يتحوّل الشارع في القليوبية إلى مسرح مفتوح للعنف المسلّح والمهانة العلنية، كما توثّق ثلاثة فيديوهات متداولة خلال أسبوع واحد: أب وطفله الصغير يُستهدفان بطلقات خرطوش في باسوس، شاب يُسحَل معنويًا بإلباسه بدلة رقص نسائية والزفة به في ميت عاصم ببنها، ومشاجرة تنتهي بطعن شاب بكزلك بعد تدخله للدفاع عن فتاة. هذه المقاطع لا تكشف فقط انفلاتًا في سلوك أفراد، بل تعكس واقعًا أوسع من شيوع السلاح المحلي وغياب ردع حقيقي، في ظل دولة تلاحق الفيديو بعد انتشاره أكثر مما تمنع الجريمة قبل وقوعها.
كزلك في الجيب وورش سلاح في الخلفية.. القليوبية عرَض لسياسة أمن مختلة
الفيديو الأخير والحديث الذي وثّق طعن شاب بكزلك بعد تدخله للدفاع عن فتاة في القليوبية، يكمل الصورة التي ترسمها المقاطع الأخرى: مشاجرة عابرة تتحول خلال ثوانٍ إلى اعتداء بسلاح أبيض، وسلاح يُستخرج من الجيب بسهولة، ودم يُراق في الشارع أمام الكاميرا. رغم أن بيان الداخلية ركّز على واقعة تحرش لفظي بفتاة في الخانكة وتعرضها للضرب عند توبيخ المتحرش، فإن ما يظهر في الفيديوهات المتداولة من وقائع مشابهة يوضح أن الكزلك والسلاح الأبيض جزء ثابت من مشهد الخلاف اليومي.
دا تالت فيديو في اسبوع واحد من القليوبية
— يُونس (@aruisegy) February 22, 2026
اول حاجه الشاب الي لبسوه فستان و بعدها الي كان معاه خرطوش و النهاردة واحد بيتضرب بكزلك عشان بيدافع عن واحده.
بالمناسبة القليوبية عندنا الورش في كل حته بيتصنع فيها فرد خرطوش و سلاح ابيض بالذات شبرا و بنها و في متناول اي حد pic.twitter.com/892W8ukrXs
هذا السلوك لا ينفصل عن واقع معروف في القليوبية عن وجود ورش لتصنيع السلاح المحلي؛ تقارير أمنية سابقة وثّقت ضبط ورش في شبرا الخيمة لتصنيع فرد خرطوش وذخائر من مواسير وقطع حديدية، وورش أخرى تضبط بين حين وآخر في المحافظة، لكن استمرار ظهور هذا السلاح في الشارع يعني أن المعالجة ما زالت جزئية، تلتقط بعض الأطراف وتترك غيرها يعمل بهدوء.
الخبير في علم الاجتماع السياسي د. عمرو الشوبكي يربط بين هذا الانفلات وبين اختيار الدولة توجيه ثقلها الأمني نحو مراقبة المجال السياسي والإعلامي بدلًا من بناء منظومة أمن مجتمعي متماسكة؛ فحين تُوجَّه الطاقة إلى ملاحقة المعارضين، وإغلاق منافذ المشاركة السلمية، يُترك الفراغ في الشارع ليملؤه من يملكون السلاح والشوكة، فتزدهر البلطجة، بينما يشعر المواطن العادي أن الدولة لا تراه إلا حين تريد السيطرة عليه، لا حين يحتاج إلى حماية.
الحقوقي حسام بهجت يضيف أن غياب الشفافية حول حجم جرائم العنف المجتمعي، وطبيعة الأحكام الصادرة فيها، وخطط نزع السلاح غير المرخص، يجعل الرأي العام يعتمد على الفيديوهات المتداولة كمصدر رئيسي للمعرفة، ما يزيد فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
ويرى أن تكرار مشاهد مثل باسوس وميت عاصم والطعنة بالكزلك خلال أيام قليلة يكشف خللًا بنيويًا في مقاربة الحكومة لملف الأمن؛ حيث تُعلن "سقوط المتهمين" في كل مرة، لكن لا يتغير شيء في بنية الواقع الذي ينتج المتهمين.
باسوس.. أب وطفله هدف مباشر للخرطوش في شارع ضيق
فيديو باسوس يوثّق لحظة صادمة: أب يسير مع طفله في شارع جانبي بالقرية، ثم يظهر شخصان أحدهما يحمل فرد خرطوش والآخر سلاحًا أبيض، ويتقدمان نحوهما ويطلقان النار من مسافة قريبة، فيسقط الأب أرضًا، ويحاول الطفل الاتكاء على جسد والده وهو يصرخ، ثم يتعثر وسط ذعر واضح، بينما يفر المعتدون بعد تنفيذ ما يبدو أنه استهداف مقصود.
التقارير المتابعة للواقعة أشارت إلى أن الحادث وقع في باسوس التابعة للقناطر الخيرية، أثناء عودة الأب وطفله من الصلاة، وأن الطفل أصيب في قدمه والأب في أجزاء من جسده بطلقات خرطوش، وأن الفيديو هو ما فجّر الغضب ودفع الأجهزة الأمنية لإعلان ضبط المتهمين والتحقيق معهم.
