تصاعدت في الساعات الأخيرة حدة الخطاب بين طهران وواشنطن، مع تلويح أمريكي متكرر بأن "كل الخيارات على الطاولة" واقتراب ما تسميه بعض الدوائر "ساعة الصفر"، بالتزامن مع حشود عسكرية أمريكية في الخليج وتصعيد متبادل في اللغة بشأن البرنامج النووي والصواريخ، بينما تواصل السلطات الإيرانية بث رسائل تطمين للرأي العام حول "الجاهزية للرد" و"استبعاد الحرب"، في وقت يعيش فيه الشارع الإيراني حالة مركبة من القلق الاقتصادي، والخوف الأمني، والسخط السياسي المتراكم منذ موجات الاحتجاج الأخيرة.
قلق يومي في طهران.. تخزين سلع وأدوية، وعملة منهارة تحت ضغط الحرب والعقوبات
تقرير لصحيفة "ذي آيريش تايمز" من طهران وصف حالة "لا يقين" متزايدة بين سكان العاصمة مع تصاعد تهديدات الحرب؛ فالكثير من السكان لجؤوا في الأيام الماضية إلى تخزين السلع الأساسية والأدوية تحسبًا لأي ضربة قد تربك سلاسل الإمداد أو تؤدي إلى تشديد إضافي للعقوبات، بينما يراقبون في الوقت نفسه شاشات الهواتف لمتابعة الأخبار عن تحركات الأساطيل الأمريكية والتصريحات المتبادلة.
سوق الصرف أصبح مرآة مباشرة لهذا التوتر؛ فمع كل تسريب عن سيناريو ضربات أمريكية "جراحية" أو استهداف شخصيات قيادية، يفقد الريال الإيراني جزءًا جديدًا من قيمته، حتى تجاوز – بحسب تقارير "إيران إنترناشيونال" و"إيران إنترناشونال عربي" – مستويات تاريخية قاربت 1.5–1.6 مليون ريال للدولار في السوق المفتوحة، بعد أن كان أقل من نصف هذا المستوى قبل عام واحد فقط، ما ينعكس فورًا على أسعار الغذاء والذهب ويضاعف القلق الشعبي.
تحليل نشره "المنتدى القومي الإيراني الأمريكي" (NIAC) حول موجة الاحتجاجات الأخيرة يربط بين "انهيار العملة" و"تهديدات الحرب" باعتبارهما عاملين متداخلين؛ فارتفاع مخاطر الصراع يجعل المستثمرين والتجار يهربون نحو الدولار والذهب، ويقلّص استعداد المغتربين لإرسال مدخراتهم عبر القنوات الرسمية، بينما تؤدي الرسائل الحكومية المتضاربة – بين تطمين وتهديد – إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على إدارة الأزمة، فيختار الأفراد التحوّط الفردي عبر اكتناز السلع والعملة الصعبة.
الخبير الاقتصادي الإيراني سعيد ليلاز يرى أن الحرب – حتى إن لم تقع – تُستخدم كإطار تفسيري جاهز لدى السلطة لتبرير الانهيار الاقتصادي، بينما يعرف الإيرانيون أن جزءًا كبيرًا من أزمتهم يعود إلى سوء الإدارة والفساد والإنفاق الإقليمي المكلف، موضحًا أن تهديدات واشنطن تزيد الضغط لكنها لا تعفي النظام من مسؤولية عقود من السياسات الخاطئة التي جعلت المجتمع هشًا أمام أي صدمة خارجية.
احتجاجات ممتدة واقتصاد منهك.. الحرب تضيف طبقة جديدة من الخوف فوق سخط قديم
منذ ديسمبر 2025، يشهد الشارع الإيراني واحدة من أكبر موجات الاضطراب منذ ثورة 1979، بدأت باحتجاجات تجار البازار في طهران بسبب انهيار الاقتصاد والتضخم، قبل أن تنتشر إلى مدن ومحافظات أخرى، وتتحول – كما يوضح تقرير مطوّل لـNIAC – إلى "أزمة مركبة" تجمع بين مطالب معيشية وشعارات سياسية وأزمة ثقة عميقة في قدرة النظام على الإصلاح.
