قفزت القيمة الإيجارية لأراضي هيئة الأوقاف الزراعية في بعض المناطق من نحو 17 ألف جنيه للفدان في 2024 إلى 60 ألف جنيه حاليًا، بزيادة تقترب من 300% في أقل من عام، وفق ما كشفه النائب ياسر منصور قدح عضو لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي بمجلس النواب، محذرًا من أن هذه السياسة لا تعني “حوكمة الوقف” بقدر ما تهدد صغار المزارعين والأمن الغذائي معًا.
زيادات صادمة.. وفلاح يتحول من منتج إلى مدين
قدح أوضح في طلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس النواب موجّه لوزير الأوقاف، أن المزارعين فوجئوا بقفزات “خيالية” في إيجار أراضي الأوقاف، حيث وصلت القيمة في بعض المناطق من 17 ألف جنيه للفدان في 2024 إلى 60 ألفًا حاليًا، في وقت يعاني فيه الفلاح بالفعل من ارتفاع تكاليف الإنتاج، من تقاوي وأسمدة ومبيدات وطاقة، دون زيادة موازية في أسعار بيع المحاصيل، ما يحوّل الفلاح “من عنصر منتج إلى مدين مهدد بالسجن أو الطرد من أرض يزرعها منذ عقود”.
شكاوى مماثلة تصاعدت منذ أواخر 2025، حين رصدت تقارير صحفية ومذكرات برلمانية رفع إيجار فدان الأوقاف من 13–18 ألف جنيه إلى مستويات بين 45 و55 ألف جنيه في عام واحد، وهو ما وثّقه النائب إسماعيل الشرقاوي في مجلس الشيوخ، معتبرًا أن الزيادات “تجاوزت 300% في بعض الحالات”، وأنها “لا تتماشى مع الواقع الفعلي للقطاع الزراعي ولا مع دخول صغار المزارعين”، خاصة أن أغلب الحيازات المؤجرة لا تتجاوز فدانًا أو فدانين.
رد الأوقاف: “مال الله” وضرورة الوصول للقيمة السوقية
وزارة الأوقاف، عبر بيانات رسمية وتصريحات المتحدث باسمها الدكتور أسامة رسلان، بررت الزيادات بأنها جزء من “إعادة النظر في عدالة القيم الإيجارية” وأنها “قرارات تصحيحية” بعد اكتشاف “عوار كبير” في عقود قديمة أهدرت مال الوقف، مؤكدة أن الوقف “مال الله” وأن الهيئة مؤتمنة على تعظيم عوائده، وأن القيم الإيجارية الجديدة استندت إلى زيارات ميدانية وتقسيم للأراضي إلى فئات (ممتازة، جيدة، متوسطة، ضعيفة) حسب الجودة والموقع والقرب من الخدمات.
رسلان قال إن “القيمة الإيجارية للفدان التابع للأوقاف لم تتجاوز 55 ألف جنيه” وإن الهدف هو الاقتراب التدريجي من “القيمة السوقية العادلة” للأراضي المماثلة، مع مراعاة صغار المزارعين في المساحات المفتتة، ومحاربة ظاهرة “الاستئجار من الباطن” التي تجعل المستأجر الأصلي يحصل على هامش كبير على حساب الوقف، مضيفًا أن الوزارة حريصة على “التعامل الرحيم” مع المستأجرين، رغم ما يصفه الفلاحون بأنه قفزة غير محتملة في سنة تعد من الأسوأ زراعيًا بالنسبة لهم.
الفلاحون ونقيبهم: “إحنا بناخد من الفقراء علشان ندي أغنياء”
حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، وصف قرار رفع الإيجار بأنه “غير واقعي” و“عبء كبير” على المزارعين، مشددًا على رفض الطريقة التي تم بها رفع القيمة إلى أكثر من ثلاثة أضعاف دفعة واحدة، وقال إن أراضي الأوقاف “أموال موقوفة لصالح أعمال الخير ودعم الفقراء”، وإن رفع الإيجار بهذا الشكل “يتعارض مع الهدف الأساسي من الوقف”، مضيفًا: “إحنا بناخد من الفقراء علشان ندي أغنياء… الأراضي دي كانت دعم للفلاح، مش باب جديد لإثقال كاهله”.
