شهدت جزيرة الوراق شمالي الجيزة ليلة متوترة في ثاني أيام رمضان، مع تجدد الاشتباكات بين عدد من الأهالي من جهة، ومجموعة من الأشخاص وصفهم سكان محليون بأنهم “بلطجية” برفقة قوات الشرطة من جهة أخرى، على خلفية تشديد القيود الأمنية على حركة الدخول والخروج من الجزيرة، في حلقة جديدة من صراع ممتد منذ 2017 حول مشروع حكومي لإعادة تخطيط الجزيرة وتطويرها عمرانيًا.
 

 

اشتباكات ورمضان وغضب من “الحصار”

 

شهود عيان أكدوا أن التوتر تصاعد بعد منع عدد من السكان من مغادرة الجزيرة أو العودة إليها، ما اعتبره الأهالي استمرارًا لـ“حصار” إداري وأمني يهدف إلى التضييق عليهم تمهيدًا لإجبارهم على مغادرة منازلهم، وليس مجرد إجراء أمني اعتيادي. المشادات الكلامية تحولت سريعًا إلى تدافع ورشق بالحجارة بين الأهالي من جهة، والأشخاص المرافقين لقوات الشرطة من جهة أخرى، قبل أن تتدخل قوات الأمن للفصل واحتواء الموقف، دون إعلان رسمي حتى الآن عن حصيلة إصابات أو توقيفات مرتبطة بالأحداث.

 

هذه المواجهة الرمضانية ليست حادثًا معزولًا؛ بل تأتي في سياق إحساس متراكم لدى السكان بأن الوجود الأمني المكثف والقيود على الحركة جزء من “أدوات ضغط” لدفعهم نحو قبول الإخلاء أو التسويات الفردية، في ظل غياب مسار تفاوضي شفاف وعلني يطمئنهم إلى مصير ملكياتهم وأراضيهم.

 

سيد القرموطي: توقيف في الشارع وإفراج تحت ضغط الأهالي

 

مسار التوتر الحالي بدأ قبل الاشتباكات بأيام، مساء الثلاثاء الماضي، عندما أوقفت قوات الأمن المواطن سيد القرموطي من حي وراق الحضر المجاور، بينما كان متجهًا إلى عيادة برفقة طفليه (5 و6 أعوام) للكشف عليهما، وفق روايات من أهالي المنطقة. المصادر تقول إنه جرى اقتياده مع طفليه إلى قسم شرطة وراق الحضر، قبل أن يُسمح بخروج الطفلين لاحقًا مع اثنين من الأهالي، مع وعود شفهية بالإفراج عنه “لاحقًا”، وهو ما لم يحدث لساعات، ما أشعل غضبًا واسعًا داخل الجزيرة.

 

انتشر خبر توقيف القرموطي سريعًا، فخرج مئات من الأهالي مساء الثلاثاء إلى محيط تمركز قوة الشرطة بالجزيرة احتجاجًا على احتجازه. مصدر من “مجلس عائلات جزيرة الوراق” – كيان يضم مندوبين عن عائلات الجزيرة تأسس لتنظيم جهود السكان – قال إن القوة المتمركزة أبلغت المحتجين أن الواقعة تمت “بتعليمات عليا”، نافية أن تكون صاحبة قرار التوقيف. مصدر آخر أشار إلى أن شخصًا مجهولًا تواصل مع والد القرموطي وأبلغه أن ابنه معتقل “بناء على طلب منه” بعد إغلاق هاتفه، بينما أنكر قسم وراق الحضر وجوده في البداية، قبل أن يقر لاحقًا بوجوده رهن الاحتجاز.

 

مساء الأربعاء، أُفرج عن سيد القرموطي بعد لقاء ضم نحو 20 من أهالي الجزيرة مع قيادات في جهاز الأمن الوطني بقسم الدقي، للتوسط لإخلاء سبيله. بحسب أحد الحاضرين، حاول ممثلو الجهاز إقناع الحضور بـ“التهدئة”، والتأكيد على أن الدولة ماضية في “التطوير”، بينما يرى سكان محليون أن الضغط الشعبي والتجمعات حول تمركز الشرطة كان “العامل الحاسم” الذي عجّل بقرار الإفراج لتجنب انفجار أكبر في الجزيرة.

