أشعلت تصريحات السفير الأمريكى فى تل أبيب مايك هاكابى، عن «حق توراتى» لإسرائيل فى السيطرة على مساحات واسعة من أراضى العرب، جدلا سياسيا وغضبا شعبيا، وكشفت فى الوقت نفسه هشاشة الموقف العربى الرسمى أمام خطاب توسعى متطرف يعيد إنتاج منطق الاستعمار الدينى بغطاء دبلوماسى أمريكى رسمى.

 

هاكابى والسردية التوراتية: دبلوماسية على حافة التبرير الاستعمارى

 

قال هاكابى، فى مقابلة مع الإعلامى الأمريكى تاكر كارلسون مساء الجمعة 20 فبراير 2026، إنّه «لا بأس» لو استولت إسرائيل على كامل أراضى الشرق الأوسط، مستندا إلى نصوص من العهد القديم تزعم حقا دينيا فى الأرض «من النيل إلى الفرات»، وهو ما يعنى نظريا مساحات داخل مصر وسوريا والعراق والأردن والسعودية.

 

يعلّق الدكتور عبد الله الشايجى، أستاذ العلوم السياسية الكويتى، بأن هذه اللغة تمثل «عودة صريحة إلى خطاب التفويض الإلهى» الذى استخدمته قوى استعمارية فى القرن الـ19 لتبرير التوسع على حساب شعوب أخرى، ويحذر من أنها «تحوّل التطرّف الدينى إلى موقف دبلوماسى أمريكى معلن، بما يهدد ما تبقّى من مصداقية واشنطن كوسيط».

 

السفير الأمريكى حاول لاحقا التراجع جزئيا بوصف كلامه بـ«المبالغة المجازية»، لكنه تمسك بالجوهر حين تحدث عن «حق توراتى» لإسرائيل فى أراضى أوسع من حدودها الحالية، وهو ما يراه الشايجى «أخطر من الجملة المثيرة نفسها، لأنه يشرعن من حيث المبدأ إمكانية إعادة رسم الخرائط بالقوة على أساس تأويل دينى أحادى».

 

بهذا المعنى، لا تبدو تصريحات هاكابى مجرد زلة لسان أو شطح فردى، بل حلقة فى مسار صعود تيار مسيحى صهيونى داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، يعتبر أمن إسرائيل وتوسعها جزءا من عقيدة دينية وسياسية متكاملة، ويُقحم المنطقة كلها فى معادلة لاهوتية مغلقة لا مكان فيها لحقوق الفلسطينيين أو سيادة الدول العربية.

 

غضب عربى واسع.. وبيانات بلا أنياب

 

أدانت الجامعة العربية ما وصفته بتصريحات «متطرفة» تنسف أسس القانون الدولى وتبرر ضم أراضى دول ذات سيادة، واعتبرت أن حديث هاكابى عن حق إسرائيل فى «السيطرة على الشرق الأوسط» يمثل خروجا فجا على أبسط قواعد العمل الدبلوماسى.

 

أصدرت مصر والأردن والإمارات والسعودية، ومعها أكثر من 12 دولة عربية وإسلامية، بيانات شجب قوية أكدت أنه لا سيادة لإسرائيل على الأراضى الفلسطينية المحتلة ولا على أى أراض عربية أخرى، وأن أى محاولة لضم الضفة أو فصلها عن غزة مرفوضة بشكل قاطع.

 

يرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن اللغة كانت «صارمة على الورق، لكنها بلا آليات ضغط»، ويقول إن العواصم العربية «تتصرف كأن الأمر مجرد انفعال إعلامى عابر، بينما هو فى جوهره اختبار متعمد لمدى استعداد المنطقة لقبول خطاب تقسيم جديد يمر عبر البوابة التوراتية».

 

ويضيف نافعة أن الاقتصار على الاستدعاء الروتينى لحدود 4 يونيو 1967 وحل الدولتين، دون ربطه بخطوات عملية مثل تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسى أو تجميد اتفاقيات تعاون محددة، «يوجه رسالة عكسية لواشنطن وتل أبيب مفادها أن الكلفة الفعلية لمثل هذه التصريحات لا تتجاوز دورة أخبار مدتها 48 ساعة».

 

هذا الفراغ بين لهجة الغضب وحدود الفعل يجعل جزءا من الرأى العام العربى يرى فى المشهد «تخاذلا رسميا» أكثر من كونه مجرد عجز، خاصة عندما تتزامن عاصفة البيانات مع استمرار التنسيق الأمنى والاقتصادى مع واشنطن، بلا مراجعة جدية لمعادلة العلاقة ولا لاستخدام المساعدات والصفقات كورقة ردع سياسية.

