وصف التقرير السنوي للمؤتمر الدائم للمرأة العاملة، أحد برامج دار الخدمات النقابية والعمالية، واقع النساء في سوق العمل خلال 2025 بأنه “هش ومستباح”، بعد توثيق 289 حادث طريق أضرت أساسًا بعاملات التراحيل والزراعة، إلى جانب عشرات الانتهاكات الاقتصادية والجسدية، في ظل اتهامات مباشرة لوزارة العمل بالتقاعس عن الرقابة وتحويل قانون العمل الجديد إلى “حبر على ورق” لا يغيّر واقع العاملات.

 

أرقام ثقيلة: حوادث مميتة وانتهاكات متداخلة

 

التقرير المعنون “نساء في سوق العمل.. واقع هش وانتهاكات مستمرة” استند إلى شهادات 214 عاملة ونقابية في 5 محافظات هي القاهرة والإسكندرية وبورسعيد والمنيا والغربية، يعملن في قطاعات رسمية (حكومي وخاص) وغير رسمية، ورصد 289 حادث طريق أصابت بالدرجة الأولى عاملات الزراعة والتراحيل اللواتي يسافرن في سيارات غير آمنة لنقل المحاصيل والعمل في الحقول، ما جعل حوادث النقل بندًا ثابتًا في انتهاكات بيئة العمل.

 

البيانات وثقت 107 انتهاكات اقتصادية، بينها عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، وخصومات تعسفية، وحرمان من الإجازات، وعدم تسجيل العاملات في التأمينات، و102 انتهاك لبيئة عمل غير آمنة، شملت حوادث الطرق والعمل دون عقود واستغلال ساعات العمل المفرطة، و92 حالة عنف قائم على النوع الاجتماعي، من تحرش وتهديد وابتزاز وعدم مساواة في الأجر، و87 حالة إجراءات تعسفية (نقل، تخفيض أجر، حرمان من الترقية)، و56 حالة انتهاك لحقوق الأمومة والرضاعة في غياب الحضانات والضغط للعودة المبكرة من إجازات رعاية الطفل.

 

قطاع خاص وغير رسمي في صدارة الانتهاكات… وقانون بلا أنياب

 

بحسب التقرير، احتل القطاع الخاص المركز الأول في قائمة الجهات الأكثر انتهاكًا لحقوق العاملات بنسبة 27% من الحالات المرصودة، يليه القطاع غير الرسمي بنسبة 23%، بينما جاء القطاع الحكومي في المرتبة الأخيرة بنسبة 13.5%، ما يعكس تمركز الانتهاكات في مجالات العمل التي يغيب عنها التنظيم النقابي والرقابة الفعلية، ويتسع فيها هامش استغلال أصحاب الأعمال للثغرات القانونية والعمالة غير المنتظمة.

 

وفاء العشري، الباحثة في قضايا العمل والمرأة، قالت إن “القطاعات الهشة مثل الزراعة والعمل غير الرسمي والعمل المنزلي تشهد مضاعفة في حجم الانتهاكات بسبب غياب التنظيم وضعف الرقابة”، مؤكدة أن استمرار فجوات الأجور، وتهميش النساء من مواقع اتخاذ القرار، وحرمان الأمهات من حقوقهن القانونية، وانتشار التحرش والعنف، كلها مؤشرات على أن سوق العمل يعيد إنتاج التمييز بدلًا من معالجته، وأن النصوص القانونية الجديدة لم تغيّر هذا الواقع بشكل ملموس.

 

التقرير يشير إلى فجوة عميقة بين ما ينص عليه قانون العمل من حماية وبين التطبيق، إذ تستمر انتهاكات التمييز في الأجر والترقيات، والضغط على حقوق الأمومة، والتحرش والعنف داخل أماكن العمل، في ظل غياب آليات تنفيذ واضحة وسياسات مؤسسية ملزمة، ما يجعل الكثير من العاملات أمام خيارين قاسيين: الصمت خوفًا من فقدان العمل، أو الاستقالة من سوق العمل بالكامل.

 

289 حادث طريق: عاملات الزراعة بين العائد الزهيد والموت المجاني

 

أمل فرج، المنسقة العامة للمؤتمر ومديرة البرامج بدار الخدمات النقابية والعمالية، اعتبرت أن أكثر نتائج التقرير خطورة هي تلك المتعلقة بحوادث النقل والسلامة المهنية في قطاع العمل غير الرسمي، خصوصًا لعاملات الزراعة، قائلة “فيه 289 حادثة حصلت، مش بيعدي شهر من غير حادثة ماتت فيها واحدة أو اثنين غير الإصابات والعاهات المستديمة”، مؤكدة أن هذا القطاع “مش متشاف نهائي” في القانون، وأن العاملات فيه يواجهن كل أشكال الانتهاكات بلا حماية.

