في مشهد يكشف الفجوة المتزايدة بين ما يُطرح تحت قبة البرلمان وما يعيشه المواطن في الشارع، أحال مجلس الشيوخ المصري عددًا من تقارير لجانه النوعية إلى الحكومة، تضم حزمة من التوصيات التي تبدو على الورق شاملة لقطاعات التعليم والصحة والزراعة. لكن عند التدقيق في التفاصيل، يظهر بوضوح أن كثيرًا من هذه التوصيات ليست سوى «مسكّنات ورقية» وديكور لمؤسسة تشريعية منزوعة الأنياب، بينما تظل الأزمات الكبرى من انهيار التعليم العام إلى تدهور المنظومة الصحية وتآكل دخل الفلاح، بلا حلول جذرية أو مساءلة حقيقية للحكومة.

 

الجلسة العامة برئاسة المستشار عصام الدين فريد شهدت استعراضًا واسعًا لاقتراحات نواب عن «حماية النشء» و«رفع كفاءة المستشفيات» و«تخفيف أعباء المزارعين»، لكن الواقع يُذكّر المصريين أن مثل هذه العبارات سمعوها عشرات المرات من قبل، وأن كثيرًا من المطالب المطروحة اليوم سبق أن نوقشت مرارًا دون أن يلمس المواطن تغييرًا حقيقيًا في قريته أو مدينته أو مدرسته أو مستشفاه.

 

تعليم تحت عين الكاميرا لا تحت عين الإصلاح: حظر «روبلوكس» وتركيب كاميرات بدل إنقاذ المدارس

 

في ملف التعليم، اختارت لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أن تضع جزءًا كبيرًا من ثقلها في معركة مع لعبة إلكترونية. النائبة ولاء هرماس تقدمت باقتراح لتقييد منصة «روبلوكس» بحجة حماية القيم الأخلاقية والتربوية للنشء من المحتوى الرقمي غير المناسب. بدل أن يكون السؤال: لماذا يهرب الأطفال إلى العالم الافتراضي؟ وكيف انهارت المدرسة الحكومية كمكان للتربية قبل التعليم؟ يتحول البرلمان إلى هيئة رقابة أخلاقية على الإنترنت، في محاولة لتصدير انشغال وهمي بـ«حماية النشء» بينما المدارس مكدسة، والمناهج متخلفة، والمعلمون مسحوقون بالرواتب الهزيلة.

 

في الاتجاه نفسه، تبنّى النائب محمد رزق اقتراحًا بإلزام كل المدارس بتركيب كاميرات مراقبة تغطي كامل أرجاء المدرسة، بذريعة تعزيز الانضباط والأمان. في بلد تعاني فيه آلاف المدارس من كثافة طلابية خانقة، وفصول متهالكة، ونقص في المعلمين، يصبح الحل السحري – في نظر مجلس الشيوخ – هو إضافة طبقة جديدة من الرقابة البصرية، وكأن المشكلة في «سلوك الطلاب» لا في انهيار بيئة التعليم نفسها.

 

وفي المقابل، يظهر وجه آخر أكثر واقعية في طلب النائب سلامة الرقيعي بإنشاء مدارس جديدة وأجنحة تعليمية، مع إحلال وتجديد منشآت تعليمية قائمة في مركز بئر العبد بشمال سيناء، حيث يدفع الأهالي ثمن الإهمال الأمني والتنموي معًا. لكن حتى هذه المطالب المشروعة تظل رهينة لحسن نية الحكومة وسرعة استجابتها، في ظل تاريخ طويل من تجاهل توصيات مشابهة في أطراف المحافظات، حيث لا كاميرات ولا «روبلوكس»، بل تلاميذ يقطعون الكيلومترات للوصول إلى أقرب مدرسة.

 

بهذا الشكل، يعكس ملف التعليم تحت قبة الشيوخ مزيجًا من الرقابة الأخلاقية والرقابة الأمنية، مع لمسة خجولة من المطالب الإنشائية بإنشاء مدارس. أما إصلاح بنية التعليم، وإعادة الاعتبار للمدرسة والمعلم والمحتوى العلمي، ووضع استراتيجية حقيقية لمواجهة التسرب الدراسي والدروس الخصوصية، فهي ملفات لا تزال خارج دائرة الفعل، حبيسة الشعارات والوعود.

