تكشف أزمة التعليم المدمج، الذي حل محل التعليم المفتوح، عن نهج حكومي يراه منتقدون أقرب إلى الاستهانة بحق المواطنين في تحسين أوضاعهم العلمية والمهنية، وليس مجرد خلاف تنظيمي عابر. فالطلاب يدفعون رسومًا مرتفعة، ويقضون سنوات من أعمارهم في الدراسة، ثم يكتشفون أن الشهادة التي حصلوا عليها لا تحظى باعتراف كامل من نفس الحكومة التي سمحت للجامعات بفتح هذه البرامج، فيتولد شعور واسع بأن السلطة تستنزف الجهد والمال دون ضمان مسار مهني واضح، رغم صدور أحكام قضائية تؤيد حقوقهم وتلزم الوزارات المعنية بالتنفيذ.
شهادات مهنية بلا اعتراف كامل ومسار يثير الشكوك
يرى معارضون لسياسات التعليم الحالية أن اعتماد التعليم المدمج كبديل للتعليم المفتوح، وربطه بشكل شبه حصري بالمسار المهني، يعكس تصورًا حكوميًا يعتبر هذه الفئة من الطلاب درجة ثانية مقارنة بطلاب النظامي، ويحوّل مسارًا كان يفتح بابًا للحراك الاجتماعي إلى مسار ملتبس قانونيًا ومهنيًا. ويستند هذا الانطباع إلى واقع ملموس؛ فالخريج يصطدم عند التعيين أو الترقّي أو التقدم للدراسات العليا بقرارات إدارية تعتبر شهادته أدنى من الشهادات الأكاديمية، في حين لا تتوقف الجامعات عن تحصيل المصروفات وتشجيع الإقبال على هذه البرامج، ما يكرس فجوة بين الخطاب الرسمي والنتائج العملية على مستقبل الدارسين.
تعود جذور الأزمة إلى قرار مجلس الوزراء بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات، بإضافة مادة برقم «248 مكررًا 134» تسمح لمجالس الجامعات بمنح درجات مهنية متعددة، تشمل البكالوريوس أو الليسانس المهني، والدبلوم المهني، والماجستير المهني، والدكتوراه المهنية، وذلك بناء على طلب الكليات والمعاهد. ورغم أن الصياغة تبدو في ظاهرها اتساعًا في الخيارات، إلا أن التطبيق الفعلي جعل هذه الدرجات مرتبطة بمسار مهني يتعامل معه عدد من الجهات الوظيفية والأكاديمية باعتباره أقل من المسار الأكاديمي، بما يضع خريجي التعليم المدمج في مساحة رمادية بين الاعتراف الشكلي والحرمان الفعلي من كثير من الفرص المستحقة.
منتقدون لهذه المنظومة يذهبون إلى أبعد من ذلك، إذ يعتبرون أن الإصرار على هذا المسار دون معالجة تبعاته القانونية والمهنية يضع الحكومة في موقع من يتعمد إهدار طموحات مواطنين لجؤوا لمسار مشروع ومعلن، ثم وجدوا أنفسهم أمام شهادة مقيّدة القيمة. وتتحول الأزمة، في نظرهم، من مجرد خلل تنظيمي إلى نموذج على تغليب الحسابات الإدارية والمالية على حق المواطن في اعتراف واضح بمؤهله، بحيث يبدو وكأن الدولة تدفع الناس إلى طريق مسدود، ثم تحملهم وحدهم مسؤولية النتائج.
مسار مهني إجباري وصدام مع أحكام القضاء
الدكتور عامر حسن، رئيس رابطة التعليم المفتوح، يوضح أن التعديلات الأخيرة لا تمس الوضع القانوني للطلاب القدامى أو الحاصلين على أحكام قضائية تعترف بشهاداتهم السابقة، مؤكدًا أن هذه المراكز ستظل مستقرة من الناحية القانونية. لكن حسن يشير في الوقت نفسه إلى أن الخطر الحقيقي يحيط بالطلاب الجدد في مسار التعليم المدمج، لأن ربطهم بالدرجة المهنية وحدها، وإعادة طرح البكالوريوس والليسانس المهنيين بعد أن سبق إلغاؤهما قضائيًا، يفتح بابًا واسعًا للطعن في سلامة هذا المسار مستقبلًا، ويضعهم في حالة قلق دائم حول اعتراف الدولة بشهاداتهم عند التخرج.
ويعتبر حسن أن حصر طلاب التعليم المفتوح أو المدمج في المسار المهني فقط يمثل تمييزًا بلا سند مقنع، خاصة أن الجامعات والمعاهد النظامية تتيح الجمع بين المسارين الأكاديمي والمهني لطلابها. هذا التمييز، من وجهة نظره، يتعارض مع الدستور ومع أحكام المحكمة الدستورية التي تمنع التفرقة بين الطلاب إذا تساوت الشروط، ويؤدي عمليًا إلى وضع فئة كبيرة من الدارسين في مرتبة أدنى بحكم اللوائح، لا بحكم الكفاءة أو الجهد العلمي المبذول، وهو ما يوسع فجوة عدم الثقة ويغذي الشعور بالظلم المؤسسي.
