سليط أحمد هيكل الضوء على «كارثة» دعم الطاقة لا يفتح فقط ملف أسعار الغاز، بل يعيد تفجير سؤال أوسع عن الطريقة التي أدارت بها الحكومات المتعاقبة موارد عامة ضخمة، من الغاز الطبيعي إلى شركات الأسمنت، لصالح أقلية من رجال الأعمال، بينما خرجت الدولة مثقلة بديون متصاعدة، وتُرك المجتمع يواجه وحده اتساع الفقر وتراجع الأمن الاجتماعي وانتشار البلطجة، في ظل أولوية واضحة لأمن السلطة على حساب إصلاح هذا المسار من جذوره.
من دعم الغاز لتضخم الثروات وتراكم الديون
هيكل قدّم في حديثه اعترافًا نادرًا من داخل دوائر المستفيدين؛ وصف دعم الطاقة في مصر بأنه «كارثة»، وتحدث عن «ثروات خرافية وبالقانون» تكوّنت بفعل بيع الغاز للصناعة بأسعار أقل كثيرًا من السعر العالمي، مع السماح للشركات ببيع الأسمنت والحديد بالأسعار الدولية، وهو ما يعني عمليًا نقل جزء من المال العام إلى ميزانيات خاصة، في بلد كانت فيه فاتورة دعم الطاقة واحدة من أكبر أعباء الموازنة، وسببًا رئيسيًا في تفاقم عجزها، كما توثّق تقارير البنك الدولي نفسها.
الاقتصادية سلمى حسين، الباحثة في السياسات المالية والاجتماعية، تشير في دراساتها إلى أن تصميم دعم الطاقة في مصر لعقود كان يخدم المنتجين أكثر من المواطنين؛ فحوالي 80% من دعم الطاقة ذهب إلى الشركات لا إلى الأسر، وأن الأسعار المنخفضة للغاز والكهرباء للصناعة كثيفة الاستهلاك سمحت بتحقيق هوامش أرباح استثنائية، بينما حُرم قطاع واسع من المواطنين من خدمات عامة جيدة بسبب نزيف الدعم، وهو ما يجعل كلام هيكل أقرب إلى شهادة من الداخل على منظومة وُجهت لصالح «مجموعات مصالح» على حساب العدالة الضريبية والإنفاق الاجتماعي.
صحيح أن الحكومات، خاصة بعد 2014، تحولت تدريجيًا إلى آلية تسعير دوري للغاز للصناعة مرتبطة بالأسعار العالمية وسعر الصرف، لكن هذا التحول جاء بعد سنوات كان فيها الغاز يقدم للصناعات الكبرى، وبينها الأسمنت، كميزة تنافسية ممولة من الموازنة العامة، دون ربط حقيقي بين ما تحصل عليه هذه الشركات من دعم وبين ما تخلقه من فرص عمل أو قيمة مضافة للمجتمع، وهو ما أسهم في تركيز الثروة في قطاعات محدودة، بينما ظلت أغلبية العمالة في قطاعات منخفضة الأجر ومن دون حماية.
الباحث الاقتصادي إسحاق ديوان، الذي درس «رأسمالية المحاسيب» في مصر، يوضح أن الطاقة المدعومة كانت واحدة من أهم أدوات تمييز الشركات المرتبطة بالنظام عن منافسيها؛ إذ حصلت هذه الشركات، وفق قواعد لم يكن الجمهور يعرف عنها شيئًا، على حماية تجارية ودعم في أسعار الطاقة وإتاحة للأراضي والائتمان، ما جعل أرباحها أعلى بكثير من الشركات غير المتصلة بالسلطة، وأضعف المنافسة والإنتاجية في قطاعات مثل الأسمنت والحديد، وهي قطاعات كان هيكل نفسه لاعبًا رئيسيًا فيها عبر استثماراته.
خصخصة حلوان للأسمنت.. أصول عامة خرجت بثمن محدود لصالح قلة
شركة أسمنت بورتلاند حلوان تأسست عام 1929، وكانت لعقود أحد أعمدة صناعة الأسمنت في مصر، قبل أن تدخل في برنامج الخصخصة بقرار من لجنة برئاسة عاطف عبيد؛ حيث استحوذت الشركة العربية السويسرية للهندسة «أسيك» على حصة حاكمة من أسهمها في مطلع الألفية، في صفقة تشير تقديرات منشورة إلى أن قيمتها دارت حول 3 مليارات جنيه، مع تمويل مصرفي كبير قادته بنوك محلية ودولية، ليجد المصريون أنفسهم أمام خروج أصل صناعي استراتيجي من ملكية الدولة إلى شركة خاصة، دون نقاش مجتمعي حقيقي حول جدوى أو شروط البيع.
بعد سنوات قليلة، انتقلت ملكية حلوان للأسمنت إلى مجموعة السويس للأسمنت المملوكة لمجموعة إيطالسمنتي، في صفقة قُدرت قيمتها ببضعة مليارات إضافية، ما يعني قفزة واضحة في القيمة السوقية للأصل خلال فترة قصيرة، استفاد منها المساهمون الجدد، بينما كانت الدولة قد خرجت من الصورة تمامًا، ولم يعد لها أي نصيب من هذا الارتفاع اللاحق في القيمة؛ بل تحولت من مالك لواحد من أكبر منتجي الأسمنت إلى مراقب لسوق يسيطر عليه لاعبون محليون وأجانب، يضعون الأسعار في سوق تستفيد أصلًا من طاقة كانت مدعومة من المال العام.