 

صحة المواطن بين تقارير تُحال ومستشفيات منهارة: وعود برفع الكفاءة بلا مساءلة

 

في قطاع الصحة، أحال المجلس تقارير لجنة الصحة والسكان التي بدت – في ظاهرها – منحازة لهموم المواطن، لكنها في جوهرها إعادة تدوير لمطالب مطروحة منذ سنوات. النائبة هند جوزيف أمين شحاتة طالبت بتفعيل قرارات تطوير مستشفى القوصية المركزي في أسيوط، وهي قرارات يبدو أنها صدرت من قبل ولم تُنفذ، ما يستدعي سؤالًا أعمق: ما قيمة القرارات إن كانت تحتاج في كل مرة إلى «إعادة تفعيل» تحت قبة البرلمان؟

 

النائب باسل محمد عادل طالب برفع كفاءة مستشفى قرية الروضة بمركز فاقوس في الشرقية، وتحويلها إلى وحدة طب أسرة مطورة، مع إنشاء وحدة إسعاف وتوفير سيارة لخدمة أهالي المنطقة. هذه مطالب بديهية في دولة تحترم حق مواطنيها في الرعاية الصحية؛ أن يجدوا نقطة إسعاف قريبة، ووحدة قادرة على استقبال الحالات دون تحويلهم لساعات إلى مستشفيات بعيدة. لكن الواقع يؤكد أن عشرات القرى تشترك في نفس المأساة؛ مستشفيات بلا تجهيزات، وحدات صحية بلا أطباء، وأجهزة متعطلة لشهور وسنوات.

 

طلب النائبة زينب فهيم بتوفير جهاز رنين مغناطيسي لمستشفى فاقوس المركزي يلخّص بدقة وضع المنظومة: جهاز واحد يمكن أن يختصر معاناة مئات المرضى الذين يضطرون للسفر إلى مدن أخرى لإجراء فحص بسيط، ومع ذلك يبقى الموضوع في نطاق «التوصية» لا «الواجب». المجلس يحيل، واللجان توصي، والوزارات «تدرس»، والمرضى عالقون بين قوائم انتظار طويلة، أو فاتورة باهظة في مركز خاص يفوق طاقتهم.

 

ورغم أن هذه المطالب تبدو «إنسانية» و«منطقية»، فإنها تكشف في الوقت نفسه عجز مجلس الشيوخ عن ممارسة دوره الرقابي الحقيقي: لا استجوابات جادة لوزير الصحة عن تدهور المستشفيات الحكومية، لا لجان تقصي حقائق ميدانية تضع الجرح أمام الكاميرا، ولا ربط بين أزمة الصحة وأولويات الإنفاق العام التي تذهب إلى مشروعات استعراضية بدل دعم المستشفيات والأطباء. ما يجري أقرب إلى «إحالة شكاوى منظمة» أكثر من كونه سياسة صحية تُصاغ تحت قبة البرلمان.

 

الزراعة والأمن الغذائي: توصيات للفلاح بلا أدوات إلزام للحكومة

 

في ملف الزراعة، أحال المجلس تقرير لجنة الزراعة والري، المتضمن اقتراح النائب محسن البطران بضرورة توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي – أسمدة وتقاوي ومبيدات – بأسعار تتناسب مع قدرات المزارعين، في ظل الارتفاع الجنوني لتكاليف الزراعة وتأثيرها على الأمن الغذائي ودخل الفلاح. الكلام جميل، لكن الفلاحين سمعوا مثله كثيرًا، بينما يواجهون في الواقع منظومة تسعير مجحفة، وممارسات احتكارية، وسوقًا سوداء في الأسمدة، وتكاليف ري ونقل تتزايد مع كل ارتفاع في الوقود والطاقة.

 

توصية «تخفيف أعباء الإنتاج» تتحول في الممارسة اليومية إلى شعار بلا أنياب؛ فمجلس الشيوخ لا يملك أدوات إلزام حقيقية للحكومة، ولا آليات رقابية كاشفة على ما يجري في كواليس ملف الأسمدة والتقاوي، حيث تتداخل مصالح كبار المتعاملين مع سياسات الوزارة والبنوك. لا أحد يجيب الفلاح بوضوح: لماذا يدفع هذا السعر للشيكارة؟ ولماذا يُترك تحت رحمة التجار؟ ولماذا لا يشعر بأي حماية حقيقية من الدولة وهو الطرف الأضعف في معادلة الغذاء؟

 

اللافت أن كل هذه التوصيات – تعليمًا وصحة وزراعة – تنتهي بجملة تحفظية متكررة عن أن «فعاليتها مرهونة بسرعة استجابة الحكومة وتنفيذ ما ورد بها على أرض الواقع». وهي جملة تكاد تكون اعترافًا صريحًا بأن المجلس نفسه مجرد «واسطة رسمية» بين المواطن والحكومة، لا سلطة تشريعية ورقابية حقيقية تفرض الأولويات وتحاسب المقصّرين.

 

في المحصلة، ما جرى تحت قبة مجلس الشيوخ ليس «انفراجة تشريعية» ولا «هجومًا على أزمات الخدمات»، بل جولة جديدة من إنتاج الأوراق والتوصيات، في دولة أصبحت فيها التقارير أكثر من المدارس والمستشفيات المطوَّرة، والوعود أكثر من الأجهزة الطبية المتاحة، واللجان أكثر من سيارات الإسعاف. وبينما يستمر هذا العرض، يبقى السؤال معلّقًا: متى يتحول البرلمان من «ماكينة إحالة توصيات» إلى سلطة حقيقية تفرض على الحكومة أن تعمل… أو تذهب؟