تثير زيارة المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في المياه وخدمات الصرف الصحي، بيدرو أروخو أجودو، إلى مصر أسئلة قاسية حول سياسات عبد الفتاح السيسي وحكومته، بعدما أكد تحقيق تقدم في بعض المشروعات الممولة دوليًا، لكنه عبّر بوضوح عن قلقه من مسار خصخصة إدارة المياه، وغياب الشفافية، واتساع الفجوة بين المدن الجديدة والقرى الفقيرة، في تناقض مباشر مع نصوص الدستور والالتزامات الدولية.

 

زيارة أممية تكشف التناقض بين الدستور والواقع

 

أجودو زار مصر بين 8 و17 فبراير، والتقى مسؤولين حكوميين ومنظمات دولية ومجتمعًا مدنيًا، واطلع على مشروعات مياه وصرف صحي في القاهرة وكفر الشيخ والفيوم وأسوان وقنا، ليقول صراحة إنه رأى “حقائق كثيرة” على الأرض تتجاوز الخطاب الرسمي. وأكد أن الدستور المصري يعترف بالحق في مياه صالحة للشرب، لكن السياسات العملية لا تزال بعيدة عن مقاربة حقوق الإنسان في المياه والصرف الصحي، رغم الإشارة لهذا الحق ضمن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2021–2026.

 

وشدد المقرر الأممي على أن الحكومة تميل إلى تفسير التحديات من زاوية “ندرة المياه” فقط، بينما المطلوب، في رأيه، هو تطبيق مبدأ أولوية استخدام المياه داخل الدولة، أي تقديم حق الإنسان في مياه آمنة على الاستخدامات التجارية أو الترفيهية أو المشروعات الكبرى، وهو ما يضع سياسات السيسي المائية تحت ضوء المساءلة، خصوصًا في ظل تخصيص موارد ضخمة لمشروعات عمرانية جديدة مقابل استمرار ثغرات حادة في خدمات القرى والمناطق المهمشة.

 

خصخصة المياه وقانون 172: الاستثمار قبل حق الفقراء

 

أجودو حذر من اتجاه متصاعد لخصخصة إدارة المياه تحت ضغط مؤسسات مالية دولية، مشيرًا صراحة إلى القانون رقم 172 لسنة 2025 الذي يفتح الباب أمام استثمارات القطاع الخاص في محطات تحلية المياه، بما يحول موردًا حيويًا إلى نشاط ربحي قد يعجز الفقراء عن تحمّل تكلفته. ويرى أن ربط الحق في المياه بجدوى استثمارية يخاطر بتهميش الفئات الأضعف، ويقوّض الالتزام الدستوري بضمان الخدمة للجميع دون تمييز.

 

الباحثة آمِنة شرف، مؤلفة تقرير “الحق في المياه في مصر: ندرة لمن؟” الصادر ضمن “العرب ووتش 2025”، تؤكد أن الخطاب الرسمي عن “الفقر المائي” يُستخدم أحيانًا لتبرير الخصخصة وتسليع المياه، بدلًا من إعادة ترتيب الأولويات نحو عدالة التوزيع والمحاسبة والحق في الوصول. وتلفت إلى أن التعامل مع المياه كسلعة اقتصادية بحتة، في سياق غياب البيانات والشفافية، يهدد بتحويل عبء الإصلاح على الأسر الفقيرة عبر فواتير أعلى أو خدمات غير مضمونة، بينما تستفيد قطاعات محدودة من مشروعات استثمارية في المدن الجديدة والمناطق ذات العائد الأعلى.

 

إدارة مجزأة وبلديات مهمشة: من يتحكم في صنبور المواطن؟

 

أوضح المقرر الخاص أن إدارة قطاع المياه في مصر موزعة بين وزارات عدة والشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، بما يخلق تداخلًا في الاختصاصات ويضعف الكفاءة، مع تهميش لدور الحكومات المحلية التي تعرف احتياجات السكان بشكل مباشر، وهو نموذج حوكمة مركزي يترك المواطن في القرى والنجوع بلا صوت حقيقي في قرارات تخص مصدر حياته اليومي.

