقصى" على الورق إلى تطبيق زيادة فعلية، ولو جزئية، يضعف مصداقية هذا الخطاب أمام المستثمرين وشركات الطيران ومنظمي الرحلات.
شركات السياحة والفنادق ستضطر الآن إلى إعادة بناء عروضها التسعيرية في وقت ضيق، ما يعني أن جزءًا من الزيادة سينتقل إلى السعر النهائي للحزمة، في حين ستحاول بعض الشركات امتصاص جزء آخر لتجنب فقدان عملائها، وهو ما يضغط على هامش ربحها في سوق تعاني أصلًا من تكاليف تشغيل مرتفعة بفعل التضخم المحلي وتذبذب سعر الصرف.
الخبير الفندقي شريف منصور يحذر من أن "تآكل هامش ربح الشركات لصالح رسوم حكومية إضافية يهدد بجعل القطاع أقل قدرة على الاستثمار في الجودة والتحديث"، مشيرًا إلى أن "الدولة تتصرف كمن يفرض ضريبة على مدخل باب المتجر، ثم يتساءل لاحقًا لماذا انخفضت المبيعات". في المحصلة، القرار يبدو امتدادًا لسياسة تعتمد على الجباية السريعة بالدولار من جيب السائح، بدلًا من بناء سياسة سياحية مستقرة تحمي تنافسية مصر في لحظة يحتاج فيها القطاع إلى ثبات وثقة أكثر من أي وقت مضى، لا إلى قرارات مفاجئة تُشعر شركاءه بأن المخاطر التنظيمية لا تقل عن المخاطر الأمنية أو الاقتصادية في حسابات اختيار الوجهة.