 

تستعيد فرج حادث الطريق الإقليمي بالمنوفية في يوليو 2025، حين أودى حادث تصادم بحياة 18 فتاة من العاملات الزراعيات وسائق الميكروباص، أثناء عودتهن من إحدى المزارع، كرمز صارخ للمأساة، إذ كانت الفتيات يعملن كعاملات يوميات في قطف العنب بأجر يومي متدنٍ (حوالي 130 جنيهًا للفرد)، بدون أي تأمين أو نقل آمن، في سيارة حُشر فيها أكثر من 20 فتاة، ما جعل الحادث “صرخة في وجه ظاهرة عمالة النساء القاصرات تحت ستار الحاجة والفقر”.

 

وتوضح فرج أن النمط يتكرر: بعد كل حادثة، تخرج وزارة التضامن الاجتماعي لإعلان تعويضات للوفيات والمصابين، ثم ينتهي الملف، بينما لا تصدر عن وزارة العمل خطوات لإدخال العاملات غير الرسميات تحت مظلة القانون، ولا تُذكر أسماء أصحاب المزارع التي تشغّل النساء في ظروف غير آمنة، ما يجعل الثمن يدفع من دم العاملات فقط، دون مساءلة حقيقية لأصحاب الأعمال أو للجهات الرقابية المقصرة.

 

عنف قائم على النوع وحقوق أمومة منتهكة… بلا آليات إبلاغ آمنة

 

في محور العنف القائم على النوع الاجتماعي، وثق التقرير 92 حالة شملت التحرش اللفظي والجسدي، والتهديد أو الابتزاز مقابل الحفاظ على الوظيفة، وعدم المساواة في الأجور، مع شهادات عن غياب آليات آمنة للإبلاغ داخل المؤسسات، وافتقار بيئات العمل إلى سياسات واضحة لمناهضة العنف، ما يدفع كثيرًا من العاملات للصمت خشية الانتقام أو الفصل، ويجعل العنف “جزءًا من طبيعة العمل” في أعين البعض، لا جريمة تستوجب المحاسبة.

 

فيما يتعلق بحقوق الأمومة والرضاعة، سجّل التقرير 56 حالة انتهاك، بينها الضغط على العاملات للعودة مبكرًا من إجازات رعاية الطفل، والتهديد بالخصم أو النقل عند المطالبة بالحقوق، وعدم توفير حضانات في أماكن العمل أو تشغيلها بمعايير ضعيفة، إضافة إلى تعذر الاستفادة من ساعة الرضاعة بسبب بُعد أماكن العمل عن مواقع وجود الأطفال، ما يحوّل حقوق الأمومة النظرية إلى عبء عملي على العاملات، بدلًا من أن تكون حماية لهن ولأطفالهن.

 

خبيرة النوع الاجتماعي سالمة لطفي (من بين من علّقوا على التقرير في تغطيات صحفية) ترى أن استمرار هذه الانتهاكات، رغم وجود نصوص قانونية، يرجع إلى غياب الإرادة المؤسسية لصياغة سياسات ملزمة داخل أماكن العمل، وإلى ضعف النقابات أو غيابها في القطاعات التي تتركز فيها النساء، بما يحرمهن من أداة تفاوض جماعي يمكن أن تضغط على أصحاب العمل لتغيير الممارسات على الأرض، لا الاكتفاء بشعارات “تمكين المرأة” في الخطاب الرسمي.

 

بنية مختلة تحتاج إصلاحًا… لا بيانات موسمية

 

ما يكشفه تقرير المؤتمر الدائم للمرأة العاملة عن عام 2025، وفق دار الخدمات النقابية ومتابعات صحفية مستقلة، يتجاوز حدود “حوادث فردية” إلى صورة بنيوية: سوق عمل يعاني من فجوات قانونية ورقابية، وقطاعات كاملة من العاملات (خاصة في الزراعة والعمل المنزلي وغير الرسمي) تعمل خارج مظلة الحماية، في ظل قوانين لا تُطبق وآليات شكوى غائبة أو غير فعالة، ما يجعل النساء الحلقة الأضعف في مواجهة الاستغلال والعنف.

 

المؤتمر طالب بخطة وطنية تدريجية لإدماج العاملات غير الرسميات تحت مظلة القانون، وتحسين آليات الرقابة على السلامة المهنية والنقل الآمن، وتفعيل سياسات لمناهضة العنف في أماكن العمل، لكن أرقام 289 حادث طريق و92 حالة عنف و56 انتهاكًا لحقوق الأمومة و107 انتهاكًا اقتصاديًا خلال عام واحد وحدها تكفي لتؤكد أن الكلام عن “تمكين المرأة في سوق العمل” يظل ناقصًا ما لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة تُشعر العاملات في الحقول والمصانع والمتاجر والنقابات أن القانون يحميهن فعلاً، لا أنهن مجرد أرقام في تقارير سنوية.