في صمتٍ ثقيل داخل ساحات الجمارك، تقف آلاف السيارات حبيسة الأسوار، لا تتحرك، لكنها تحمل داخلها قصصًا موجعة لأصحابها من ذوي الهمم.

 

قصص أناس لم يطلبوا امتيازًا، ولم يسلكوا طرقًا ملتوية، بل التزموا حرفيًا بما أقرّتها حكومة عبدالفتاح السيسي من قوانين وتشريعات، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة متهمين ضمنيًا، وكأنهم ارتكبوا جريمة لمجرد أنهم طالبوا بحقهم المشروع.

 

«هل أصبحتُ سارقًا لأنني طالبتُ بحقي؟»

 

سؤال يختصر حجم المأساة، أطلقه أحد المواطنين من ذوي الهمم بعدما توقفت سيارته داخل الجمارك، سيارة دفع ثمنها كاملًا، واستوفى كل الشروط القانونية لاستيرادها، اعتمادًا على قانون رسمي يمنح ذوي الاحتياجات الخاصة حق امتلاك سيارات مجهزة تساعدهم على الحياة والعمل والتنقل بكرامة.

 

 

قانون أُقرّ… ثم عُلّق

 

على مدار سنوات، شجّعت الدولة ذوي الهمم على الاستفادة من تشريعات واضحة تضمن لهم تسهيلات جمركية وضريبية لاستيراد سيارات مناسبة لحالتهم الصحية.

 

استجاب الآلاف، وباع بعضهم ما يملك، واستدان آخرون، وجمع كثيرون «تحويشة العمر» قرشًا فوق قرش، ثقةً في قانون صادر عن الدولة نفسها.

 

لكن هذه الثقة سرعان ما تحولت إلى صدمة قاسية، عندما صدر قرار إداري مفاجئ بوقف العمل بالقانون، دون وضع حلول انتقالية عادلة، ودون مراعاة أوضاع من التزموا بالإجراءات قبل صدور القرار. النتيجة كانت احتجاز السيارات داخل الجمارك، وتجميد أموال طائلة، وتعليق مصير آلاف الأسر في فراغ قانوني قاتل.

 

أموال مهدرة وأحلام محطمة

 

إحدى القصص تكشف حجم الفجوة بين الواقع والعدل: مواطن من ذوي الهمم اشترى سيارة بقيمة 350 ألف جنيه، بعد استيفاء كل الشروط القانونية، ليُفاجأ بعرض تعويض لا يتجاوز 1500 دولار. مبلغ هزيل لا يعكس لا قيمة السيارة، ولا حجم التضحية، ولا المعاناة اليومية التي يعيشها صاحبها.

 

  • كيف يمكن لإنسان من ذوي الاحتياجات الخاصة أن يتحمل خسارة بهذا الحجم؟
  • كيف يُطلب منه أن يدفع ثمن قرار لم يشارك في صناعته؟
  • وأين تذهب سنوات التعب والادخار، وأحلام الاستقلال والحياة الكريمة؟

 

ازدواجية المعايير… السؤال الأخطر

 

الأكثر إيلامًا، وفقًا لشهادات متضررين، أن سيارات مماثلة تخرج من الجمارك لصالح جهات سيادية، دون سداد المبالغ نفسها التي يُطالب بها ذوو الهمم، في مشهد يطرح تساؤلات قاسية حول مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون.

 

  • هذه الازدواجية لا تُشعر المتضررين بالظلم فحسب، بل تهز ثقتهم في فكرة الدولة نفسها:
  • هل أصبح الالتزام بالقانون عبئًا؟
  • وهل الثقة في التشريعات الرسمية خطأ يُعاقَب عليه المواطن الضعيف وحده؟

 

مأساة إنسانية تتجاوز السيارات

 

القضية هنا لا تتعلق بسيارات محتجزة فقط، بل بحياة كاملة تعطلت. سيارات ذوي الهمم ليست رفاهية، بل وسيلة علاج، وأداة عمل، وطريق للاندماج في المجتمع. احتجازها يعني العزلة، وفقدان فرص العمل، وتفاقم المعاناة الصحية والنفسية.

 

وراء كل سيارة محتجزة أسرة تعيش القلق يوميًا، ومستقبل غامض، وديون تتراكم، وأحلام تتلاشى. آلاف الأسر التي صدّقت وعود القانون، تجد نفسها اليوم في مواجهة واقع قاسٍ، بلا حلول واضحة، ولا جدول زمني، ولا إنصاف حقيقي.