أطلق قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، مشروع «كاري أون» كـ«مشروع قومي» لتوحيد العلامة التجارية لـ1060مجمعا استهلاكيًا، مع خطة لافتتاح 40 هايبر ماركت جديد، في توقيت يشتكي فيه المصريون من انفجار الأسعار وتغوّل الأجهزة العسكرية في الاقتصاد، ما جعل المشروع يُقرأ على نطاق واسع باعتباره خطوة جديدة لتركيز السيطرة على سوق الغذاء، أكثر منه سياسة لحماية المستهلك أو كسر احتكار التجار التقليديين.
مشروع قومي على الورق.. توسع حكومي وعسكري في قلب سوق التجزئة
جاء إعلان السيسي عن «كاري أون» في اجتماع ضم وزيري الزراعة والتموين، ورئيس «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة» العقيد بهاء الغنام، مع تكليف واضح بتحويل المبادرة إلى مظلة موحدة لكل المنافذ التموينية والمجمعات الاستهلاكية في مرحلة أولى تشمل 1060 منفذا، تمهيدا لتعميم العلامة على نطاق أوسع داخل سوق يضم أكثر من 108 ملايين مستهلك.
المشروع يتبع الشركة القابضة للصناعات الغذائية، وافتتح حتى الآن 4 فروع في القاهرة (كلية البنات، الأميرية، السيدة زينب) في سبتمبر 2025، ثم فرع مدينة الإنتاج الإعلامي في ديسمبر 2025، مع تعهد حكومي بتعميم النموذج على 40 هايبر، وتطوير شامل للبنية والواجهات ونظم الدفع، وربطها بالتحول الرقمي وقواعد بيانات البطاقات التموينية.
الخطة الأوسع، كما أعلنت وزارة التموين سابقا، تستهدف تأهيل أو إعادة تشكيل نحو 40 ألف منفذ ونقطة بيع، وتحويل 30 ألف بقال تمويني إلى «سوبر ماركت حضاري»، وتحديث 8500 منفذ من مشروع «جمعيتي»، إلى جانب تطوير 1060 منفذا تابعا للقابضة، ما يعني عمليا إعادة رسم خريطة تجارة التجزئة الغذائية تحت سقف علامة واحدة، ذات صلة مباشرة بالحكومة وأذرعها السيادية.
يرى أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، عمرو عدلي، أن هذا النوع من التوسع الحكومي والتابع للجهات السيادية في قطاعات مدنية، يأتي امتدادا لنمط أوسع يقوم على استثمار عام ضخم يزاحم القطاع الخاص ويعيد توزيع الأدوار في السوق لصالح المؤسسات الأقوى سياسيا، على حساب المنافسة والشفافية.
تجار صغار تحت الضغط.. و«مستقبل مصر» لاعب خفي في الخلفية
في خلفية المشروع، يقف آلاف البدالين التموينيين وتجار الجملة والتجزئة أمام سؤال مباشر: هل يتحول «كاري أون» إلى قناة شبه وحيدة لصرف السلع التموينية و«فارق نقاط الخبز»، بما يعني إقصاء دورهم التدريجي كوسيط بين الدولة وحاملي البطاقات؟ القلق يتضاعف مع حديث رسمي متكرر عن اعتبار أسعار «كاري أون» «مستوى مرجعيا» يقاس عليه السوق، في بلد لا يمتلك فيه التاجر الصغير قدرة على منافسة كيان جديد مدعوم حكوميا وعسكريا في آن واحد.
على خط موازٍ، يواصل «جهاز مستقبل مصر»، التابع للقوات الجوية، التوسع في منافذ «سوبر توفير» وعلامة «خيرها»، مع خطة للوصول إلى نحو 2000 منفذ حتى 2027، افتتح منها بالفعل أكثر من 1400 منفذ تقدم سلعا أساسية مثل السكر والأرز والزيت والدقيق والبقول والخضراوات المجمدة بأسعار أقل من السوق الخاص، وفق إعلانات رسمية.
هذا الحضور الكثيف للجهاز العسكري في تجارة التجزئة لا يمكن فصله عن نمط سابق تكرر مع أزمات ألبان الأطفال والسكر والدواجن منذ 2016؛ حين دخلت جهات تابعة للجيش سوق استيراد وتوزيع ألبان الأطفال بعد أزمة نقص حادة، قبل أن تقفز الأسعار، لاحقا، إلى مستويات وصلت في بعض الأنواع إلى 255 - 454 جنيها للعبوة في أقل من عام، رغم استمرار حضور الدولة والجيش في المنظومة.
الأمر نفسه تكرر مع السكر، حيث أعلنت الحكومة الاقتراب من الاكتفاء الذاتي في 2025، لكنها سمحت في الوقت نفسه بتوسيع صادرات الشركات الحكومية، بينما ظل المستهلك يواجه موجات متتالية من ارتفاع الأسعار في السوق المحلي، في مفارقة بين خطاب «حل الأزمة» وواقع استمرارها.
في دراسته «أصحاب الجمهورية»، يوضح الباحث في مركز كارنيغي، يزيد صايغ، أن توسع الجيش في النشاط الاقتصادي المدني يعيد تشكيل بنية السوق لصالح مؤسسات لا تخضع لنفس درجات الرقابة والمساءلة، ويمنحه قدرة استثنائية على تحديد من يدخل السوق ومن يُزاح منه، مع ما يترتب على ذلك من تشوهات في المنافسة.
وتشير الباحثة المصرية يمنى سامي، في تحليل حول الاقتصاد العسكري، إلى أن التصميم المؤسسي للأذرع الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية يخلق كيانات قادرة على العمل فوق قواعد الحوكمة السائدة، بما يضعف حقوق المستثمرين الآخرين ويُربك توقعاتهم حول قواعد اللعبة في المدى المتوسط.