أبو صدام أوضح أن لجنة التسعير ساوت بين أراضي الأوقاف وأراضي الملاك الخاصة، رغم أن النقابة تطالب أصلاً بتخفيف إيجارات الأراضي الخاصة مراعاة لظروف الفلاحين، لا رفعها، معتبرًا أن “القيمة الإيجارية المنطقية” لا يجب أن تتجاوز 25 ألف جنيه للفدان سنويًا في ظل ارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية وانخفاض أسعار المحاصيل، وحذر من أن كثيرًا من المزارعين قد يتركون هذه الأراضي، ما يهدد الإنتاج الزراعي في محاصيل أساسية ويؤثر على الأمن الغذائي.
مخاطر على الأمن الغذائي.. وتحرك برلماني محدود
النائب ياسر منصور قدح حذّر في طلب الإحاطة من أن القرارات الحالية تأتي في توقيت “شديد الحساسية”، حيث يعاني المزارعون من “الارتفاع الجنوني” في تكاليف الإنتاج، وأن هذه التقديرات تحول الفلاح إلى “مدين مهدد بالسجن أو الطرد”، داعيًا وزير الأوقاف لتشكيل لجنة فنية مشتركة مع وزارة الزراعة لوضع قيم إيجارية “عادلة” تراعي جودة الأرض والظروف المعيشية، ومؤكدًا أن حماية الفلاح “حماية للأمن القومي الغذائي”، وأن استمرار السياسة الحالية سيؤدي إلى عزوف عن زراعة أراضي الأوقاف، ما يضر بمصلحة الدولة والوقف معًا.
في مجلس الشيوخ، أكد النائب إسماعيل الشرقاوي أن اللجنة لا تعارض مبدأ زيادة الإيجار من حيث المبدأ، لكنها طالبت بآلية تسعير تدريجية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وعدم تطبيق زيادات حادة في عام واحد، خاصة أن الزيادات لم تتزامن مع تحسن في أسعار بيع المحاصيل، بل مع استمرار انخفاض أسعار بعض الخضر والفاكهة، ما يجعل هامش الربح محدودًا أو معدومًا، ويحوّل العلاقة بين الفلاح والأرض من شراكة إنتاج إلى عبء مالي.
جوهر الأزمة: إدارة الأصول أم تفريغ الريف من صغار المزارعين؟
تحليلات صحفية تحت عناوين مثل “غضب في الحقول” رصدت أن الفلاحين المستأجرين لأراضي الأوقاف هم غالبًا أسر زرعت هذه الأراضي لعشرات السنين، أحيانًا من أيام كان الإيجار “بضع جنيهات”، وأن كثيرين بنوا بيوتًا ملاصقة للأرض ويعتمدون عليها كمصدر رزق وحيد، وأن إخراجهم لإدخال آخرين قادرين على دفع الإيجار المرتفع “غير عادل” في نظرهم، ويحول الوقف من أداة لدعم الاستقرار الاجتماعي إلى وسيلة لتغيير التركيبة الاجتماعية في الريف لصالح كبار المستثمرين.
د. سيد خليفة، نقيب الزراعيين، اعتبر أن رفع الإيجار بهذه السرعة “يمثل عبئًا على صغار المزارعين ويستدعي رفع القيمة تدريجيًا”، مع مراعاة اختلاف جودة الأراضي، محذرًا من أن ضغط الإيجار وتكاليف الإنتاج في الوقت نفسه قد يدفع فلاحين إلى تقليل المساحات المزروعة أو الخروج من الزراعة، في وقت تعلن فيه الدولة أنها تسعى لزيادة الاكتفاء الذاتي وتقليل فاتورة استيراد الغذاء، ما يعكس تناقضًا بين خطاب “دعم الزراعة” وسياسات إيجارية تثقل كاهل المنتج الأساسي.
في قلب الأزمة، يظهر تضارب بين هدف مشروع ومشروع ظاهريًا هو “تعظيم ريع الوقف ومنع إهدار أمواله”، وبين ثمن اجتماعي واقتصادي يدفعه صغار المزارعين الذين لا يملكون بدائل حقيقية، ومع طلبات إحاطة ومذكرات برلمانية تضع الملف على الطاولة، يبقى السؤال الحاسم: هل تُستخدم لغة “القيمة السوقية” و“عدالة الإيجار” لتبرير نقل أراضي الوقف إلى فئة قادرة على الدفع، على حساب فلاحين يرون الوقف أصلًا وُجد لدعمهم، لا لطردهم؟

