قبل سنوات، كانت أسر من الطبقة الوسطى تستقبل رمضان بشراء الفوانيس والياميش وتجهيز عزومات ممتدة. اليوم، نفس الأسر تدخل الشهر بحسابات مختلفة: كم يمكن تقليص الكميات؟ كم جنيه يمكن سحبه من المدخرات دون أن تنهار ميزانية البيت؟

 

رغم تراجع معدل التضخم السنوي في المدن إلى نحو 11.9% في يناير 2026، فإن الأسعار لم تعد إلى الوراء. الأجور ظلت شبه ثابتة، بينما استقرت السلع عند مستويات مرتفعة، خاصة الغذاء. النتيجة أن الطبقة الوسطى تجد نفسها كل عام مضطرة لتعديل نمط حياتها في رمضان؛ ليس ترفًا، بل دفاعًا عن القدرة على إكمال الشهر دون ديون جديدة.

 

مدخرات تُستنزَف وميزانيات على الحافة

 

في بيوت كثيرة، لم يعد السؤال: ماذا نشتري لرمضان؟ بل: من أين نغطي الفجوة بين الدخل والأسعار؟

 

الباحثة في علم الاجتماع الاقتصادي د. مروة طلعت محمد التابعي الشرقاوي تشير إلى أن شرائح واسعة من الطبقة الوسطى لم تعد تكتفي بـ«شد الحزام»، بل بدأت في تسييل مدخرات صغيرة ومتوسطة؛ حسابات توفير، ذهب خفيف، أو أموال كانت مخصصة للطوارئ والتعليم، حتى تحافظ الأسرة على الحد الأدنى من مستوى معيشي اعتادت عليه.

 

بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الأخير يؤكد أن أكثر من ثلث ميزانية الأسرة المصرية تقريبًا يذهب للطعام والشراب، بنسبة تقترب من 37.1%، أي أن أي زيادة في أسعار الغذاء تضرب مباشرة قلب الميزانية، ولا تمس فقط الكماليات. ومع مواسم مثل رمضان، ترتفع فاتورة الطعام تلقائيًا، حتى مع محاولة الترشيد.

 

الخبير الاقتصادي د. خالد الشافعي يوضح أن ما يسمى «تباطؤ التضخم» لا يعني تحسنًا في معيشة الناس؛ فالأسعار التي قفزت في السنوات الماضية لم تهبط، والأجور لم تواكب هذه القفزات. لذلك يدخل رمضان كل عام على طبقة وسطى «أفقر فعليًا» من العام السابق، حتى لو قالت الأرقام الرسمية إن التضخم في تراجع.

 

ويحذر الشافعي من الاعتماد المتكرر على المدخرات لسد العجز الشهري؛ لأن ذلك مسار ينتهي غالبًا إلى اختفاء هذه المدخرات تمامًا، ودفع جزء من الطبقة الوسطى إلى حافة الفقر، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف السكن والتعليم والنقل بالتوازي مع الغذاء.

 

على مائدة رمضان: ربات البيوت في خط الدفاع الأول

 

في التفاصيل اليومية، تتحول ربة البيت إلى «وزير مالية» و«مخطط طعام» في الوقت نفسه.

 

إسراء النجار، 34 سنة، ربة منزل من مدينة السادس من أكتوبر، تقول إن بيتها الذي كان يمتلئ بالفوانيس والياميش الجديدة، أصبح يستقبل رمضان هذا العام بخطة تقشف واضحة. الأسرة من أربعة أفراد، والاعتماد على دخل الأب فقط، ومع مصروفات المدارس لم يعد ممكنًا شراء اللحوم كما كان يحدث من قبل. تقول إسراء إنها لا تستطيع حذف اللحمة تمامًا من مائدة الإفطار مع وجود طفلين، لكنها تقلل الكمية قدر الإمكان، وتستغني عن المكسرات مرتفعة الثمن مقابل أنواع أرخص، مع تخفيض كميات الياميش إلى الحد الأدنى.

