مع اقتراب جولة جديدة من المحادثات بين طهران وواشنطن مطلع مارس، تتقاطع ثلاثة مسارات متوترة في آن واحد: ضغوط أمريكية عسكرية وسياسية متصاعدة، مفاوضات نووية تبحث عن “اتفاق مؤقت”، واحتجاجات جامعية متجددة تهتف بسقوط المرشد وتكشف عمق الأزمة الداخلية في إيران. في الخلفية، يلوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهلة لا تتجاوز 15 يومًا للوصول إلى تفاهم، بينما تؤكد طهران أنها لن تتخلى عن حقها في تخصيب اليورانيوم تحت أي ظرف.

 

خلاف عميق حول العقوبات واليورانيوم المخصب

 

المسؤول الإيراني الذي تحدث لوكالة أنباء دولية أوضح أن الخلاف مع واشنطن ليس على مبدأ التفاوض، بل على “نطاق وآلية” رفع العقوبات مقابل القيود على البرنامج النووي؛ فطهران تريد اعترافًا صريحًا بحقها في التخصيب لأغراض سلمية، ورفعًا ملموسًا للعقوبات، في حين تتمسك الولايات المتحدة بربط أي تخفيف بعمر زمني قصير وبقيود صارمة على مستويات التخصيب والرقابة.

 

بحسب التسريبات، تبحث إيران في مقترح يقضي بتصدير جزء من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب أو تخفيف درجة نقائه، مع بحث فكرة “اتحاد إقليمي للتخصيب” يضمن استمرار النشاط داخل المنطقة، مقابل اتفاق مرحلي يخفف بعض العقوبات المالية والنفطية، لكن دون المساس بمبدأ استمرار التخصيب على الأراضي الإيرانية.

 

هذه الأفكار تأتي بعد جولات في جنيف عُقدت عبر وساطة عُمانية، ركزت على تخفيض مستوى تخصيب اليورانيوم من 60% إلى مستويات أدنى، والسماح برقابة أوسع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما ترفض طهران إدخال برنامج الصواريخ أو أدوارها الإقليمية في صلب التفاوض، وتصر على أن الملف النووي وحده هو محل النقاش.

 

يرى علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن الحديث عن “اتفاق مؤقت” يعكس إدراكًا من الطرفين بأن التوصل إلى تسوية شاملة في ظل مهلة ترامب وضغوطه العسكرية أمر غير واقعي، وأن الحل العملي قد يكون صفقة انتقالية تقلل المخاطر النووية مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذور الأزمة أو مسألة العقوبات على المدى البعيد.

 

في المقابل، تحذر كيلسي دافنبورت، مديرة سياسات الحد من الانتشار في جمعية الحد من التسلح، من أن إيران أصبحت “دولة عتبة نووية” تمتلك مخزونًا كبيرًا من اليورانيوم المخصب حتى 60%، وأن أي اتفاق لا يتعامل بجدية مع حجم المخزون وآليات الرقابة عليه، يترك الباب مفتوحًا لتحويله إلى مستوى 90% في فترة قصيرة إذا صدر القرار السياسي في طهران.

 

خيار الحرب على الطاولة.. وواشنطن تلوّح بالاغتيال

 

في موازاة المسار الدبلوماسي، تواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري في المنطقة؛ حاملات طائرات أمريكية متمركزة قرب السواحل الإيرانية، وقاعدة العديد في قطر التي تعرضت لهجوم صاروخي إيراني العام الماضي ردًا على قصف أمريكي لمواقع نووية في فوردو ونطنز وأصفهان، ما يجعل أي انزلاق عسكري جديد أكثر كلفة وتعقيدًا.

 

تقرير لموقع “أكسيوس” أشار إلى أن البيت الأبيض يدرس سلّمًا واسعًا من الخيارات العسكرية، يمتد من ضربات محدودة على منشآت عسكرية ونووية وصولًا إلى سيناريو “استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي”، مع التأكيد في الوقت ذاته أن الرئيس لم يتخذ قرارًا نهائيًا بعد، وأن كثيرًا من مستشاريه يحذرون من عواقب هجوم واسع على إيران.

 

رغم ذلك، يدفع السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام باتجاه الخيار المتشدد، إذ حثّ ترامب على تجاهل الأصوات المطالِبة بضبط النفس، في وقت يربط الرئيس علنًا بين استمرار الحشد العسكري وبين زيادة الضغط التفاوضي على طهران، ملوّحًا بأن “الوقت ينفد” وأن أمام إيران أيامًا محدودة للاستجابة لمطالبه النووية.

