تسلط واقعة الاعتداء اللفظى على طالبات جامعة الأزهر أثناء صلاة التراويح فى المدينة الجامعية بأسيوط الضوء على مناخ عام صنعه نظام قائد الانقلاب العسكرى عبد الفتاح السيسى، يقوم على تجريم أى تعبير مستقل عن التدين أو التعاطف مع قضايا الأمة، من اعتقال من يرفع علم فلسطين، إلى إخضاع الدعاة وإسكات أى مساحة يختلط فيها الدين بالوعى السياسى، ما يحوّل حتى شعيرة بسيطة كصلاة التراويح داخل سكن طالبات إلى ملف أمنى يدار بعقلية المنع والتخويف لا بعقلية الخدمة والرعاية.
المدينة الجامعية.. مشرفة تعتدى والجامعة تبرر
تفاصيل الواقعة كما روتها طالبات المدينة الجامعية بفرع الأزهر فى أسيوط تبدأ بمجموعة من الطالبات قررن أداء صلاة التراويح فى مدخل مبنى إسكان (5)، قبل أن تتدخل مشرفة الإقامة وتطلب فض الصلاة بطريقة وصفنها بأنها «تعدٍ لفظى» ومحاولة تفريق قسرى، ما تسبب فى حالة ارتباك وخوف بين الطالبات اللاتى وجدن أنفسهن فجأة يتعرضن للزجر أثناء أداء عبادة ليلية يفترض أن الجامعة نفسها تشجع عليها فى شهر رمضان.
فى بيانها الرسمى قالت الجامعة إن المشكلة بدأت بسبب محاولة فتح الطريق أمام طالبات عائدات من السفر تعذر دخولهن بسبب غلق الباب أثناء الصلاة، وإن المشرفة استخدمت «أسلوبًا غير لائق» فأدى ذلك لتصاعد الموقف، ثم أعلنت استبعادها من الإشراف وإحالة الواقعة للتحقيق، لكنها فى الوقت نفسه أكدت ضرورة التزام الطالبات بالأماكن المخصصة للصلاة داخل مبانى الإسكان، وهو ما يقرأه كثيرون كرسالة تقييد لا تضامن، حيث يتم اختزال المشكلة فى مكان الصلاة لا فى طريقة التعامل المهينة مع من يؤدونها.
هذه اللغة التى تمزج بين الاعتذار الجزئى والتشديد الإدارى تعكس بيئة أوسع حوّلت الإدارات الجامعية إلى أذرع أمنية تطبيقية أكثر منها مؤسسات تعليمية، وتدفع الموظفين والمشرفين إلى التعامل مع أى تجمع عبادى خارج القاعات الرسمية على أنه مصدر «إزعاج محتمل» يجب تفكيكه فورًا، بدل النظر إليه كجزء طبيعى من حياة طلاب يسكنون بعيدًا عن أسرهم ويبحثون عن جو روحى آمن داخل أسوار الجامعة.
منع التدين المستقل.. من المساجد إلى الشوارع
واقعة أسيوط لا تأتى من فراغ؛ فخلال السنوات الماضية رسخ نظام السيسى سياسة تضييق واسعة على أشكال التدين التى لا تمر عبر قنواته الرسمية، بدأت بالسيطرة الكاملة على المساجد وخطب الجمعة ومنع الدعاة المستقلين، ثم امتدت إلى ملاحقة أى دعوة تجمع بين الوعظ الدينى والوعى السياسى، عبر اعتقالات ومحاكمات طالت خطباء ووعاظًا لمجرد تطرقهم لقضايا فلسطين أو الحديث عن الظلم الاجتماعى من منبر المسجد.
على مستوى الجامعات، تزامن ذلك مع حصار الأنشطة الطلابية ذات الطابع الإسلامى أو التضامنى، إذ تشير تقارير حقوقية إلى اعتقال طلاب فى جامعات مختلفة بسبب فعاليات سلمية داعمة لغزة أو رافضة للتطبيع، ما خلق مناخًا يشعر فيه الطلاب أن مجرد رفع شعار دينى أو سياسى قد يفتح عليهم أبواب التحقيق والحرمان من السكن أو الدراسة.
هذا المناخ يغذى لدى الإدارات الوسطى ـ مثل مشرفات المدن الجامعية ـ شعورًا بأنهم مكلفون بضبط «التدين المسموح» ومنع أى مبادرات ذاتية من الطلاب، فيتجاوزون حدود مهامهم الخدمية إلى سلوك زجرى وتعنيف لفظى، كما حدث مع طالبات الأزهر، لأن الرسالة القادمة من أعلى تقول إن أى تجمع غير منظم قد يُفهم كحراك دينى أو سياسى لا تريد السلطة رؤيته.
علم فلسطين جريمة.. حين يتحول التعاطف إلى تهمة أمنية
فى مقابل تساهل النظام مع مظاهر الإسفاف الإعلامى والانفلات الأخلاقى، تشددت أجهزة الأمن مع أى تعبير صغير عن التعاطف مع فلسطين، سواء داخل الملاعب أو فى الشوارع أو أمام الجامعات، فوثقت منظمات حقوقية حالات اعتقال لشباب فقط لأنهم رفعوا علم فلسطين فى ميدان التحرير أو مدرجات استاد القاهرة أو أمام لوحات إعلانية، واتهم بعضهم بـ«نشر أخبار كاذبة» و«الانضمام إلى جماعة إرهابية»، فى تجريم واضح لمشاعر تساند شعبًا يتعرض لإبادة جماعية.