 

إسراء تضيف أن «العزومات» أصبحت محدودة، وغالبًا ما تتحول إلى لقاءات خارج البيت بنظام «الديش بارتي»، حيث يحضر كل شخص طعامه معه، في محاولة للحفاظ على البُعد الاجتماعي دون أن يتحمل بيت واحد التكلفة الكاملة. ومع ذلك تعترف بأنها تلجأ أحيانًا إلى مدخرات الأسرة لاستكمال الشهر.

 

في شبرا الخيمة، تركز صفاء عبد الشافي، 60 سنة، على عزومات أولادها وأحفادها فقط. في الأيام التي يزورونها فيها، تعد اللحوم والأسماك، لكن باقي الأيام تمر بأي طعام متاح. تقول إنها تعتمد على معاشها ومعاش زوجها الراحل، وترفض اللجوء للحوم المجمدة أو المدعمة، متمسكة باللحوم البلدي رغم تكلفتها، ما يفرض عليها ضغطًا أكبر في بنود أخرى.

 

أما حنان حسين، 56 سنة، موظفة من مدينة المنصورة، فتتبع حيلة مختلفة. تدخل الخضراوات المفرومة مع اللحوم لزيادة الكمية، فتخرج وجبة تكفي عددًا أكبر من الأشخاص، وتكون – في رأيها – أكثر فائدة صحيًّا وأقل تكلفة. حنان تعيش مع ابنتيها اللتين تقضيان معها أغلب الشهر، وتعتمد الأسرة على راتبها ومعاش زوجها ودخله الإضافي بعد المعاش. في المقابل، تضحّي تقريبًا بكل ما يتعلق بالمكسرات والحلويات الجاهزة والعزومات الكبيرة.

 

هذه القصص الثلاث تلخص نمطًا متكررًا في بيوت الطبقة الوسطى: الحفاظ على «شكل» رمضاني مقبول، مع ضغط حاد على الكميات، وتآكل صامت للمدخرات، وتوتر خفي تحمله النساء في محاولة للتوفيق بين علاقات القرابة ومتطلبات المائدة وحدود الميزانية.

 

بين حزم الحماية الاجتماعية وسوق لا يهدأ

 

الحكومة تعلن، في المقابل، عن حزم حماية اجتماعية جديدة قبل رمضان، وصرف رواتب فبراير مبكرًا، والتوسع في منافذ السلع المخفضة، ومعارض تقدم تخفيضات تتراوح بين 20 و30% على بعض السلع الأساسية، في أكثر من 7000 منفذ ومعرض.

 

لكن على أرض الواقع، تقول ربات البيوت إن هذه التخفيضات لا تغطي كل ما تحتاجه الأسرة، وإن أسعار اللحوم والدواجن والمنتجات الطازجة ما زالت مرتفعة، حتى في المواسم التي تعلن فيها الدولة عن «مبادرات تخفيف الأعباء». قسم المطاعم والفنادق سجل زيادة سنوية تتجاوز 12% في يناير 2026، ما يجعل أي إفطار خارج البيت رفاهية نادرة لكثير من الأسر.

 

الباحثة د. هبة الله مصطفى مصطفى محمد ترى أن ما يحدث هو انتقال من «الاستهلاك الطقسي» في رمضان إلى «الاستهلاك الدفاعي». الأسر لم تعد تنفق لتأكيد الاحتفال فقط، بل لتقليل الخسائر والمحافظة على الحد الأدنى من الصورة الاجتماعية. فتقلص العزومات، وتُستبدل الموائد الممتدة بعزومة أسبوعية أو شهرية، وتُعاد استخدام الزينة القديمة، وتتحول بعض الطقوس إلى رموز صغيرة بدل ممارسات واسعة.

 

أستاذ علم الاجتماع السياسي د. سعيد صادق يحذر من آثار هذا الضغط المتراكم على الطبقة الوسطى؛ فهذه الشريحة لعبت تاريخيًا دور صمام الأمان الاجتماعي، لكنها تعيش الآن حالة «ضغط صامت»؛ تحاول تمرير رمضان بالمدخرات وتقليل الكميات، لكنها لا تملك إجابة واضحة عن سؤال أبعد وأكثر قسوة: إذا كان تمرير شهر واحد يحتاج لكل هذا الجهد، فكيف سيمر العام كله؟