 

في الخلفية، يلفت الباحث تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، إلى أن هدف سياسة ترامب الحالية ليس “تغيير النظام مباشرة”، بل دفع إيران إلى حالة “خضوع استراتيجي” تقبل فيها بقيود دائمة على برنامجها النووي ودورها الإقليمي، مع استخدام تهديد الحرب وورقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لرفع سقف الضغوط إلى أقصى مدى.

 

على الجانب الإيراني، يتمسك الرئيس مسعود بزشكيان بخطاب يتحدث عن “عدم الاستسلام” للعقوبات والتهديدات، مؤكدًا أن حكومته تسعى لرفع العقوبات عبر التفاوض لكنها “لن تنحني” حتى لو وقفت “كل قوى العالم” ضدها، بينما يكرر وزير الخارجية عباس عراقجي أن مسودة مقترح اتفاق مع واشنطن ستكون جاهزة خلال أيام، لكن من دون التخلي عن حق التخصيب.

 

غليان الجامعات وامتحان شرعية النظام

 

بالتوازي مع تجاذبات الملف النووي، تشهد الجامعات الإيرانية موجة جديدة من الاحتجاجات؛ مظاهرات في جامعات طهران ومشهد وغيرها، تخللتها هتافات “الموت لخامنئي”، واشتباكات بالحجارة أسفرت عن إصابات في صفوف الطلبة، في استعادة واضحة لزخم احتجاجات ديسمبر الماضى التي انطلقت على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية قبل أن تتحول إلى شعارات سياسية مباشرة تطالب بتغيير النظام.

 

التقديرات حول حصيلة ضحايا موجة الاحتجاجات منذ ديسمبر متباينة بشدة؛ فالحكومة تتحدث عن 3 آلاف و117 قتيلًا، بينما تشير شبكات حقوقية مثل “نشطاء حقوق الإنسان في إيران” إلى أرقام أعلى من 7 آلاف قتيل موثق، مع آلاف الحالات الإضافية قيد التحقق، في ظل تعتيم إعلامي واسع وقطع متكرر للإنترنت.

 

توضح الخبيرة سانام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاثام هاوس، أن النظام يواجه اليوم مزيجًا غير مسبوق من الضغوط؛ اقتصاد منهك بالعقوبات، وطبقات وسطى متآكلة، وجيل طلابي لا يخاف من كسر “الخطوط الحمراء”، وترى أن تزامن هذه العوامل مع التهديدات الخارجية يجعل أي خطأ في إدارة الملف النووي أو الاحتجاجات أكثر خطرًا على استقرار السلطة.

 

في هذا السياق، يربط محللون بين تشدد طهران التفاوضي في ملف التخصيب وبين حاجتها إلى إظهار تماسك داخلي؛ فالتراجع النووي يُسوَّق داخليًا على أنه تنازل سيادي، في وقت يحتاج فيه النظام إلى إقناع قواعده بأن أي اتفاق قادم لن يكون نسخة من اتفاق 2015 الذي انسحبت منه واشنطن لاحقًا، وأنه لن يفتح الباب أمام موجة احتجاجات أوسع تطالب بتغيير جذري.

 

من زاوية أخرى، تشير كيلسي دافنبورت إلى أن استمرار القمع الدموي للاحتجاجات يزيد مخاطر “انحراف” البرنامج النووي؛ فكلما شعر النظام بتهديد وجودي داخلي، يرتفع احتمال استخدام مخزون اليورانيوم كورقة ردع قصوى، أو انزلاق جزء منه إلى مسار سري أو إلى فصائل داخل الدولة لا تلتزم بالقيود المفروضة.

 

أما علي فايز فيحذر من أن الجمع بين مهلة أمريكية قصيرة، وضغوط إسرائيلية للحسم، وغليان داخلي في الشارع الإيراني، يخلق “وصفة مثالية لسوء الحسابات”، إذ قد يبالغ كل طرف في تقدير قدرته على فرض شروطه، بينما الواقع على الأرض بعد حرب يونيو 2025، وهجمات العديد، يثبت أن أي جولة عسكرية جديدة لن تكون “عملية جراحية محدودة” بل مواجهة إقليمية واسعة ذات كلفة بشرية وسياسية عالية للجميع.

 

في المحصلة، تتقاطع المفاوضات النووية والاحتجاجات الجامعية وتهديدات الحرب في لحظة واحدة؛ اتفاق مؤقت قد يخفض منسوب التوتر، لكنه لن يزيل جذور الأزمة بين طهران وواشنطن، ولا أسباب الغضب المتراكم في الشارع الإيراني، ما يجعل الأسابيع المقبلة اختبارًا حادًا لقدرة كل طرف على تجنب الانفجار، دون أن يتراجع عن خطوطه الحمراء المعلنة.