خيم حزن شديد على الوسط الرياضي في مصر، بعد وفاة اللاعب الناشئ معتصم زكريا محروس (مواليد 2011)، كابتن فريق نادي عمال المنصورة، الذي لقي حتفه في حادث سير أليم على أحد الطرق بمحافظة الدقهلية، قبل أذان المغرب السبت، أثناء قيامه بعمل خيري بتوزيع وجبات الإفطار والتمور على الصائمين من المسافرين والمارة، في واقعة أعادت فتح ملف غياب قواعد السلامة في أنشطة “إفطار الصائم” على الطرق السريعة.
حادث على الطريق السريع.. جنازة حزن وأسئلة بلا إجابة
وفق روايات أمنية ومحلية، كان معتصم، البالغ من العمر نحو 14–15 عامًا، يشارك مع عدد من المتطوعين في توزيع وجبات الإفطار على المارة والمسافرين قبل أذان المغرب على أحد الطرق السريعة بمدينة المنصورة، عندما صدمته سيارة مسرعة فأودت بحياته على الفور، ليُنقل إلى مستشفى المنصورة جثة هامدة، وسط صدمة أسرته وزملائه في النادي ومدرسته.
شيّع أهالي المنصورة جثمان اللاعب في جنازة غلب عليها البكاء والانهيار، بينما نعاه الاتحاد المصري لكرة القدم في بيان رسمي، ناسبًا إياه إلى نادي عمال المنصورة مواليد 2011، كما نشر النادي نعياً خاصًا عبر صفحته، أكد فيه أن الوفاة جاءت “إثر حادث أليم” أثناء قيامه بعمل خيري.
تعدد بيانات النعي لم يمنع ظهور سؤال جوهري بين الأهالي والمهتمين بالسلامة المرورية: من يسمح أصلاً بخروج أطفال ومراهقين للتوزيع على طرق سريعة تشهد كثافة حركة عالية قبل المغرب بدقائق؟
الخبير في السلامة المرورية اللواء مجدي الشاهد حذر في تصريحات سابقة عن ظاهرة “إفطار الصائم” على الطرق من خطورة وقوف أشخاص – خصوصًا صغار السن – في منتصف أو حافة طرق سريعة وقت الذروة، مشيرًا إلى أن هذا التوقيت تحديدًا يشهد أعلى درجات التوتر لدى السائقين في محاولة اللحاق بالإفطار، وأن أي شخص يظهر فجأة أمام المركبات يكون عرضة للصدم، حتى لو كان الهدف عملًا خيريًا.
ظاهرة عمل خيري بلا تنظيم.. بين الثواب وخطر الحوادث
ظاهرة توزيع وجبات إفطار على الطرق قبل المغرب انتشرت في السنوات الأخيرة في مدن ومحافظات عديدة، بدافع نيل ثواب “إفطار صائم”، لكنها أثارت جدلًا واسعًا، إذ يرى مؤيدون أن لها بعدًا إنسانيًا مهمًا خصوصًا على الطرق بين المحافظات، بينما يحذر آخرون من أن ممارستها داخل المدن والطرق المزدحمة تربك المرور، وتزيد من خطر الحوادث، خاصة عندما يقوم بها شباب وأطفال دون تدريب أو تنسيق مع المرور.
تقرير سابق لـ“إندبندنت عربية” نقل عن مسؤولين في جمعيات خيرية أن انتشار الفرق التطوعية غير المنظمة، التي تنطلق من مبادرات شخصية دون ترخيص أو تنسيق، يؤدي إلى “فوضى” في بعض الشوارع، حيث يتم إيقاف السيارات فجأة، أو يندفع متطوعون بين الحارات لتوزيع التمر والماء، ما قد يتسبب في حوادث تصادم أو دهس، فضلًا عن تعطيل حركة المرور في دقائق حاسمة قبل أذان المغرب.
د. أحمد علي، أستاذ هندسة الطرق والنقل، يؤكد في دراسات عن السلامة المرورية أن أي نشاط بشري إضافي على حافة الطرق السريعة – مثل الباعة الجائلين أو توزيع وجبات – يضاعف احتمالات الحوادث، خاصة إذا جرى في أوقات ذروة مع إضاءة غير مكتملة أو ضعف في البنية المرورية، مشددًا على أن الأعمال الخيرية يجب أن تخضع لقواعد صارمة، تشمل حظر تواجد الأطفال، وتحديد نقاط توزيع آمنة بعيدًا عن مسارات المركبات.
من جانبه، يشير الخبير الاجتماعي د. سعيد صادق إلى أن الجمع بين “ثقافة الثواب” وغياب التنظيم الرسمي يجعل كثيرًا من الشباب يندفعون إلى أنشطة خطرة بدافع ديني أو اجتماعي نبيل، دون إدراك للمخاطر، معتبرًا أن دور مؤسسات الدولة – من أوقاف وتضامن وشباب ورياضة – يجب أن يتجاوز التشجيع العام على “الخير” إلى وضع أدلة إرشادية ملزمة لهذه الأنشطة، خصوصًا عندما يشارك فيها قُصّر.