 

حصار إداري وقرارات نزع ملكية ومخطط استثماري

 

تأتي هذه التطورات فوق أرضية أعمق من التوتر؛ إذ يتهم الأهالي الدولة منذ 2017 بإحكام حصار إداري وخدمي على الجزيرة: منع دخول مواد البناء لتفادي تشييد مبان جديدة قد ترفع قيمة التعويضات، وقف بعض الخدمات، هدم مركز الشباب ومكتب البريد، ومحاولات فرض قياسات للمنازل بالقوة تمهيدًا لحصر شامل. روايات السكان تقول إن القيود على التنقل وكثافة التواجد الأمني تُستخدم كوسائل ضغط على الرافضين للبيع أو الخروج.

 

في المقابل، تصر الجهات الرسمية على أن ما يجري جزء من تنفيذ مخطط “تطوير شامل” يستهدف استغلال موقع الجزيرة الاستراتيجي في قلب النيل، مع التعهد بتعويض المتضررين وفق القانون وتوفير بدائل سكنية مناسبة. الأهالي يرفضون هذا المنطق بصيغته الحالية، ويطالبون بـ“التطوير وهم على أرضهم”، لا عبر إخلاء واسع يعيد توزيع السكان والملكيات.

قانونيًا، يستند المشروع إلى سلسلة قرارات منشورة في الجريدة الرسمية. في 13 سبتمبر 2021، صدر قرار مجلس الوزراء رقم 37 لسنة 2021 بنزع ملكية أراضٍ على جانبي محور روض الفرج (حرم 100 متر للطريق) وأراضٍ بمحيط الجزيرة (30 مترًا لتنفيذ الكورنيش)، مع الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي اللازمة للمشروع، مرفقًا بكشوف حصر بأسماء ملاك وخرائط لمساحات تتجاوز 170 فدانًا، دون تفصيل آليات تعويض شفافة.

 

سبق ذلك قرار رئيس الوزراء رقم 49 لسنة 2018 بنزع ملكية أراض في النطاقين نفسيهما، وقرار رقم 20 لسنة 2018 في عهد شريف إسماعيل بتخصيص جزء كبير من أراضي الجزيرة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لإنشاء “مجتمع عمراني جديد”، وفق خريطة مرفقة تشير إلى أن معظم أراضي الجزيرة أصبحت تحت ولاية الهيئة. وفي يوليو 2020، أعلنت الجزيرة “منطقة إعادة تخطيط”، بما يسمح بتعديل الاشتراطات التخطيطية والبنائية، وفي فبراير من العام نفسه، أُعلن المخطط العام للتطوير بالتعاون بين هيئة التخطيط العمراني وهيئة المجتمعات العمرانية.

 

وفق هذا المخطط، خُصصت 29% من أراضي الجزيرة كمناطق استثمارية عامة محيطة، و3% كمناطق استثمارية متميزة عند الشمال والجنوب، و3% كمنطقة خدمات تجارية. في المقابل، السكن للأهالي توزع بين إسكان متميز (6%) في النصف الشمالي، وإسكان ذي طبيعة استثمارية خاصة على الشاطئ الشرقي (3%)، ومناطق إعادة تخطيط وتطوير مخصصة لأهالي الجزيرة الراغبين في البقاء (17%) في النصف الجنوبي حيث الكتلة السكنية الحالية. الحكومة تقول إن هذه النسب تعكس “توازنًا” بين الاستثمار وسكن الأهالي، بينما يرى معارضون أن تخصيص 17% فقط لإعادة تخطيط مساكن الأهالي لا يعكس واقع الكثافة السكنية القائمة، وأن غياب تفاصيل واضحة عن التعويضات يعمّق مخاوفهم.

