أعلنت “مبادلة للطاقة” التابعة لصندوق الثروة السيادي الإماراتي إتمام الاستحواذ على حصة 15% من شركة “إيني” في امتياز “نرجس” البحري في حوض دلتا النيل الشرقي بالبحر المتوسط، على بُعد نحو 50 كيلومترًا من الساحل المصري، في بلوك تشغّله “شيفرون” ويضم الاكتشاف “نرجس-1” المحفور مطلع 2023، دون إعلان لقيمة الصفقة، لتضيف الشركة هذه الحصة إلى 10% تملكها في امتياز “شروق” (حقل ظهر)، وسبق أن دخلت بنسبة 20% في امتياز “نور” المجاور عام 2018.

 

توسع إماراتي في غاز شرق المتوسط وسوق الطاقة المصري

 

الصفقة تعزز حضور “مبادلة للطاقة” في شرق المتوسط، حيث يصف بيان الشركة امتياز “نرجس” بأنه جزء من استراتيجية توسيع محفظة الغاز في مناطق ذات إمكانات عالية، مع تمركز الكتلة في حوض دلتا النيل الشرقي بالقرب من امتياز “نور” الذي دخلته الشركة سابقًا بنسبة 20%. هذا الامتياز يشغله تحالف تقوده “شيفرون” (45%) و”إيني” (30%) و“ثروة” المصرية (10%)، ومع دخول “مبادلة” بحصة 15% يتعمق الوجود الإماراتي في واحد من أهم أحواض الغاز المصرية.

 

الصفقة تأتي امتدادًا لمسار بدأته “مبادلة” منذ 2018 بشراء 10% من امتياز “شروق” الذي يضم حقل ظهر العملاق من “إيني”، في صفقة وصفت حينها بأنها “إضافة محورية لمحفظة الغاز” للإمارات في مصر، مع بقاء “إيني” بحصة 50% وشركاء آخرين مثل “بي بي” و“روس نفط”. هذا التدرج من “شروق” إلى “نور” ثم “نرجس” يعكس تركيزًا إماراتيًا على تحقيق موطئ قدم دائم في سلسلة حقول الغاز الكبرى التي تراهن عليها القاهرة لتثبيت موقعها كمركز إقليمي للطاقة.

 

الخبير في شؤون الطاقة د. محمد سعيد (باحث في أسواق شرق المتوسط) يربط بين هذه التحركات وبين سعي الإمارات لتعزيز نفوذها في ممرات الغاز نحو أوروبا، موضحًا في تحليلات منشورة أن امتلاك حصص في حقول مصر وقبرص وإسرائيل يضع أبوظبي في قلب منظومة إمدادات الغاز من شرق المتوسط، في لحظة يزداد فيها الطلب الأوروبي على بدائل للغاز الروسي، ما يمنح هذه الاستثمارات بعدًا جيوسياسيًا يتجاوز حدود العائد المالي المباشر.

 

بين دعم احتياطي النقد الأجنبي ومخاطر بيع حصص الأصول المنتجة

 

الصفقة تُقرأ أيضًا في سياق توسع الاستثمارات الخليجية، خصوصًا الإماراتية، في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والموانئ والعقارات في مصر، ضمن توجه حكومي لبيع حصص من أصول وشركات مملوكة للدولة بهدف جذب عملة صعبة وتخفيف الضغوط التمويلية. تقديرات حديثة تشير إلى أن الاستثمارات الخليجية لعبت دورًا حاسمًا في توفير مليارات الدولارات لمصر خلال 2024–2025، في ظل فجوة تمويلية وتحديات ديون مرتفعة.

 

الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، قال في تصريحات صحفية إن دخول استثمارات خليجية في قطاع الطاقة “يمثل دعمًا مهمًا للاقتصاد المصري، خاصة في ظل التحديات التمويلية العالمية”، معتبرًا أن هذه الشراكات “توفر سيولة دولارية وتخفف الضغط على الاحتياطيات”، وتساعد مصر على تمويل احتياجات استيراد الطاقة وتثبيت موقعها كمركز إقليمي للغاز والكهرباء.

 

في المقابل، يحذر خبراء من أن الاعتماد المتزايد على بيع حصص في أصول منتجة قد يوفر سيولة قصيرة الأجل، لكنه يثير مخاوف حول العوائد المستقبلية وفقدان جزء من السيطرة على موارد استراتيجية. الدكتور ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، يرى أن نمط التخارج من الأصول لتدبير العملة الصعبة “إذا لم يُدار وفق رؤية طويلة المدى” قد يحرم الدولة من أرباح مستمرة، ويحوّل المستثمر الأجنبي لاحقًا إلى مصدر ضغط جديد للحصول على أرباحه بالدولار، كما حدث في تجارب سابقة مع شركات مدرّة للربح جرى بيع حصص منها لسداد ديون عاجلة.