وثائق شركة «القاهرة القابضة / القلعة حاليًا» نفسها تشير إلى أن مسار الاستثمار مر عبر الاستحواذ على «أسيك» ثم إعادة هيكلة حصتها في حلوان للأسمنت، قبل الخروج ببيعها للسوق؛ ما يعني أن الأرباح الرئيسية تحققت من التعامل على أصل كان عامًا، في ظل بيئة خصخصة اتسمت بضعف الشفافية وطبيعة التقييم والتمويل، وهي ملاحظات تكررت في مذكرات قانونية عديدة بعد الثورة، رغم نفي الشركات المعنية لأي مخالفات؛ وهو نفي لم ينجح في ترميم فجوة الثقة بين الرأي العام ومنظومة بيع الأصول العامة التي جرت عبرها هذه الصفقات.
دراسات إسحاق ديوان حول «رأسمالية الهرم» في مصر توضح أن هذا النمط لم يكن استثناء؛ بل جزء من منطق عام سمح لعدد محدود من الشركات المتصلة بالسلطة بالاستفادة من بيع أصول الدولة بأسعار اعتبرها المنتقدون منخفضة، ثم إعادة بيعها أو تشغيلها في بيئة تنظيمية صنعت خصيصًا لحمايتها، وهو ما أدى في النهاية إلى تركز الثروة في قمة هرم ضيق، مقابل اتساع قاعدة من المواطنين تتحمل عبء الديون ورفع الدعم دون أن تستفيد من عوائد الخصخصة أو استغلال الموارد الطبيعية.
ديون متفاقمة وأمن اجتماعي مهمَل لصالح أمن السلطة
بعد يناير، لجأ عمال ومحامون إلى القضاء للطعن في عدد من صفقات الخصخصة، بينها شركات في قطاع الأسمنت، استنادًا إلى شبهات إهدار مال عام وبيع أصول بأقل من قيمتها، لكن أغلب هذه القضايا تحرك في مسارات قضائية معقدة انتهت إلى تسويات أبقت على بنية الملكية كما هي أو أعادت جزءًا محدودًا من الأصول، بينما ظل الإطار العام الذي سمح ببيع الشركات العامة بثمن منخفض واستخدام دعم الطاقة لصالح كبار المستثمرين دون مراجعة شاملة أو محاسبة سياسية واضحة، وهو ما جعل كثيرين يرون أن الدولة اختارت حماية تراكمات الماضي بدل إعادة النظر فيها.
في الوقت نفسه، تكشف تحليلات الميزانية العامة عن واقع شديد القسوة؛ فخدمة الدين وفوائده تلتهم اليوم ما يقترب من ثلثي الإنفاق الحكومي في مشروع موازنة 2025-2026، بحسب تقديرات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ما يعني أن كل جنيه ضائع في دعم طاقة غير عادل أو بيع أصل عام بأقل من قيمته يتحول في النهاية إلى دين جديد وفائدة إضافية تُدفع من أموال دافعي الضرائب، بينما تتراجع قدرة الدولة على تمويل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية بشكل فعّال.
الباحث السياسي الاقتصادي تيموثي كالدهس يصف الوضع الاقتصادي المصري الراهن بأنه حالة «اختناق بالديون»، مع تضخم مرتفع، وتراجع في الطاقة الشرائية، وانكماش متواصل في القطاع الخاص، الأمر الذي يدفع شرائح واسعة من المصريين إلى البحث عن الهجرة كخيار وحيد للهروب من الضغط الاقتصادي، بينما تستمر الحكومة في الاعتماد على نفس الأدوات: مزيد من القروض لسداد قروض سابقة، ومزيد من إعادة هيكلة الدعم دون تغيير جوهري في نمط توزيع الأعباء بين الأغنياء والفقراء أو مراجعة ملفات مثل الطاقة والخصخصة التي صنعت جزءًا كبيرًا من هذه الأزمة.
كالدهس، الذي يركز في أبحاثه على استراتيجيات بقاء الأنظمة، يشير أيضًا إلى أن السلطة في مصر اختارت على مدى سنوات زيادة الإنفاق على الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتوسيع حضورها في الاقتصاد، مقابل تقليص هامش المشاركة السياسية والرقابة المجتمعية على القرارات الاقتصادية الكبرى؛ ما جعل ملف مثل دعم الطاقة أو بيع شركات الأسمنت يُدار في غرف مغلقة، ثم يُطلب من المجتمع دفع الفاتورة عبر ضرائب غير مباشرة ورفع أسعار الخدمات، مع استمرار أولوية «أمن النظام» على «أمن المجتمع» بمفهومه الأوسع، بما يشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والقانوني.
في هذا السياق، تصبح تصريحات أحمد هيكل عن «كارثة» دعم الطاقة وشبكات الثروة «الخرافية» التي صنعتها هذه السياسات أكثر من مجرد تقييم اقتصادي متأخر؛ فهي تذكير بأن ما جرى لم يكن خطأ تقنيًا عابرًا، بل خيارًا سياسيًا سمح بتحويل موارد عامة، من الغاز إلى مصانع الأسمنت، إلى رافعة لتكوين ثروات لقلة على حساب أغلبية، قبل أن تُرفع فواتير الدعم وتُباع أصول أخرى، وتُترك البلاد في قبضة ديون وفوائد تقيّد أي إمكانية لتنمية عادلة. وعندما تواصل الحكومة اليوم الحديث عن إصلاح الدعم أو بيع أصول جديدة دون مراجعة جادة لما حدث في ملفات مثل أسمنت حلوان أو تسعير الغاز للصناعة، فإنها ترسل إشارة واضحة بأن المسار لم يتغير فعليًا؛ نفس المنطق يستمر، مع اختلاف الأسماء، بينما يدفع المواطن العادي الثمن مرتين: مرة عندما يُستبعد من ثمار الخصخصة والدعم، ومرة عندما يُطالَب بتحمل أعباء الديون والتقشف دفاعًا عن نفس السياسات التي صنعتهما.