 

من اقتحام 2017 إلى اليوم: “المصلحة العامة” في مواجهة “الحق في البقاء”.. ومن المستفيد؟

 

جذور النزاع تعود إلى 16 يوليو 2017، حين داهمت قوات من وزارة الداخلية برفقة مسؤولين من الأوقاف والري والزراعة الجزيرة لتنفيذ قرارات إزالة لنحو 700 منزل، ما أدى إلى اشتباكات أسفرت عن مقتل أحد الأهالي وإصابة العشرات من قوات الشرطة. منذ ذلك التاريخ، توالت الإجراءات والقرارات، مع موجات احتجاج متقطعة. في نهاية 2020، صدرت أحكام بالسجن المشدد (مؤبد، و15 سنة، و5 سنوات) ضد أكثر من 30 من أهالي الجزيرة في قضية “أحداث جزيرة الوراق”، بينما يواجه آخرون اتهامات تتعلق بالإرهاب والتحريض ونشر أخبار كاذبة على خلفية الاحتجاج أو النشر عن القضية، بما زاد شعور السكان بأنهم يُعاملون كخصم أمني، لا كطرف في نزاع تخطيطي.

 

الحكومة تواصل التمسك بخطاب “المصلحة العامة” وتطوير الواجهة النيلية، وربط المشروع باسترداد “أراضي الدولة” ووقف التعديات والعشوائيات، مستندة إلى تصريحات مبكرة لعبد الفتاح السيسي في يونيو 2017 عن أولوية الجزر النيلية في خطط التطوير. في المقابل، يرفع قطاع واسع من الأهالي شعار “الحق في البقاء”، مؤكدين أن بيوتهم وأراضيهم ليست فقط أصولًا عقارية بل هوية اجتماعية وتاريخ عائلي، ويطالبون بضمانات مكتوبة لتعويضات عادلة، وخيارات واضحة لمن يختار البقاء داخل الجزيرة، ووقف ما يعتبرونه “حصارًا إداريًا وخدميًا” وإجراءات تخويف قضائية.

 

وسط هذا الاشتباك، يبرز سؤال “ابحث عن المستفيد”. في يوليو 2017، نشرت شركتان – إحداهما “أر أس بي” للتخطيط المعماري، إماراتية-سنغافورية، والأخرى “كيوب” المصرية للاستشارات الهندسية – مخططات هندسية لتطوير جزيرة الوراق ضمن مشروعات عمرانية مستقبلية، تضمنّت مباني تجارية، جامعة، مجمعات سكنية، حدائق ومساحات مفتوحة، وخطة لبنية تحتية ووسائل نقل حديثة. الشركة الإماراتية-السنغافورية ذكرت على موقعها الرسمي أن الحكومة المصرية تعاقدت معها في 31 مارس 2013 لإعداد مخطط تطوير الجزيرة كنموذج للتنمية الحضرية المستقبلية في القاهرة. الحكومة سارعت بعد ذلك بأيام إلى نفي وجود تعاقد حالي مع هذه الشركات بشأن الوراق، لكن نشر هذه التصورات ألقى بظلال من الشك لدى الأهالي حول ارتباط المشروع بمصالح استثمارية خليجية، وعلى رأسها الإمارات، خاصة في سياق أوسع لاستثمارات إماراتية في مشروعات واجهات نيلية وجزر.

 

اليوم، يظل المشهد في جزيرة الوراق مفتوحًا على سيناريوهات متناقضة: تهدئة مرحلية تُفضي إلى تسويات تعويض وإعادة إسكان تحت ضغط الواقع؛ أو جولات جديدة من الشد والجذب كلما تقدمت أعمال التنفيذ على الأرض. وبين حكومة تؤكد أن “التطوير مسار لا رجعة فيه”، وأهالٍ يصرون على أن أي تغيير يجب أن يضمن حقوقهم في الملكية والسكن ويجري بشفافية ومشاركة حقيقية، يبدو أن جزيرة الوراق تحولت من “أرض زراعية في النيل” إلى اختبار حاد لعلاقة الدولة بسكانها، ولشكل التنمية الذي يُفرض عليهم من فوق، ومن بعيد.