تُسدل اليوم الأحد الستار على جولة إعادة التصويت في 27 دائرة انتخابية من المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب 2025، لكن الستار الذي يُغلق ليس على عرس ديمقراطي، بل على مشهد فاضح من العبث المنظم، تُديره حكومة الانقلاب بأدوات المال والأمن، وتُغلفه بخطاب “النزاهة” الزائف.

 

أرقام الإلغاء القضائي الصادمة، وشهادات الناخبين، ورصد الانتهاكات العلنية أمام اللجان، تكشف أن ما يجري ليس انتخابات، بل إعادة إنتاج قسرية لبرلمان مطواع، عبر شراء الأصوات وتوجيه الناخبين تحت سمع وبصر الدولة.

 

إلغاء قضائي بالجملة… وشرعية تتهاوى

 

إعادة التصويت لم تأتِ من فراغ؛ فقد ألغت المحكمة الإدارية العليا نتائج 30 دائرة أصلية من المرحلة الأولى، ليُعاد الاقتراع في 27 منها بعد حسم 3 دوائر فقط مباشرة.

 

98 مرشحاً يتنافسون على 49 مقعداً في 10 محافظات، تحت إشراف الهيئة الوطنية للانتخابات برئاسة القاضي حازم بدوي، مع وعد بإعلان النتائج النهائية في 10 يناير.

 

لكن خلف الأرقام الرسمية، تختبئ حقيقة أكثر قسوة: 68.5% من دوائر المرحلة الأولى أُلغيت بقرارات قضائية ملزمة بسبب خروقات جسيمة، على رأسها الرشاوى، وتوجيه الناخبين، وفقدان محاضر فرز.

 

هذه النسبة وحدها كافية لنسف أي ادعاء بالشرعية. فحين تُلغى غالبية الدوائر بسبب مخالفات بنيوية، لا يعود الحديث عن “أخطاء فردية”، بل عن منظومة فاسدة تُدار من أعلى، وتستفيد منها أحزاب السلطة ورجالها، بينما تُستخدم الهيئة الوطنية كواجهة إجرائية لا أكثر.

 

العمرانية والطالبية: سعر الصوت 250 جنيهاً

 

في دائرة العمرانية والطالبية، التي تشهد الانتخابات للمرة الثالثة بعد الإبطال القضائي، يتنافس أربعة مرشحين على مقعدين.

 

هنا، تُقاس السياسة بالنقد، ويُسعَّر الصوت علناً. بحسب ناخبين، وصل سعر الصوت إلى 250 جنيهاً في اليوم الأول، تُدفع 200 جنيه مباشرة، مع 100 جنيه إضافية لمن يتولى استقدام ناخبين من نقاط الحشد.

 

أمام مدرسة أحمد عرابي داخل مجمع مدارس العمرانية، رُصد توزيع الأموال النقدية بشكل علني من سماسرة حملتي محمود لملوم (حماة وطن) وجرجس لاوندي، دون خوف من محاسبة.

 

المشهد تكرر أمام مدارس أخرى: سيارات أجرة وميكروباصات تحشد النساء من نقاط تجميع محددة، وأصحاب محال يتقاضون مبالغ لتوجيه ناخبيهم.

 

الأكثر فجاجة كان في مدرسة الشهيد هشام شتا بالطالبية، حيث اصطفت طوابير مصطنعة لنساء افترشن الرصيف بلا دخول فعلي للجان، في مسرحية مكشوفة لتضخيم المشاركة.

 

هذه ليست تجاوزات؛ إنها آلية عمل ثابتة في انتخابات تُدار بالمال والحشد القسري، لا بصندوق الاقتراع.

 

بولاق الدكرور: بيانات الناخبين خارج اللجان

 

في بولاق الدكرور، حيث يتنافس حسام المندوه (مستقبل وطن) وعربي زيادة (حماة الوطن) على مقعد وحيد متبقٍ، بدا المشهد نسخة أخرى من الفوضى المنظمة.

 

ميكروباصات وتوك توك تحمل لافتات دعائية، ومقاهٍ تحولت إلى غرف عمليات لتجميع بطاقات المواطنين وتدوين بياناتهم في كشوف خارج اللجان، في انتهاك صارخ للقانون.

 

أمام مدرسة الشيخة جواهر، جلس شباب وفتيات خلف طاولات يسجلون أسماء الناخبين على بطاقات ملونة تحمل أرقاماً ورموزاً انتخابية. وعلى مسافة أمتار، تكرر المشهد ببطاقات أخرى تحمل علم مصر لصالح مرشح منافس.

 

داخل اللجان، ازدحمت الطرقات بمندوبي المرشحين، واندلعت مشادات بسبب توجيه الناخبين، بينما تُرفع لافتات دعم متبادلة بين نواب سابقين لتثبيت معادلة النفوذ.

 

الهيئة الوطنية أقرت بوجود خروقات رشاوى في الطالبية والعمرانية، لكنها اكتفت بإجراءات “تنظيمية” واستمرت العملية، في اعتراف ضمني بعجزها أو تواطؤها.

 

فحين تُدار الرقابة شكلياً، يصبح القانون ديكوراً، وتتحول الانتخابات إلى صفقة.

 

وفي النهاية فما يجري في جولة الإعادة ليس استثناءً، بل خلاصة نهج حكومة الانقلاب: شرعية تُشترى، ومؤسسات تُستعمل، وقضاء يُستدعى بعد فوات الأوان لترميم صورة منهارة.

 

انتخابات تُلغى بأحكام قضائية ثم تُعاد بالأساليب ذاتها، لا تُنتج تمثيلاً، بل تُعمّق أزمة الثقة وتُرسّخ برلماناً بلا تفويض شعبي.

 

وفي بلد يُباع فيه الصوت بـ250 جنيهاً، لا يعود السؤال: من يفوز؟ بل: إلى متى يستمر هذا العبث؟إجراءات الهيئة الأمنية والتنظيمية المشددة لم توقف عمليات الحشد المنظم أو توزيع الأموال أمام اللجان، حيث استمر السماسرة في عملهم حتى تدخل مباحث الجيزة بعد الظهيرة.

 

نظام الانقلاب يدير المسرحية

 

49 مقعداً برلمانياً تُشترى بالمال لا تُكسب بالثقة الشعبية في ظل هيمنة الحشد على صناديق الاقتراع. الهيئة الوطنية تشرف على عملية أمنية لا انتخابات ديمقراطية حقيقية.

 

نتائج 10 يناير ستعكس قوة السماسرة والحشد لا إرادة الناخبين، مما يكرس شرعية نظام الانقلاب المصطنعة عبر انتخابات تُدار بالأموال لا البرامج السياسية.

 

المحكمة الإدارية العليا أعادت 27 دائرة للتصويت لكنها لم تستطع إيقاف بورصة الأصوات التي سيطرت على الشوارع المحيطة باللجان الانتخابية في الجيزة وغيرها.