التقرير يصف مشهدًا مكونًا من "احتجاجات في عشرات المدن، وإضرابات في البازار، وجنازات تتحول إلى مناسبات تعبئة، وانهيار متسارع في قيمة العملة، وتصلب في خطاب الدولة"، مع إشارة إلى أن موجة 2025–2026 تأتي امتدادًا لاحتجاجات 2019 و2022–2023 التي اندلعت بعد مقتل مهسا أميني، لكنها تختلف في اتساعها الاجتماعي؛ إذ لم تعد مقتصرة على الشباب أو الطبقات الفقيرة، بل شاركت فيها شرائح تقليديًا أقرب إلى النظام مثل التجار وصغار أصحاب الأعمال.
مؤسسة "بروكنجز" الأمريكية ترى أن العمق الاقتصادي والبيئي لأزمة إيران، مع ضعف حلفائها الإقليميين، جعل القيادة في "هشاشة غير مسبوقة"، رغم استمرار تماسك الأجهزة الأمنية؛ فتهديدات الحرب الخارجية تأتي في لحظة يواجه فيها النظام أزمة شرعية داخلية متجددة، ما يجعل أي تصعيد عسكري سيفًا ذا حدين: قد يوحّد جزءًا من الشارع خلف شعار مواجهة "العدو الخارجي"، لكنه قد يدفع أيضًا ملايين الإيرانيين، المنهكين اقتصاديًا، إلى اعتبار أن المخاطرة بمواجهة النظام أقل كلفة من استمرار الوضع الراهن.
موقع "إيران إنترناشونال" ذهب في تحليل حديث إلى القول إن "الحرب لم تعد بالضرورة أسوأ سيناريو لطهران"، بمعنى أن استمرار الاستنزاف البطيء تحت العقوبات والاحتجاجات قد يكون أكثر خطرًا على استقرار النظام من مواجهة عسكرية محدودة يمكن تسويقها داخليًا كعدوان خارجي، لكن الشارع – الذي يدفع ثمن كلتا الحالتين – ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، حيث أي تصعيد يعني مزيدًا من التضخم، وفقدان الوظائف، واحتمالات الانقطاع في الخدمات الأساسية.
الخبير في الشأن الإيراني علي فايز (مجموعة الأزمات الدولية) يحذر من أن "خطاب الحرب" الحالي، مع حشد بحري أمريكي واستهداف متبادل في الخليج والعراق وسوريا، يرفع مخاطر خطأ في الحساب أو حادث غير مقصود يقود إلى تصعيد سريع، بينما لا توجد في الداخل الإيراني مؤسسات قوية قادرة على امتصاص صدمة حرب جديدة بعد عقود من العقوبات والفساد وسوء الإدارة، وهو ما يضاعف قلق الشارع، خصوصًا بين الشباب الذين لم يعيشوا تجربة حرب العراق لكنهم يرون آثارها في ذاكرة عائلاتهم.
تطمينات رسمية وخطاب تعبئة.. الشارع بين الاستهانة بالتهديد والاعتقاد أن "واشنطن فعلت أسوأ ما عندها"
في مواجهة لهجة واشنطن عن "اقتراب ساعة الصفر"، تواصل القيادة الإيرانية بث رسائل مزدوجة: تطمين داخلي بأن إيران "مستعدة لأي سيناريو" وسترد "ردًا غير مسبوق" على أي هجوم، كما نقلت تقارير "الجزيرة" ووسائل إعلام رسمية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن "الولايات المتحدة غير قادرة على تحمل كلفة حرب جديدة في المنطقة"، وأن التصعيد الحالي جزء من "حرب نفسية" تستهدف كسر عزيمة الإيرانيين، لا مقدمة حقيقية لحرب واسعة.
