يكتب فريق تحرير العربي الجديد في هذا التقرير عن رسالة مؤلمة خرجت من خلف القضبان، خطّها طالب هندسة مصري محتجز بسبب مشاركته في تظاهرات داعمة لغزة، كاشفةً كلفة إنسانية ونفسية واجتماعية باهظة يدفعها عشرات الشبان في السجون.
تداول موقع العربي الجديد رسالة الطالب بعد نشرها عبر مكتب الشباب والطلاب في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، لتفتح نافذة على واقع يعيشه محتجزون عبّروا سلميًا عن موقف إنساني وسياسي ينسجم، في جوهره، مع الموقف الرسمي المصري المعلن.
حياة توقفت عند باب السجن
يروي مدثر محمد عبد الحميد، طالب الهندسة بجامعة حلوان، تفاصيل احتجازه منذ 20 أكتوبر 2023 إثر مشاركته في تظاهرات تضامنًا مع غزة. يصف كيف داهمت قوات الأمن منزله، وكيف انقلبت حياته في لحظة واحدة. يفقد حريته، ويتعطل تعليمه، ويتحوّل يومه إلى انتظار طويل داخل زنزانة بلا أفق واضح للخروج.
يبلغ مدثر 25 عامًا، ويعيش عبئًا مضاعفًا كونه الابن الوحيد لوالدين مسنين يعانيان المرض. كان يعيل أسرته ويدعمها، ثم يجد نفسه فجأة عاجزًا، محاصرًا بالجدران، تاركًا خلفه والدين يواجهان المرض والقلق معًا.
الجسد والنفس تحت وطأة الزنازين
يؤرخ مدثر رسالته يوم الأربعاء 7 يناير 2026، من سجن العاشر من رمضان. يرسم صورة قاسية لتأثير الاحتجاز على جسده ونفسيته. يكتب عن “محن الزنازين” التي تضيق الصدر، وعن جسد يشيخ قبل أوانه، فيشيب الشعر وتتجعد الملامح، ويتحوّل الشباب إلى كِبرٍ مبكر.
يصف كيف حطّم السجن مستقبله الدراسي، وكيف انتقل من شخص منتج يدعم أسرته إلى عبء ثقيل عليها، في وقت تتدهور فيه صحة والديه. يتساءل بمرارة عن سبب “العناد في نزع الحرية”، مؤكدًا أنه لم يرتكب فعلًا يجرّمه القانون.
احتجاج سلمي وعقاب متناقض
يشدد مدثر في رسالته على إيمانه بدولة القانون، ويؤكد أنه مارس حقه الدستوري في التظاهر السلمي. يوضح أن مشاركته جاءت دعمًا للقضية الفلسطينية ورفضًا للجرائم والمجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. يختم رسالته بنداء يستعيد فيه الأمل، مطالبًا باسترداد حريته والإفراج عن شباب لم يحملوا سلاحًا ولم يدعوا إلى عنف، بل رفعوا أصواتهم تضامنًا مع شعب يواجه حربًا مدمّرة.
تشير تقديرات حقوقية إلى بقاء نحو 186 شخصًا رهن الحبس الاحتياطي في قضايا مرتبطة بالتضامن مع فلسطين. تتصاعد في الأسابيع الأخيرة دعوات للإفراج عنهم، خاصة بعد صدور قوائم إفراج خلت من أسماء محتجزي التضامن مع غزة، ما أثار انتقادات واسعة في الأوساط الحقوقية.
ترجع جذور الأزمة إلى تظاهرات 20 أكتوبر 2023 التي اندلعت في ظل أزمة اقتصادية خانقة زادت التوتر بين الدولة والمجتمع. رفعت الأجهزة الأمنية درجة الاستنفار آنذاك، ومع تصاعد التعاطف الشعبي مع غزة، استهدفت حملات الاعتقال عددًا من المتظاهرين والمتعاطفين.
يرى مراقبون أن غياب رؤية سياسية واضحة لمعالجة هذا الملف أوجد حالة “انفصام”، تعلن فيها الدولة رفض الإبادة في غزة علنًا، بينما تعاقب داخليًا من يعبّر عن الرفض ذاته. يحذّر مدافعون عن حقوق الإنسان من أن هذا التناقض لا يؤذي أفرادًا مثل مدثر وحدهم، بل يسيء إلى صورة الدولة ويغذي مشاعر السخط في المجتمع.
https://www.newarab.com/news/egyptian-students-letter-captures-plight-pro-gaza-detainees

