تراكمت خلال سنوات رواية رسمية تتهم الإخوان بأنهم مصدر العنف والدموية في مصر، وتربط كل اضطراب أمني بخطابهم وتنظيمهم، لكن الشارع لم ينتج نسخة جنائية تقلد ما تقوله البيانات الأمنية عن “تفجير” و“اغتيال”، بينما ظهرت وقائع موثقة يقلد فيها الجناة حرفيًا مشاهد إذلال وبلطجة من مسلسلات تنتج وتبث على قنوات تسيطر عليها شركات مرتبطة بالدولة، ما يفتح سؤالًا مباشرًا عن مسؤولية عبد الفتاح السيسي وحكومته عن نموذج العنف السائد اليوم.
سنوات من شيطنة الإخوان.. وغياب “النسخة الشعبية” من رواية النظام
منذ يوليو 2013، روّجت السلطة خطابًا ثابتًا يعتبر الإخوان أصل كل عنف سياسي وأمني، وربطت بينهم وبين مشاهد حرق وأحداث رابعة والنهضة ومحاكمات ومطاردات، وقدمت عشرات الأعمال الدرامية والوثائقية التي تعيد إنتاج هذه الرواية من زاوية واحدة، وتُظهر “المقاتل العقائدي” كتهديد دائم للدولة والمجتمع، لكن الملاحَظ في الواقع أن الجرائم الجنائية العشوائية التي تملأ الأخبار اليومية لا تحمل بصمة “تفجير محكمة” أو “اغتيال مسؤول” أو اشتباكات منظمة كما تصورها التقارير الأمنية، بل تتخذ شكل بلطجة محلية، وسحل، وتصوير مقاطع إذلال ونشرها على وسائل التواصل، وهو نمط أقرب بكثير إلى ما تعرضه الدراما التجارية من صور “الجدعنة المسلحة” واستعراض القوة في الحارة، منه إلى خطاب تنظيمي مؤدلج.
“بدلة الرقص” في ميت عاصم.. مشهد إذلال يخرج من الشاشة إلى الشارع
حادثة إجبار شاب في ميت عاصم قرب بنها على ارتداء بدلة رقص نسائية وسحله وتصويره في الشارع قُدمت في تغطيات متعددة باعتبارها جريمة “على طريقة محمد رمضان” أو “على غرار مسلسلات البلطجة”، مع استدعاء مباشر لمشهد الإهانة الشهير في مسلسل “الأسطورة” حيث يُجرّ شخص في الحارة بقميص نوم، وجرى توصيف ما حدث باعتباره “مشاهد درامية تتحقق واقعيًا” وليست استلهامًا لخطاب تنظيمي أو سياسي، وهذا الربط الشعبي بين الجريمة والدراما مؤشر مهم؛ فالمتفرجون أنفسهم يقرؤون الفعل بوصفه تقليدًا لسردية فنية تُمجّد البلطجي وتعتبر الإذلال على الملأ معيار “رجولة”، لا بوصفه ترجمة مباشرة لخطاب عن “الجهاد” أو “الشرعية”، ما يضع صناعة الدراما تحت عدسة المساءلة قبل غيرها.
خبراء اجتماع ونفس: الدراما ترفع البلطجي إلى مرتبة القدوة
تحذيرات الخبراء حول أثر هذه الأعمال ليست جديدة، فقد وصفت الدكتورة هدى زكريا، أستاذ علم الاجتماع السياسي، مسلسل “الأسطورة” بأنه نموذج يجعل البلطجي “المثل الأعلى والبطل الشعبي والقدوة للأجيال المقبلة”، وحذرت من أن سوء استخدام اللغة والصور في هذه المسلسلات يقود إلى “انهيار أخلاقي” وتحويل رسالة المجتمع من “من جدّ وجد” إلى “من أجرم وجد”، مع تأكيدها أن الشباب يقلدون بطل العمل في طريقة الكلام والملابس وتسريحة الشعر وحمل السلاح الأبيض والناري وحل الخلافات بالعنف بدل القانون.
وفي المقال نفسه، قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن تكثيف عرض مسلسلات مثل “الأسطورة” يساعد على صعود “جيل مريض نفسيًا”، واتهمت غياب الرقابة على المصنفات بـ“الخيانة للأسرة والأطفال والمرأة”، مؤكدة أن الفن إما يرفع قيمة الدولة أو يساهم في انهيارها وقيم أجيالها، وطالبت بعقد مؤتمرات رسمية لشرح الضرر الواقع على الأسرة والشباب من هذه الأعمال، ما يعني أن النقد لا يأتي من معارضين سياسيين فقط، بل من أساتذة يعملون داخل الجامعات الرسمية ويحذرون من نموذج العنف الذي تصنعه الشاشة.