استطلاعات رأي سابقة لمرصد "IranPoll" ومركز الدراسات الأمنية بجامعة ماريلاند، حللها معهد "كاتو"، أظهرت أن غالبية الإيرانيين يدركون أن العقوبات الأمريكية كانت سببًا رئيسيًا في تدهور الاقتصاد، وأنهم لا يثقون في "الاهتمام الأمريكي بمصلحتهم"، بل يعتبر كثيرون أن واشنطن "فعلت أسوأ ما عندها بالفعل"، ما يجعل التهديدات الحالية أقل قدرة على التأثير في مواقفهم من النظام، لكنها تزيد في المقابل عداءهم للسياسات الأمريكية، وتدفع شرائح إلى تفضيل "مقاومة الضغط حتى النهاية" على تقديم تنازلات يرونها مهينة.
في الشارع، يعبر كثيرون – كما تنقل تقارير "الجزيرة" و"غلوبال بوليسي جورنال" – عن شعور متناقض: هم لا يثقون في النظام، لكنهم أيضًا لا يرون في واشنطن "منقذًا"، ويخشون أن يؤدي أي هجوم واسع إلى سيناريوهات تفكك أو حرب أهلية أو فوضى شبيهة بالعراق وسوريا، مع موجات نزوح ولاجئين، ما يجعل جزءًا من المجتمع يرفض الحرب حتى وهو يرفض النظام، في مفارقة تضاعف الإحباط وتضعف خيارات التغيير.
تحليل "غلوبال بوليسي" يربط بين تهديدات الحرب و"تسييس الأزمة الاقتصادية" داخل إيران؛ فالتدهور الحاد في قيمة الريال، وارتفاع الأسعار، وتآكل الطبقة الوسطى، جعلت "الأزمة لا تستثني أحدًا"، بما في ذلك شرائح كانت تاريخيًا أكثر قربًا من السلطة مثل البازار والتجار، ومع كل جولة تهديد أمريكي، تتسارع عمليات تحويل المدخرات إلى دولار وذهب، وتتقلص القدرة الشرائية أكثر، في دائرة مغلقة يدفع ثمنها المواطن، بينما تستخدمها الدولة لتبرير القمع وتشديد القبضة باسم "الوضع الأمني".
الخبير الإيراني–الأمريكي تريتا بارسي يلخص المشهد بالقول إن الشارع الإيراني يعيش اليوم تحت ثلاثة ضغوط متراكبة: "حكومة سلطوية عاجزة عن الإصلاح، وعقوبات أمريكية تخنق الاقتصاد، واحتمال حرب يلوح في الأفق"، موضحًا أن أي مقاربة أمريكية تركز على التصعيد العسكري دون تقديم مسار سياسي واقتصادي بديل ستُقابل – في نهاية المطاف – برفض شعبي إيراني واسع، حتى بين معارضي النظام، لأن الناس لا يرون في القصف حلًا لمشكلاتهم، بل مضاعفة لها.
في المحصلة، تبدو الهوة واسعة بين خطاب رسمي إيراني يطمئن الشارع ويصوّر الحرب كأداة ردع في يد النظام، وبين واقع اجتماعي واقتصادي متوتر يرى في كل تهديد جديد بالدخول في مواجهة مع واشنطن مرحلة إضافية من انهيار العملة وغلاء الأسعار وتوسّع القمع؛ وبينما يتحدث بعض المسؤولين الأمريكيين عن "اقتراب ساعة الصفر"، فإن ساعة الشارع الإيراني تحسب الدقائق بطريقة مختلفة، على إيقاع ارتفاع الدولار في السوق، وانخفاض القدرة على ملء ثلاجة، وتكرار جنازات قتلى الاحتجاجات، في بلد باتت فيه الحرب – حتى لو لم تقع بعد – حقيقة يومية في حياة الناس.