الخبير الأمني د. خالد عكاشة يوضح في تحليلات حول جرائم مشابهة أن انتشار "الفرد الخرطوش" محلي الصنع في القرى والمدن الصغيرة يرجع إلى سهولة تصنيعه وغياب رقابة فعالة على الورش، مشيرًا إلى أن هذا النوع من السلاح يُستخدم في الخصومات الشخصية واستعراض القوة، وأن معالجة الظاهرة تحتاج تجفيفًا لمصادر التصنيع والتداول، لا الاكتفاء بضبط بعض المتهمين بعد كل موجة غضب.
الحقوقي أحمد مفرح يرى أن جرأة استخدام الخرطوش في الشارع مع علم الجناة بوجود كاميرات تعكس شعورًا متجذرًا بضعف الردع، موضحًا أن بطء الإجراءات القضائية في جرائم العنف المجتمعي، وتراكم قضايا أخطر لم يُحاسَب مرتكبوها بوضوح، يخلق بيئة يعتبر فيها الجاني أن المخاطرة باستعمال السلاح مقبولة، ما دام النظام منشغلًا أكثر بالمعارضة السياسية من انشغاله بحماية الناس في الشارع.
ميت عاصم.. شاب في بدلة رقص وسط الشارع و"محكمة أهلية" تتقدّم على دولة القانون
الفيديو الثالث من قرية ميت عاصم ببنها يُظهر مستوى مختلفًا من العنف؛ إذلال علني لا يقل قسوة عن الرصاص. الكاميرا ترصد شابًا مكرهًا على ارتداء ملابس نسائية وبدلة رقص، واقفًا في منتصف الشارع، محاطًا بعدد من الرجال والشباب يضحكون، يلقون عبارات مهينة، ويطالبونه بالوقوف على كرسي أو السير في "زفة" وهو بهذه الهيئة، في مشهد يهدف إلى سحق كرامته أمام أهل القرية، بدعوى "تأديبه" بسبب علاقة عاطفية.
إجبار شاب على ارتداء بدلة رقص في القليوبية.. وعلاقة محمد رمضان بالواقعة!#قناة_الشرق #ايه_الحكاية #عماد_البحيري pic.twitter.com/TkHq1SUSEr
— قناة الشرق (@ElsharqTV) February 13, 2026
وفق ما ظهر في روايات الأسرة ومحامي الشاب في مقاطع أخرى، فقد جرى استدراجه، ضربه، ثم إجباره على ارتداء بدلة رقص نسائية، ورفعه على كرسي في الشارع وتصويره من أكثر من زاوية، قبل أن يتم الزفة به، في استعراض متعمد للقوة أمام القرية. بيان الداخلية اللاحق أكد تحديد المتهمين وضبطهم، بعد تداول الفيديو وتلقي بلاغ من الأهالي، لكن المشهد نفسه يؤكد أن الفعل كان منظّمًا، وأن منفذيه تصرفوا بثقة من أن "محكمة الشارع" ستسبق أي محاسبة رسمية.
الخبير الاجتماعي د. سعيد صادق يعتبر أن هذه الواقعة تجسيد لفكرة "إزاحة الدولة من موقع المحتكر للعقاب"، موضحًا أن من يجبر شابًا على هذا النوع من الإهانة العلنية ويصوّره وينشره، يعلن عمليًا أن القانون لا يُخيفه، وأن سطوة العائلة أو المجموعة أقوى من سطوة النظام في تلك المساحة. ويرى أن تراكم هذا النمط يخلق ثقافة يعتبر فيها الناس التشهير والاعتداء الجماعي وسيلة مشروعة لتصفية الحسابات.
المحامي والحقوقي نجاد البرعي يحذر من أن التعامل السطحي مع هذه الحوادث – باعتبارها مجرد "تجاوز فردي" – يتجاهل أنها جرائم مركبة تشمل الاحتجاز، والاعتداء، وانتهاك الخصوصية، وبث محتوى مهين، مطالبًا بسياسة جنائية تعطي رسائل واضحة بأن من يمارس هذا النوع من "العقاب الأهلي" سيواجه عقوبة رادعة وسريعة، وإلا سيستمر الإحساس بأن الدولة تتسامح مع من يفرضون قانونهم الخاص في الشارع.
في المحصلة، لا يمكن اختزال ما جرى في القليوبية في "حوادث فردية" أو "تصرفات شاذة"؛ ثلاثة فيديوهات خلال أسبوع واحد ترسم ملامح محافظة تتقاطع فيها ورش تصنيع السلاح، وثقافة استسهال العنف، وخوف ضحايا من غياب حماية سريعة، مع دولة تحضر في النهاية ببيان قصير يعلن ضبط الجناة، ثم تعود إلى انشغالها بالسياسة والدعاية.
هذا الوضع ليس قدرًا محتومًا، لكنه نتيجة مباشرة لسياسات اختارت أن تحمي النظام أولًا والمجتمع لاحقًا؛ وما لم يُعكس هذا الترتيب، ستظل الكاميرا في باسوس وميت عاصم وغيرها توثق أسبوعيًا نفس الرسالة: البلطجة أقوى من القانون، والحكومة آخر من يصل.