أما الدكتور محمد مختار، أستاذ الطب النفسي الذي شارك في تقييم أثر “الأسطورة”، فتحدث عن “خطورة شديدة” للمسلسلات التي يقدم فيها البطل نفسه منتقمًا من المجتمع، مؤكّدًا أن جمهور الشباب بدأ بالفعل في تقليد ما يراه من حمل للمطاوي والأسلحة وتعاطي المخدرات وطرق التعامل العنيف، وربط بين انتشار السلاح والمخدرات والعنف الجسدي واللفظي بعد مواسم عرض هذه الأعمال، داعيًا لتحرك رسمي ومجتمعي للحد منها، وهذه الشهادات العلمية تذهب مباشرة إلى صلب السؤال: من يصدر نموذج العنف للشارع اليوم؟
دراما الدولة في عهد السيسي.. هيمنة أمنية وإنفاق بالمليارات بلا مراجعة
هذا الجدل لا يمكن فصله عن هيكل ملكية وإنتاج الدراما في عهد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، حيث توسعت “المتحدة للخدمات الإعلامية” منذ 2016 في الاستحواذ على قنوات وشركات إنتاج كبرى، ما أدى – بحسب صحفيين ومعارضين – إلى تركّز غير مسبوق في ملكية الإعلام والدراما وربط محتواهما بالتوجهات الرسمية للدولة، في إطار إعادة هيكلة المجال الإعلامي بعد 2013.
السيسي نفسه عاد في مارس 2025 لانتقاد دراما رمضان قائلًا إنها أصبحت “تجارة” وإن تكلفة الصناعة تصل إلى نحو 30 مليار جنيه، معربًا عن خوفه على “الذوق العام”، ومشيرًا إلى أن تأثير هذه الأعمال على المجتمع يكلّف الدولة مبالغ أكبر في مجالات أخرى، لكنه في الوقت نفسه أكد أن الدولة ساهمت وتساهم في إنتاج الدراما وأن هناك “متخصصين” من الإعلام وعلم النفس والاجتماع يفترض أنهم يضعون أهدافها.
بالتوازي، وثّقت تقارير صحفية كيف استُخدمت مسلسلات مثل “الاختيار” وغيرها لتقديم رواية واحدة لأحداث ما بعد ثورة يناير، تمجّد دور الجيش والشرطة وتشيطن خصوم النظام، مع توجيه حكومي واضح بضرورة ظهور رجال الأمن بصورة إيجابية في الأعمال الدرامية، وهو ما يعني أن السلطة لا تتعامل مع الدراما بوصفها قطاعًا تجاريًا فقط، بل كأداة سياسية في “معركة الوعي”، ما يحمّلها مسؤولية مباشرة عن فحوى الرسائل الأخرى التي تمر عبر الشاشة، بما فيها تكريس نموذج البلطجي “البطل الشعبي”.
الشارع كمرآة اتهام: نمط بلطجة يومية لا يفسره خطاب الإخوان
في الواقع اليومي، ما يتكرر في الأخبار ومقاطع “السوشيال” ليس شبابًا يقلدون “عمليات نوعية” كما تروي ملفات الإخوان في خطاب السلطة، بل بلطجة سافرة، واستعراض سلاح، وتوثيق لعمليات تجريس وإهانة على الملأ، ثم نشرها طلبًا للمجد الزائف، وتعليقات الجمهور نفسها تربط هذه الممارسات مباشرة بـ“مسلسلات محمد رمضان والعوضي وأفلام البلطجة”، باعتبارها مرجعًا بصريًا جاهزًا، بينما لا توجد دراسات أو تقارير اجتماعية تتحدث عن مراهقين يقلدون “أساليب الإخوان” كما تقدمها الدراما الدعائية، في حين توجد مقالات وأبحاث متراكمة تحذر من أثر المسلسلات العنيفة على القيم والسلوك داخل الأسرة المصرية.
الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي، تحدث أكثر من مرة عن أن معركة الوعي في مصر تمر عبر الإعلام، وأن المحتوى المقدم على الشاشات يسهم في تشكيل السلوك الجماعي، وحذر من أن ترك المجال للشائعات والرسائل غير المنضبطة يهدد استقرار المجتمعات، وهي ملاحظة يمكن مدّها بسهولة إلى حالة الدراما؛ فحين تُدار الصناعة مركزيا تحت إشراف الدولة، ثم تنتج نماذج بطولية للبلطجي وتبرر العنف كحل للخلافات، تصبح السلطة شريكًا في صناعة المشكلة لا مجرد مراقب لها.
الخلاصة أن تحميل الإخوان وحدهم مسؤولية “ثقافة العنف” في المجتمع هو كذب وافتراء وتجاهل متعمد لدور ماكينة إعلامية عملاقة نشأت وترسخت في عهد السيسي، وتسيطر على معظم ما يراه المصريون من دراما وترفيه، بينما تشير الوقائع الموثقة وآراء الخبراء إلى أن ما يُقلَّد فعلًا في الشارع هو نموذج البلطجي الدرامي، لا نموذج “الإرهابي العقائدي”، وأن استمرار النظام في توظيف الدراما سياسيًا دون مراجعة جادة لمحتواها يجعل الحديث الرسمي عن “معركة الوعي” و“حماية الذوق العام” أقرب إلى خطاب تبرؤ من المسؤولية منه إلى سياسة حقيقية لمواجهة العنف المتنامي في المجتمع.