مسؤولية من؟ الأندية، الأسرة، والسلطات في مرمى التساؤلات
رحيل معتصم زكريا أعاد تسليط الضوء على واقع الناشئين في الأندية الصغيرة بالمحافظات، التي لا تمتلك عادة إدارات متخصصة للسلامة أو الدعم النفسي، رغم أن اللاعبين فيها يتحركون كثيرًا على الطرق بين مراكز ومدن مختلفة، ويشاركون في أنشطة جماعية.
بيانات نادي عمال المنصورة اكتفت بنعي اللاعب، ولم تعلن عن أي ضوابط جديدة أو برامج توعية للناشئين بخصوص المشاركة في أعمال تطوعية على الطرق، ما فتح بابًا للسؤال حول مسؤولية الأندية في حماية لاعبيها خارج المستطيل الأخضر.
الناقد الرياضي إيهاب الخطيب يرى أن الأندية ليست مجرد كيانات رياضية، بل مؤسسات يفترض أن تقوم بدور تربوي وتوعوي، وأن وفاة لاعب ناشئ في حادث أثناء عمل خيري يجب أن تكون جرس إنذار لإدارات الأندية لوضع سياسات واضحة: هل يُسمح لمجموعة من لاعبي الناشئين بالمشاركة في أنشطة على الطرق السريعة؟ هل هناك تواصل مع أولياء الأمور بخصوص المخاطر؟ وهل تتدخل الأندية لتوجيه طاقة اللاعبين الخيرية إلى قنوات أكثر أمانًا؟
من زاوية قانونية، يوضح المحامي والخبير في قضايا التعويضات خالد الجمال أن مسؤولية الحوادث على الطرق لا تقع فقط على السائق، بل قد تمتد – بحسب ظروف كل حالة – إلى الجهات المنظمة لأي نشاط في مواقع خطرة إذا ثبت وجود تقصير أو عدم أخذ احتياطات السلامة، مشيرًا إلى أن انتشار مبادرات فردية لتوزيع الإفطار دون كيان قانوني واضح يزيد من صعوبة تحديد المسؤولية، ويترك أسر الضحايا في مواجهة الواقع وحدهم، بين حزن الفقد وتعقيدات الحصول على تعويض عادل.
رئيس قسم القلب بمستشفى حكومي في الدقهلية، د. محمد الشناوي، يلفت إلى أن المستشفيات في المحافظات تستقبل سنويًا حالات متعددة من حوادث مرتبطة بزحام ما قبل الإفطار، من بينها حوادث دهس عند إشارات أو مداخل طرق، وأن إدخال عنصر إضافي (توزيع وجبات في منتصف الطريق أو على الحارات السريعة) يزيد من احتمالات إصابات حرجة، مؤكدًا أن الوقاية في هذه الحالات أيسر بكثير من التعامل مع النتائج في غرف الطوارئ.
بين “ثواب إفطار صائم” وحق الحياة.. الحاجة إلى قواعد واضحة
بيانات رسمية لوزارة الداخلية كانت قد أشارت في مواسم سابقة إلى أن إدارات المرور تنظم أحيانًا حملات رسمية لتوزيع وجبات على الطرق عبر رجال الشرطة، في نقاط مختارة، وبطريقة لا تعرقل الحركة، وهي مبادرات لاقت استحسانًا من المواطنين.
لكن وجود نموذج منظم لا يلغي أن الساحة مفتوحة أيضًا لعشرات المبادرات غير المنظمة، التي يعمل أصحابها خارج أي إطار رقابي، ما يخلق “ازدواجية” بين جهد رسمي يحاول ضبط الحركة، وأنشطة شعبية قد تعاكس هذا الجهد على الأرض.
قضية وفاة معتصم زكريا تعيد طرح سؤال بسيط ومباشر: هل نستمر في ترك مبادرات إفطار الصائم على الطرق بلا تنظيم واضح، مع تحميل النتيجة للقدر وسائق “لم ينتبه”، أم أن الوقت حان لوضع قواعد مُعلنة: مناطق مسموح بها، فئات عمرية مسموح لها بالمشاركة، تنسيق إلزامي مع المرور، وحد أدنى من التدريب على السلامة؟
في النهاية، رحل معتصم وهو يحاول أن يفعل خيرًا، لكن الطريقة التي رحل بها تكشف أن غياب التنظيم يحوّل العمل الخيري على الأسفلت إلى مخاطرة غير محسوبة، يدفع ثمنها الأضعف: طفل، أو شاب ناشئ، أو عامل بسيط.
ما لم تتحول هذه الحوادث إلى نقطة تحول في تنظيم أنشطة رمضان على الطرق، ستبقى قصص “فعل الخير” مرتبطة أيضًا بقصص نعوات مبكرة، كان يمكن تجنبها بقواعد بسيطة وحضور حقيقي لمفهوم سلامة الإنسان قبل أي ثواب.

