مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، الذي يمنح العاصمة الإدارية الجديدة وضع "مقاطعة ذات طبيعة خاصة" باسم "ممفيس" برئيس يتمتع بصلاحيات المحافظ والوزراء داخل نطاقها، يفتح الباب أمام تكريس كيان سياسي وإداري فوق الرقابة المحلية، ويفضَح اتجاهًا حكوميًا لترسيخ مركز حكم مغلق منفصل عن باقي الجغرافيا المصرية، بينما يلتقط الكاتب عمار علي حسن البعد الثقافي الشعبي للقرار، ساخرًا من اسم "ممفيس" الذي قد يتحوّل على ألسنة الناس بمرور الوقت إلى "مفيش"، في تلخيص دقيق لفكرة عاصمة تبنى للمحكومين شكليًا، وللحاكم وشبكته فعليًا.

 

 

مقاطعة مغلقة للحكم فوق قانون الإدارة المحلية.. امتيازات خاصة وغياب تمثيل حقيقي

 

مشروع قانون الإدارة المحلية، المقدم من النائب محمد عطية الفيومي، ينص في المادة (119) على اعتبار "ممفيس (العاصمة الإدارية الجديدة)" مقاطعة ذات طبيعة خاصة ضمن نطاق مدينة القاهرة، مع استثناء واضح من أحكام قانون الإدارة المحلية؛ إذ يترك لرئيس الجمهورية وحده سلطة تحديد حدودها وتنظيم إدارتها بقرار رئاسي، بعيدًا عن أي نقاش جدي في إطار لامركزي أو مشاركة مجتمعية من سكانها الحاليين أو المستقبليين.

 

المواد (119–121) تعطي "ممفيس" وضعًا استثنائيًا؛ فهي "مقر الحكم" الذي يضم رئاسة الجمهورية، والحكومة، والوزارات، والبرلمان بغرفتيه، والسفارات، والمؤسسات والهيئات العامة والدستورية، مع إنشاء مجلس أمناء يُعين بالكامل بقرار رئاسي، ويتولى اختصاصات مجلس المدينة ومجلس المحافظة، ما يعني عمليًا إلغاء فكرة المجالس المنتخبة داخل هذه المقاطعة لصالح مجلس معيَّن يمثل السلطة التنفيذية لا السكان.

 

المادة (120) تمنح رئيس المقاطعة – الذي يعينه الرئيس – سلطات المحافظ وسلطات الوزراء المعنيين داخل نطاق "ممفيس"، في تركيز غير مسبوق للصلاحيات في يد شخص واحد لا يخضع لرقابة محلية منتخبة، ولا لميزان قوى داخل مجلس منتخب، ما يحوّل العاصمة إلى كيان إداري فوقي يعمل بمنطق "إدارة الشركة المغلقة" لا منطق المدينة الخاضعة للمساءلة الشعبية.

 

هذا النموذج يناقض تمامًا حجج الحكومات المتعاقبة حين كانت ترفض أي خطوات جادة نحو اللامركزية في المحافظات بحجة "حماية الأمن القومي"؛ فكل الأصوات التي طالبت بهياكل محلية أقوى، وصلاحيات أوسع للمحافظات، ومجالس منتخبة ذات سلطة حقيقية، جرى اتهامها بأنها تهدد وحدة الدولة، بينما يأتي الآن قانون يمنح رقعة جغرافية محدودة، معظم سكانها من النخبة أو الفئات الأعلى دخلًا، وضعًا خاصًا ومجلسًا معينًا وصلاحيات استثنائية.

 

ممفيس أم "مفيش".. بين خيال رسمي عن عاصمة فرعونية وصورة شعبية لمدينة مقطوعة عن الناس

 

اختيار اسم "ممفيس" – عاصمة مصر الموحدة قديمًا – للعاصمة الإدارية الجديدة يحمل بُعدًا رمزيًا رسميًا يريد ربط المشروع بـ"المجد الفرعوني" و"التاريخ الملكي"، لكن عمار علي حسن يلفت إلى بُعد مختلف يتعلق بالثقافة الشعبية؛ فالمصريين لهم تاريخ طويل في تحوير أسماء الأماكن والشخصيات بما يعكس موقفهم منها، سواء بالتكريم أو بالسخرية، كما حدث في تحول "خوشقدم" إلى "حوش آدم"، و"ضريح سعد" إلى "جريح سعد"، وتحويل "متولي القاهرة" إلى "بوابة المتولي" بعد شنق طومانباي.

 

في هذا السياق، يحذر عمار – ساخرًا – من أن "ممفيس" قد تتحول على ألسنة الناس مع الوقت إلى "مفيش"، في تعبير مكثف عن فجوة متوقعة بين العاصمة الجديدة وسكانها من جهة، وباقي المصريين من جهة أخرى؛ فمدينة تُبنى بتمويل ضخم، وتخصص للأجهزة السيادية والوزارات والبرلمان والسفارات والأحياء الفاخرة، بينما يعيش غالبية السكان في مدن مكتظة وخدمات منهارة، تصبح – في الوعي الشعبي – رمزًا لـ"اللا شيء" الذي لا يقدم لهم خدمات ولا عدالة.