كما يهاجم حسن مقترح الدراسة 4 سنوات في المسار المهني، ثم إضافة سنة خامسة للتحويل إلى المسار الأكاديمي، معتبرًا أن هذا التصميم يحمّل الطالب كلفة زمنية ومالية إضافية دون مبرر جوهري، ما دام بإمكان الجامعات فتح المسار الأكاديمي منذ البداية لمن يستوفي الشروط. ويشدد على أن وجود شهادات مهنية في حد ذاته ليس محل اعتراض، شريطة أن تُطرح كخيار حقيقي مبني على قوة هذه البرامج في سوق العمل، لا كمسار إجباري أقل مرتبة يُدفع إليه الطالب ثم يُترك يواجه وحده أزمة الاعتراف والفرص بعد التخرج.
على الجانب القانوني، يقدم المحامي بالنقض والإدارية العليا عبدالنبى ثابت مثالًا واضحًا على تجاهل أحكام القضاء. يشرح ثابت أن الدائرة السادسة بالمحكمة الإدارية العليا أنصفت خريجي الشهادات المهنية، وقررت أحقية هؤلاء في إضافة المسمى الوظيفي إلى بطاقات الرقم القومي، إضافة إلى حقهم في الالتحاق بدرجتي الماجستير والدكتوراه. الحكم نص صراحة على قبول الطعون شكلًا وموضوعًا، وتعديل الحكم المطعون عليه ليكون بإلغاء قرار المجلس الأعلى للجامعات فيما تضمنه من استحداث شهادات الدبلوم المهني والبكالوريوس والليسانس المهني، مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية واجبة الاحترام.
ثابت يلفت إلى أن الحكم واجب النفاذ على وزارة التعليم العالي، وأن استمرار تقاعسها عن التنفيذ يمنح المتضررين حق الحصول على الصيغة التنفيذية والمضي في تطبيق الحكم بالقوة الجبرية. ويوضح أن امتناع الوزارة عن التنفيذ يفتح الباب لرفع جنحة مباشرة بعدم التنفيذ، تصل عقوبتها إلى العزل من الوظيفة والحبس لمدة 6 أشهر، مع توجيه المخاطبات الرسمية إلى محل سكن الوزير لا مقر عمله، في إشارة واضحة إلى أن عدم احترام الأحكام القضائية يضع المسؤول في مواجهة شخصية مع القانون، ويعمق صورة دولة تتعامل مع القضاء باعتباره رأيًا استشاريًا لا حكمًا ملزمًا.
تكلفة نفسية واجتماعية متصاعدة على الخريجين
الدكتورة عبير عبدالله، الخبيرة النفسية والتربوية، تحذر من أن خريجي التعليم المدمج لا يواجهون فقط عراقيل إدارية وقانونية، بل يتحملون أيضًا كلفة نفسية عميقة ترتبط بانعدام الاعتراف الكامل بمؤهلاتهم. توضح أن خريجي بعض البرامج يجدون أنفسهم أمام قيود واضحة عند محاولة استكمال الدراسات العليا، أو الحصول على توصيف وظيفي رسمي يطابق مؤهلهم، أو التقدم للتدريس في الجامعات الحكومية، ما ينتج عنه شعور بالحرمان وعدم الكفاءة، رغم أنهم أتموا برنامجًا دراسيًا معتمدًا من جامعة حكومية ودفعوا ما عليهم من تكاليف.
تشير عبير إلى أن هذا الحرمان لا يقتصر على مستوى الفرص المادية أو المهنية، بل يمتد إلى هوية الفرد الذاتية، حيث يشعر الخريج أن جهده وطموحه لم يلقايا اعترافًا قانونيًا أو اجتماعيًا واضحًا، فينعكس ذلك على تقدير الذات ويزيد من مستويات القلق المستمر بشأن المستقبل. وتضيف أن بعض الأفراد، تحت ضغط محاولة إثبات الذات، يدفعون أنفسهم إلى مستويات أداء تفوق استثنائية لتجاوز شعور داخلي بالنقص، فيتحول السعي إلى النجاح إلى عبء متواصل على الصحة النفسية والجسدية، بدل أن يكون مسارًا طبيعيًا للتطور المهني.
وترصد عبير أيضًا آثارًا اجتماعية وأسرية لهذه الأزمة، إذ قد يشعر الخريج بأنه متأخر عن أقرانه الذين التحقوا بمسارات دراسية معترف بها دون قيود، أو بأن وجوده يمثل عبئًا على أسرته التي ساهمت في تمويل دراسته، ما يخلق إحساسًا بالعزلة النفسية حتى في ظل وجود دعم أسري معلن. النتيجة، كما تصفها، هي مسار طويل مليء بالعقبات القانونية والإدارية والمعنوية، يولّد ضررًا نفسيًا مزدوجًا يجمع بين قلق دائم بشأن المستقبل وضغط مستمر لتحقيق تفوق إضافي تعويضًا عن غياب الاعتراف الرسمي.
من منظور نفسي ومجتمعي، تشدد عبير على ضرورة توفير دعم معنوي منظم لهذه الفئة، وإعادة تقييم مكانة التعليم المدمج في السياسات العامة، بما يضمن وضع قواعد واضحة للاعتراف بمؤهلات خريجيه في التعيين والترقي والدراسات العليا. وترى أن صياغة سياسات أكثر اتساقًا مع أحكام القضاء والدستور، ومع احتياجات سوق العمل، يمكن أن تخفف العبء النفسي المتراكم، وتمنح الخريجين شعورًا حقيقيًا بالقيمة والإنجاز، بدل أن يبقوا عالقين بين نظام تعليمي دفعوا تكلفته كاملة، ودولة لا تمنحهم اعترافًا كاملاً بما حصلوا عليه من شهادات.