 

فلسطين.. الخطر المباشر على الأرض والحق والقانون

 

فى الضفة وغزة، قوبلت تصريحات هاكابى بوصفها «قمة التطرف الدينى» و«عقلية استعمارية» تسعى لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية عبر توسيع شرعية الاحتلال إلى ما وراء فلسطين نفسها، وتحويل الصراع من نزاع على أرض محتلة إلى نزاع لاهوتى مفتوح بلا حدود.

 

يؤكد المحلل الفلسطينى هانى المصرى أن أخطر ما فى التصريح هو «محاولة تطبيع فكرة أن إسرائيل ليست فقط فوق القانون الدولى داخل الأراضى المحتلة، بل فوقه فى كامل الإقليم»، ويحذر من أن هذا المنطق «يمهّد لتسويغ ضم فعلى للضفة، وتقويض أى أفق لدولة فلسطينية قابلة للحياة».

 

تستند المواقف الفلسطينية والعربية الرسمية إلى قرارات أممية واضحة تعتبر الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أراض محتلة، وتنص على عدم امتلاك إسرائيل أى سيادة قانونية عليها، وهو ما شدد عليه أيضا وزراء خارجية عرب وبيانات منظمات إسلامية، رافضة توظيف النصوص الدينية لتبرير إدامة الاحتلال.

 

لكن المصرى يلفت إلى أن الاكتفاء بالاستدعاء النظرى للقانون الدولى، دون بناء استراتيجية إقليمية لدعمه، يسمح لخطاب مثل خطاب هاكابى بأن يتحول تدريجيا إلى «مرجعية سياسية موازية» داخل دوائر صنع القرار الأمريكية والإسرائيلية، تتعامل مع التوسع الإقليمى كخيار مشروع وليس مجرد طموح هامشى.

 

بهذا، تصبح تصريحات السفير الأمريكى إنذارا مبكرا بأن معركة الفلسطينيين والعرب لم تعد فقط على حدود 1967 أو حق العودة أو القدس، بل على تعريف أساسى: هل تظل المنطقة محكومة بقواعد القانون الدولى، أم تنزلق إلى منطق «الحق التوراتى» الذى لا يعترف إلا بقوة الأمر الواقع ومن يملك السلاح ومن يحظى بدعم واشنطن؟

 

دلالات على واشنطن والمنطقة.. ماذا بعد الغضب؟

 

تصر وزارة الخارجية الأمريكية، حتى الآن، على الصمت أو الاكتفاء بتسريبات عن أن كلام هاكابى «لا يعبر عن تغيير رسمى فى السياسة»، لكن غياب أى توبيخ علنى يطرح، فى رأى كثير من المراقبين، سؤالا حول حدود التسامح داخل الإدارة مع خطاب يمين دينى يعتبر الضم والتوسع خيارات مقدسة.

 

يرى الدكتور عبد الله العسكر، الباحث السعودى فى العلاقات الدولية، أن استمرار هاكابى فى منصبه بعد هذه التصريحات «سيُقرأ فى العواصم العربية كضوء أخضر ضمنى»، ويقول إن «واشنطن إذا لم تتحرك على مستوى الإقالة أو على الأقل الاستدعاء والمساءلة العلنية، فإنها ترسل رسالة بأن الراوى التوراتى مقبول كجزء من هوامش السياسة الرسمية».

 

من جهة أخرى، تكشف الأزمة عن هشاشة بنية الأمن العربى الجماعية، إذ تبدو الدول الأكثر اعتراضا على كلام السفير الأمريكى هى ذاتها الأكثر اعتمادا على المظلة الأمنية والاقتصادية لواشنطن، ما يحدّ من قدرتها على تحويل الغضب إلى أدوات ضغط، ويكرس حالة «التبعية الغاضبة» التى لا تملك تصوراً مستقلاً لإدارة الصراع العربى الإسرائيلى.

 

العسكر يحذر من أن تجاهل هذه اللحظة سيجعل التصريحات المتطرفة «خطوة تمهيدية قبل سياسات أكثر جرأة على الأرض»، مثل تسريع الاستيطان، أو إجراءات ضم جزئى فى الضفة، أو فرض وقائع جديدة فى القدس، وكلها تحركات ستستند بسهولة إلى خطاب سياسى وإعلامى تم تجريبه ولم يواجه بردع حقيقي.

 

فى المحصلة، تضع كلمات هاكابى العواصم العربية أمام اختبار مزدوج: إما الاكتفاء بدورة احتجاج لفظى تنتهى خلال أيام، أو الشروع فى بناء موقف إقليمى متماسك يعيد تعريف خطوط التعامل مع واشنطن وتل أبيب، ويربط أمن الأنظمة بمصير الأرض والحق والقانون، لا بحسابات اللحظة وموازين القوى وحدها، وهو خيار لن يُحسم بالبيانات بل بما تجرى ترجمته إلى سياسات على الأرض.