 

دراسات مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان حول العاصمة الإدارية الجديدة تشير إلى أن المدينة صُممت منذ البداية كمساحة مغلقة للأجهزة الحاكمة ورجال الأعمال، عبر شركة مشتركة بين هيئة المجتمعات العمرانية و"الخدمة الوطنية" للقوات المسلحة وأجهزة أراضي القوات المسلحة، ما جعل الدولة طرفًا مباشرًا في تطوير وبيع الأراضي والعقارات، لا مجرد منظّم محايد، وأدى إلى قفزات في أسعار الأراضي والعقارات، مع إقصاء فعلي للطبقات المتوسطة والدنيا من القدرة على السكن أو الاستثمار فيها.

هذا التكوين الاقتصادي والاجتماعي، حين يُقرن بوضع دستوري وقانوني خاص عبر "مقاطعة ممفيس"، يعمّق فكرة أن العاصمة الإدارية ليست مشروعًا لتخفيف الضغط عن القاهرة أو تطوير الإدارة العامة للدولة، بل مشروع لإعادة تمركز السلطة في جيب جغرافي محصن، بعيد عن الاحتكاك اليومي مع أغلبية المواطنين، وبعيد عن أي إمكانية لرقابة شعبية حقيقية، سواء عبر الاحتجاج أو حتى عبر حضور رمزي في فضاء المدينة.

 

عاصمة فوق المجتمع ودون رقابة.. مخاطر سياسية واجتماعية تتجاوز التلاعب بالأسماء

 

ما يثيره عمار علي حسن لا يتوقف عند اللغة أو السخرية؛ بل يلمس جوهرًا سياسيًا واجتماعيًا أعمق: حين تُمنح العاصمة الجديدة وضع "مقاطعة خاصة" بهيكل إداري منفصل وصلاحيات موسعة، تتكرس عمليًا فكرة "مدينة الحكم" المنفصلة عن "دولة المواطنين"، بما يحوّل المسافة بين السلطة والمجتمع إلى مسافة جغرافية ومعنوية في آن واحد، ويحوّل العاصمة من فضاء مشترك إلى حصن مغلق.

 

الكاتب نفسه حذّر في مناسبات أخرى من أن انتزاع الأرض من معمريها، وبناء مشروعات ضخمة دون دراسة اجتماعية ونفسية كافية للمجتمعات المحيطة، يؤدي إلى "التلاعب بالجينات الاجتماعية المصرية" وإلى مصادرة المجال العام لصالح مشروعات لا تضع الناس في قلبها، مستشهدًا حتى باعترافات رسمية بأن بعض مشروعات دمياط مثلًا فشلت لأن الدولة "لم تدرس المجتمع بشكل كافٍ"، وهو منطق يمكن إسقاطه على العاصمة الإدارية التي بُنيت أساسًا بقرار فوقي دون حوار مجتمعي.

 

من زاوية الحكم المحلي، يعني تحويل العاصمة إلى مقاطعة خاصة بمجلس أمناء معين أن نموذج الحكم الذي يُروَّج له بوصفه "تحديثًا للإدارة" قائم على مزيد من المركزية والتركيز في يد السلطة التنفيذية، لا على اللامركزية وتمكين المجتمعات المحلية؛ فبدل أن يكون قانون الإدارة المحلية خطوة نحو انتخاب المحافظين والمجالس، كما نص الدستور، يأتي المشروع ليكرس وحدة جغرافية كاملة تُدار بقرارات تعيين من الرئيس، بلا أي نافذة لمساءلة شعبية.

 

الخبير في العمران والحوكمة د. يحيى شوكت حذّر في دراسات عن المدن الجديدة من أن بناء عواصم موازية بمعايير مغلقة يخلق "طبقية عمرانية" تعمق شعور الأغلبية بالتهميش؛ فالمدن التي تُصمم لتكون نظيفة وآمنة وفاخرة للنخب، بينما يبقى باقي العمران في فوضى، تتحول إلى رموز لانقسام الدولة إلى "مركز مرفّه" و"أطراف منسيّة"، وهي وصفة معروفة لزيادة الاحتقان الاجتماعي وتآكل الانتماء.

 

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مشروع "ممفيس" ليس مجرد تغيير اسم للعاصمة الإدارية أو تنظيم قانوني محايد؛ بل هو حلقة جديدة في مسار يقدّم الأمن السياسي للنظام على حساب مبادئ الحكم الرشيد والمشاركة الشعبية؛ فبدل أن تكون العاصمة الجديدة فرصة لإعادة بناء علاقة أكثر توازنًا بين الدولة والمواطن، تصبح أداة لتكثيف السلطة في مساحة جغرافية مغلقة، محاطة بالأسوار والكاميرات، ومنفصلة قانونيًا عن آليات الإدارة المحلية المعتادة.

 

في النهاية، يلخّص اقتراح عمار علي حسن بأن "ممفيس" قد تنقلب في الوعي الشعبي إلى "مفيش" جوهر المعضلة: عاصمة يُنفق عليها مليارات، وتُمنح وضعًا خاصًا فوق القانون المحلي، وتتكدس فيها مؤسسات الحكم، لكنها تظل – بالنسبة لغالبية المصريين – بعيدة عن مشكلاتهم اليومية، وخارج قدرتهم على التأثير فيها أو مساءلتها، فيتحول اسمها من رمز لوحدة تاريخية إلى علامة على فراغ سياسي واجتماعي، صنعته حكومة اختارت أن تبني لنفسها مقاطعة خاصة بدل أن تبني دولة لكل مواطنيها.