فى الجامعات تحديدًا، تم حبس طلاب وملاحقة مبادرات مثل «طلاب من أجل فلسطين» بتهم ثقيلة، وأحيل آخرون لقضايا أمن دولة بسبب وقفات رمزية ولافتات تندد بالعدوان، وهو ما جعل الحرم الجامعى ـ الذى يفترض أن يكون مساحة تقليدية للنشاط السياسى والفكرى ـ يتحول إلى منطقة مراقَبة، يتعامل فيها الأمن مع الطلاب كخصوم محتملين لا كشباب ينتمون لوطن غاضب مما يجرى لأشقائه.
ربط هذه الوقائع بما حدث لطالبات الأزهر فى أسيوط يوضح نمطًا واحدًا: سلطة تكره أى تجمع يحمل دلالة دينية أو سياسية خارج إشرافها المباشر، سواء كان رفع علم فى مظاهرة عابرة أو صلاة تراويح فى مدخل مبنى سكنى، وتتعامل معه بأدوات عقابية أو ردعية، ثم تقدم بعد ذلك بيانات «توضيح» لا تمس جوهر المشكلة، الذى هو وجود قرار سياسى بتحجيم كل ما يعبر عن هوية الشعب وقضاياه.
تدجين الأزهر والدعاة.. دين تحت الوصاية العسكرية
بالتوازى مع ذلك، عمل النظام على إحكام قبضته على المؤسسات الدينية نفسها، إذ تم دمج الدعاة ووعاظ الأوقاف فى برامج تدريب عسكرية طويلة بالأكاديمية العسكرية، تحت شعار «تجديد الخطاب الدينى» و«صناعة دعاة مستنيرين»، بينما الهدف الفعلى ـ كما يراه محللون ـ هو إعادة تشكيل شخصية الداعية على أساس الطاعة والانضباط، وتحويله من صوت شرعى مستقل إلى موظف يردد خطاب الدولة عن «حرية الاختيار فى الإيمان» و«عدم تشدد الدين».
هذا المسار جعل الأزهر ووزارة الأوقاف جزءًا من منظومة السيطرة لا حائط صدٍّ أمام تغول السلطة على الدين، فغابت المواقف الواضحة إزاء انتهاكات مثل إغلاق مساجد صغيرة أو منع اعتكاف أو التضييق على الدروس، كما غاب الصوت القوى حين روّج إعلاميون مقربون للنظام لأفكار تمس ثوابت العقيدة مثل التشكيك فى ختم النبوة أو الترويج لمذاهب كالإبراهيمية والبهائية، بينما ظل الرد الرسمى خافتًا أو غائبًا، ما عزز قناعة بأن المؤسسة مكبّلة سياسيًا.
بهذا تصبح واقعة أسيوط انعكاسًا مباشرًا لسياسة تدجين كاملة؛ فالمشرفة التى تجرأت على رفع صوتها فى وجه طالبات يصلين تعلم ضمنيًا أن سقف الجرأة على مظاهر التدين مقبول ما دام لا يغضب السلطة، بينما أى مظاهرة تضامن مع غزة أو نقاش سياسى فى محاضرة قد يجر عليها وعلى الطالبات تحقيقات وعقوبات، وهو مناخ لا يمكن فصله عن اختيارات رأس النظام الذى أعلن مرارًا رفضه لما يسميه «التدين الشكلى» فى حين يضرب ـ بقراراته ـ عمق التدين المجتمعى ذاته.
حالة المجتمع.. خوف متراكم وغضب مكتوم
تكرار الحوادث التى تُستهدف فيها مظاهر التدين أو التضامن الإنسانى يترك أثرًا نفسيًا عميقًا فى المجتمع، خاصة بين الشباب؛ فطالبة تهان لأنها تصلى، وطالب يُعتقل لأنه رفع علم فلسطين، وداعية يُحاكم لأنه رفض إدماج النصوص الدينية فى خطاب «الحرية المطلقة» الذى يريده النظام، ما ينتج أجيالاً تتعلم منذ الجامعة أن الإيمان يجب أن يبقى حبيس القلب والبيت، وأن التعبير عنه فى المجال العام مخاطرة قد تكلف صاحبها مستقبله.
فى المقابل، لا يبذل النظام جهدًا حقيقيًا لمعالجة الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية التى تضرب الأغلبية، بل يركز على هندسة المجال الرمزى للدين والسياسة والإعلام، ليصنع مواطنًا منزوع الهوية خائفًا من التعبير، يقبل أن تُدار بلاده بقرارات فوقية لا يتم استئذانه فيها، من تغيير اسم العاصمة إلى ممفيس إلى التحكم فى كيف ومتى يصلّى، بينما يظل من يطالب بحقوقه أو يعبر عن ضميره عرضة للسجن أو التشهير أو المنع من الدراسة والعمل.
هكذا تكشف حادثة بسيطة فى مدينة جامعية طرف الصعيد عن صورة أوسع لنظام عبد الفتاح السيسى: سلطة ترى فى تدين شعبها وفى تضامنهم مع قضايا أمتهم تهديدًا ينبغى ضبطه بالعصا الأمنية، لا رصيدًا أخلاقيًا يمكن البناء عليه، وتتعامل مع الجامعات والمساجد والإعلام كخطوط أمامية لمعركة صامتة ضد هوية المجتمع، ما يجعل كل اعتداء على طالبة تصلى أو شاب يرفع علم فلسطين حلقة جديدة فى سلسلة قمعية تستهدف روح هذا المجتمع قبل جسده.

