كشف موقع “ميدل إيست آي” أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وجّه رسالة مطولة وشديدة اللهجة إلى مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد، يشتكي فيها مباشرة من أنشطة أبوظبي في السودان واليمن، ويعتبر شحن السلاح لقوات الدعم السريع والمجلس الانتقالي الجنوبي تجاوزًا لـ“خط أحمر” يمس الأمن القومي السعودي، في تطور يكشف حجم التصدع بين الحليفين الخليجيين رغم الخطاب العلني عن “الروابط الأخوية”.
رسالة شكوى لا توقيع فيها.. وسرد مفصل لاتهامات الرياض
بحسب مسؤولين أمريكيين وغربيين تحدثوا لـ“ميدل إيست آي”، فإن الرسالة أُرسلت قبل أسابيع إلى طحنون بن زايد، رئيس المجلس الأعلى للأمن الوطني في الإمارات، وضمّت قائمة مفصلة بشكاوى سعودية من الدور الإماراتي في الحربين السودانية واليمنية، مع عرض سعودي للوساطة عبر خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد ووزير الدفاع. الرسالة لم تحمل توقيعًا في قسمها الختامي، لكن واشنطن قيّمت أنها صادرة عن محمد بن سلمان، وأن الرياض شاركت مضمونها مع الإدارة الأمريكية لتوضيح موقفها من “تجاوزات” أبوظبي.
الرسالة أبلغت طحنون أن السعودية “لم تعد قادرة على تحمل” الحرب في السودان بينما يدعم جارها قوات الدعم السريع، واعتبرت أن الإمارات أرسلت مساعدات عسكرية دون تنسيق مع الرياض، ما أطال أمد الصراع وزاد كلفته الإنسانية والسياسية، في وقت تحاول فيه المملكة تقديم نفسها كوسيط في الأزمة السودانية عبر “الرباعية” مع الولايات المتحدة ومصر والإمارات نفسها.
اليمن “مجال نفوذ سعودي”.. وغارة المكلا على شحنة إماراتية
في الملف اليمني، بررت الرسالة التدخل العسكري السعودي منذ 2015 بأنه ضروري للأمن القومي للمملكة، خاصة عندما هاجمت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات مواقع موالية للرياض، وأكدت أن السعودية ترى اليمن “مجال نفوذها الطبيعي”، وأنها تخطط لتحمل “المسؤولية” عن الدولة المجاورة الممزقة على حدودها الجنوبية، ما يعني رفضًا ضمنيًا لأي دور مستقل أو متفلت لأبوظبي هناك.
الرسالة وصفت قرار الإمارات إرسال مساعدات عسكرية إلى المجلس الانتقالي الجنوبي دون موافقة الرياض بأنه “خط أحمر”، وأشارت إلى أن السعودية استهدفت في ديسمبر شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا، ضمن ما وصفته وسائل إعلام أمريكية وعربية بأنه ضربة جوية ضد سفن يشتبه في نقلها أسلحة وعربات لصالح المجلس الانتقالي، في مؤشر على أن الخلاف لم يعد سياسيًا فقط بل وصل إلى تبادل رسائل بالنار على الأرض اليمنية.
كما انتقدت الرسالة عملية إماراتية سرية الشهر الماضي لتهريب زعيم المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي من اليمن بعد اتهامه بالخيانة العظمى من أطراف يمنية مدعومة من الرياض، واعتبرت ذلك تحديًا مباشرًا للسعودية التي تؤكد أن أي إعادة ترتيب للبيت اليمني يجب أن تمر عبرها، لا عبر قنوات منفصلة تديرها أبوظبي مع حلفائها المحليين.
السودان وساحات أخرى.. واشنطن تراقب وتضغط
في السودان، تأتي الرسالة امتدادًا لتحقيقات وتقارير نشرتها “ميدل إيست آي” سابقًا عن شبكة دعم إماراتية لقوات الدعم السريع عبر قواعد في ليبيا وتشاد وأوغندا، وعن غضب سعودي متزايد من هذه السياسة التي ترى الرياض أنها تعرقل أي تسوية لصالح الجيش السوداني الذي تميل المملكة لاعتباره “خيار الاستقرار”، وفق مصادر عربية وغربية. محمد بن سلمان كان قد أبلغ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في مكالمة سابقة أنه سيثير موضوع الدعم الإماراتي لـ“الدعم السريع” مع واشنطن، وأنه يعتبر إنهاء هذا الدعم شرطًا لإنهاء الحرب.
الرسالة، وفق مسؤول غربي مطلع تحدث للموقع، صيغت أيضًا “وعيونها على واشنطن”، أي أنها ليست مجرد عتاب عائلي، بل وثيقة توضح للولايات المتحدة أن السعودية ليست شريكًا في السياسات الإماراتية المتهورة في السودان واليمن، وأنها تتضرر منها، مع التأكيد في الوقت نفسه على “الروابط الأخوية” وأن إدارة الخلاف ستظل “شأنًا عائليًا”، في إشارة إلى رغبة الرياض في إبقاء الملف تحت سقف التنسيق الخليجي وعدم تحويله إلى أزمة علنية كاملة.
وساطة أمريكية وتحذيرات من خدمة إيران
الرسالة تسربت سياسيًا في توقيت يشهد تحركات أمريكية لاحتواء الخلاف، إذ دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام علنًا، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى “حوار سعودي إماراتي عاجل” بشأن اليمن والسودان، محذرًا الرياض وأبوظبي من أن استمرار الشقاق بينهما “يخدم إيران” ويضعف جبهة الحلفاء في لحظة حساسة من صراع النفوذ في المنطقة، وقال بوضوح: “توقفوا عن هذا السلوك، أنتم تمكّنون إيران بهذا الخلاف”.
غراهام، المعروف بقربه من دوائر صنع القرار الأمريكية، تحدث عن أنه يتنقل بين أبوظبي والرياض لمحاولة تقريب وجهات النظر، وأن الخلافات التي بدأت في اليمن امتدت إلى ملفات أخرى، من البحر الأحمر والصومال والسودان إلى ملفات ليبيا والقرن الأفريقي، ما يهدد بإعادة تشكيل تحالفات المنطقة إذا خرجت الأمور عن السيطرة أو انحاز كل طرف إلى معسكرات إقليمية متباينة.
في الخلفية، يقرأ محللون مثل كريستيان كوتس أولريخسن (في تحليلات لمراكز أبحاث غربية) التوتر الحالي باعتباره نتيجة طبيعية لتنافس على دور “الشريك الأول” لواشنطن في الخليج، ولرغبة كل من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد (عبر طحنون) في رسم سياسات إقليمية مستقلة، حتى لو تداخلت وتعارضت في ساحات مثل اليمن والسودان والصومال، ما يجعل “الرسالة السرية” واحدة من أولى المؤشرات العلنية على انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى واجهة النقاش الإقليمي والدولي.
في المحصلة، تعكس الرسالة أن ما كان يُسوَّق طوال سنوات كتحالف استراتيجي متطابق بين الرياض وأبوظبي دخل مرحلة جديدة من التوتر المكشوف، وأن ساحات الحروب بالوكالة في اليمن والسودان باتت مسرحًا لاشتباك مصالح بين الحليفين نفسهما، في ظل مراقبة أمريكية لصيقة وضغط لعدم السماح بانقسام واسع يستفيد منه خصومهما الإقليميون، وعلى رأسهم إيران.