 

الخبير الإقليمي في الموارد المائية، الدكتور خالد أبو زيد، يشدد في تحليلات منشورة على أن مصر تعيش بالفعل تحت خط الفقر المائي، وأن مواجهة الأزمة لا تكون بالمشروعات المتفرقة بل بحوكمة متكاملة تربط بين الماء والطاقة والغذاء وتضع العدالة الاجتماعية في قلب القرار. لكن الواقع، كما توثقه أوراق سياسات بحثية حديثة، يكشف عن استراتيجيات متضاربة ومشروعات بنية تحتية مكلفة لا تُقاس آثارها على الفئات الأضعف، من توسع زراعات تستنزف المياه إلى مشروعات عمرانية في العاصمة الإدارية تُضخ لها كميات ضخمة من النيل بينما تبقى قرى كاملة بلا وصلات آمنة داخل المنازل.

 

شفافية مفقودة وفجوات صادمة بين المدن والقرى

 

خلال اللقاءات الرسمية، أكد ممثلو الحكومة للمقرر الأممي أنهم يجرون نحو 13 مليون عينة سنويًا لتحليل جودة المياه في معامل مستقلة، وأن المياه “غير ملوثة”، لكنهم في الوقت ذاته لا ينشرون النتائج للجمهور بدعوى صعوبة فهمها أو اعتبارات “الأمن القومي”، في تناقض مباشر مع مبدأ الشفافية الضروري لبناء الثقة وضمان رقابة المجتمع على خدمة تمس الصحة والحياة اليومية لملايين المواطنين.

 

تظهر التقارير الأممية والبحثية فجوات واضحة بين المدن الجديدة والقرى الفقيرة؛ إذ يشير أجودو إلى أن بعض المنازل ما زالت تفتقر لحنفيات داخلية، وأن نحو 7% من السكان لا يحصلون على مياه عبر وصلات منزلية، بينما تحصل المدن الجديدة على كميات مياه أكبر بنحو 2.5 مرة مقارنة بالقرى، ما يدفع أسرًا كثيرة للاعتماد على مصادر غير آمنة أو أجهزة تنقية مرتفعة التكلفة. وتضيف أمِنة شرف أن هذا النمط من “الوفرة في مكان والحرمان في مكان آخر” يعكس سياسة توزيع غير عادلة، حيث تُوجَّه الاستثمارات إلى مناطق ذات مردود اقتصادي أو سياسي أعلى، بينما تُترك المحافظات الفقيرة في الصعيد والدلتا في مواجهة شبكات متهالكة وتلوث وأعباء مالية متزايدة.

 

قمع النقاش العام وموعد سبتمبر: اختبار دولي لسجل السيسي المائي

 

الأخطر في تقييم المقرر الأممي ليس فقط ما سجله من أرقام وفجوات، بل تحذيره من التضييق على النقاش العام ومعاقبة من ينتقد سياسات الحكومة أو يثير قضايا التلوث، في ظل قوانين تجرّم نشر ما تصفه السلطات بـ“الشائعات”، وهو ما يهدد بحسبه بإسكات أصوات المتضررين وخبراء البيئة الذين يفترض أن يكونوا شركاء في صنع القرار لا خصومًا أمنيين.

 

في هذا السياق، يرى الدكتور خالد أبو زيد أن إدارة ملف حساس كالمياه تحتاج إلى مشاركة واسعة من المجتمع المحلي والخبراء ومنظمات المجتمع المدني، لا إلى احتكار القرار في دوائر ضيقة، لأن أي إخفاق في التخطيط أو العدالة قد يتحول إلى أزمة اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق في بلد يعتمد على مورد نهر واحد ويواجه ضغوط سد النهضة والتغير المناخي معًا. ويعزز هذا التقييم ما خلصت إليه دراسات حول “عدالة المياه” في مصر، بأن غياب المشاركة والشفافية يفتح الباب أمام الفساد وسوء الأولويات، من ترك قرى بلا شبكات محترمة إلى ضخ مياه وفيرة لمشروعات نخبوية مغلقة لا يطأها أغلب المصريين.

 

من المقرر أن يقدم بيدرو أروخو أجودو تقريره التفصيلي حول زيارته لمصر أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف خلال سبتمبر المقبل، وهو موعد يتحول إلى اختبار دولي حقيقي لسجل السيسي المائي، بين خطاب رسمي يحتفي بالمشروعات العملاقة، وشهادات أممية وبحثية تركز على الفقراء الذين ما زالوا يبحثون عن صنبور آمن وفاتورة محتملة في ظل موجات الغلاء وخصخصة متسارعة لحق أساسي يفترض أنه غير قابل للتسليع أو المساومة.