أما الخبير في شؤون الجيوش والاقتصاد، روبرت سبرينغبورغ، فيلفت إلى أن نمط التوسع الاقتصادي للمؤسسات العسكرية في مصر لم يؤدِّ إلى تحسين كفاءة الأسواق أو خفض أسعار السلع بشكل مستدام، بل ارتبط غالبا بزيادة نفوذ تلك المؤسسات على حساب القطاع الخاص والمجتمع المدني، مع بقاء الأزمات الأساسية دون حل جذري.
أسعار مدعومة مؤقتا أم احتكار طويل الأجل لسوق غذاء 108 ملايين؟
تسوق الحكومة مشروع «كاري أون» باعتباره أداة لحماية المستهلك، مع وعد بتوفير سلع 22 شركة تابعة للقابضة الغذائية بأسعار «تنافسية»، مستفيدة من اقتصاديات الحجم الكبير وحلقات توزيع أقصر، لكن التجربة المصرية مع التدخلات المشابهة تثير شكوكا واسعة حول استدامة تلك الأسعار، خاصة مع تكاليف إنشاء وتجهيز وإدارة وتشغيل 40 هايبر، وربطها رقميا، وتمويل مخزونها السلعي على مدار العام.
يسأل السفير السابق فوزي العشماوي، في تعليق تداوله ناشطون، عن الكيفية التي ستتحصل بها هذه الهايبرات على سلع أرخص من السوق، دون دعم مباشر أو غير مباشر أو امتيازات استيراد حصرية، وعن حجم الكلفة الإنشائية والإدارية التي ستُحمَّل في النهاية على سعر السلعة للمستهلك، في ظل سجل طويل من إسناد أزمات الغذاء إلى جهات عسكرية أو سيادية انتهى إلى مزيد من السيطرة لا إلى ضبط مستدام للأسعار.
ويذكّر الخبير الاقتصادي علي شيخون، في كتاباته عن بنية الاقتصاد المصري، بأن المشروعات الصغيرة والمتوسطة – وبينها محال البقالة والتموين التقليدية – تشكل العمود الفقري للتجارة الداخلية وفرص العمل، محذرا من أن أي سياسة تضرب قدرة هذه الشريحة على البقاء ستنعكس مباشرة على معدلات البطالة والفقر، وعلى قدرة الاقتصاد على توليد نمو واسع القاعدة، لا نمو مركّز في أيدي كيانات كبيرة قليلة العدد.
هنا يبرز دور «جهاز مستقبل مصر» بوصفه نموذجا لكيان اقتصادي عسكري سريع التمدد وغامض الحسابات؛ إذ لا يخضع لشفافية الميزانيات المتاحة للشركات الحكومية التقليدية، ولا لرقابة برلمانية فعالة، ما يجعل السؤال مشروعا حول الأساس الذي تسعَّر عليه السلع، ومن يتحمل الخسائر المحتملة إن قررت الدولة بيع سلع أقل من تكلفتها لفترة، ومن المستفيد من أي فوائض مالية تُولَّد داخل جهاز لا يُفصح عن بياناته للجمهور.
على مستوى أوسع، يأتي مشروع «كاري أون» في سياق قرار حديث بإلغاء وزارة قطاع الأعمال العام في فبراير 2026، ونقل شركاتها إلى وزارات أخرى أو إلى الصندوق السيادي، وهي خطوة أثارت مخاوف من موجة خصخصة جديدة لأصول الدولة من جهة، ومن إعادة توزيع للأصول العامة بين كيانات سيادية مختلفة من جهة أخرى، في مناخ لا يحظى فيه المواطن أو المستثمر العادي بنقاش عام شفاف حول الخيارات الاقتصادية المطروحة.
وسط هذا المشهد، يرى كثير من الخبراء أن ما يقدَّم كمشروع «قومي» لتخفيض الأسعار قد يتحول عمليا إلى أداة جديدة لتعميق هيمنة السلطة التنفيذية والأجهزة العسكرية على قطاع غذائي حيوي، في بلد تجاوز فيه عدد السكان 108 ملايين نسمة، يعتمد أغلبهم على أسواق تقليدية ومحال صغيرة في الأحياء والقرى لتأمين احتياجاتهم اليومية، وليس على الهايبر ماركت الضخمة.
النتيجة المحتملة، كما يحذر تقرير لصندوق النقد الدولي وآراء عدد من الباحثين المستقلين، هي استمرار تراجع دور القطاع الخاص المنتج والموزّع، واتساع الفجوة بين خطاب «الجمهورية الجديدة» المعلن عن تمكين المستثمرين، وبين واقع سوق يتكدس فيه النفوذ الاقتصادي في يد كيانات قليلة، بعضها لا يخضع عمليا لمساءلة ديمقراطية أو رقابة مجتمعية، في ظل نظام سياسي يقوده السيسي منذ يوليو 2013 بقوة المؤسسة العسكرية.
في المحصلة، لا يبدو «كاري أون» مجرد علامة جديدة على واجهات بعض المجمعات، بل حلقة في مسار أوسع يُعمَّق حضور الجيش والحكومة في تجارة الغذاء، ويضع صغار التجار والمشروعات العائلية في مواجهة غير متكافئة، بينما تبقى وعود «خفض الأسعار» رهينة بنية سوق يتجه أكثر فأكثر نحو الاحتكار المقنع لا نحو المنافسة المفتوحة، في اقتصاد يدفع فيه المواطن البسيط ثمن الخيارات الاقتصادية والسياسية لقائد عسكري يحكم باسمه وباسم «المشروعات القومية».