 

الخبير الاقتصادي إلهامي المرغني يذهب أبعد، واصفًا بيع الأصول الاستراتيجية في تصريحات منشورة بأنه “اعتداء على حقوق الأجيال القادمة”، مشيرًا إلى أن عوائد البيع تُستخدم غالبًا لسد عجز عاجل أو سداد أقساط ديون، بينما يبقى عبء توفير دولارات لأرباح المستثمرين قائمًا لسنوات، ما يجعل “حل الأزمة مؤقتًا على حساب تعميق هشاشة المالية العامة لاحقًا” إذا لم تُستخدم العائدات في مشروعات إنتاجية تخلق موارد دائمة.

 

نفوذ اقتصادي إماراتي متنامٍ.. واشتراطات للشفافية والشراكات المتوازنة

 

من زاوية أخرى، يوضح الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، في تصريحات تلفزيونية أن الاستثمارات الإماراتية في قطاع الطاقة المصري “جزء من رؤية أوسع لتعزيز النفوذ الاقتصادي في شرق المتوسط وفي أفريقيا”، مستفيدًة من حاجة مصر لتمويل مشروعات الطاقة، ومن رغبة أبوظبي في توسيع محفظتها من الغاز والطاقة المتجددة في المنطقة. ويشير إلى أن الطاقة أصبحت “أحد مفاتيح التأثير الجيوسياسي”، ما يجعل التحكم في جزء من سلاسل إنتاج الغاز أو نقله عنصرًا في معادلة النفوذ الإقليمي.

 

تحليل لموقع “Egyptian Streets” يلفت إلى أن تدفق رؤوس الأموال الخليجية، بقيادة الإمارات، إلى مشاريع طاقة تقليدية ومتجددة في مصر ينسجم مع أهداف القاهرة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة يربط أفريقيا بأوروبا والشرق المتوسط، وفي الوقت نفسه يمنح المستثمر الخليجي موطئ قدم في مشروعات بنية تحتية استراتيجية، من مزارع الرياح والطاقة الشمسية إلى خطوط الغاز والمنشآت الساحلية.

 

في هذا السياق، يشدد د. أحمد جويلي، أستاذ الاقتصاد والطاقة، في مقابلات بحثية على أن الاستثمارات الخليجية يمكن أن تكون “فرصة” إذا جاءت ضمن شراكات متوازنة تنقل التكنولوجيا وتخلق قيمة مضافة محلية، عبر اشتراط مكوّن محلي مرتفع، وتدريب العمالة المصرية، وإتاحة مشاركة شركات مصرية في سلاسل القيمة، محذرًا من أن الاقتصار على بيع حصص مالية “يحوّل مصر إلى سوق أصول” بدل أن تكون شريكًا منتجًا في مشروعات الطاقة.

 

من جانبهم، يطالب محللون بقدر أكبر من الشفافية في تقييم الأصول التي تُباع أو تُطرح للشراكة، خاصة تلك المرتبطة بموارد طبيعية، والتأكد من توجيه عائدات الصفقات إلى مشروعات إنتاجية تقلل من الاعتماد المستقبلي على بيع أصول جديدة. مقالات تحليلية عدة تشير إلى أن خطط الحكومة، المرتبطة بمراجعات صندوق النقد الدولي، تتضمن بيع أصول بقيمة تتجاوز 3.6 مليار دولار في سنوات قليلة، مع غموض حول تفاصيل التسعير وآليات اختيار المستثمرين، ما يغذي المخاوف من أن يصبح “التخارج” مسارًا دائمًا لا أداة استثنائية لإعادة هيكلة الاقتصاد.

 

في المحصلة، يعكس استحواذ “مبادلة للطاقة” على 15% من امتياز “نرجس” جانبًا من معادلة مركّبة: مصر تبحث عن تدفقات دولارية وتحقيق طموحها كمركز إقليمي للطاقة، والإمارات تعمّق نفوذها في غاز شرق المتوسط، والاقتصاديون ينقسمون بين من يرى في هذه الصفقات دعمًا حيويًا للاقتصاد، ومن يحذر من ثمن طويل الأجل إذا غابت الشفافية ورؤية استثمارية تجعل من بيع الحصص مدخلًا لشراكات إنتاج وتكنولوجيا، لا مجرد تصفية تدريجية لأصول استراتيجية تحت ضغط الحاجة للعملة الصعبة.