في إعلان يرسم ملامح مرحلة جديدة من التدخل المباشر في أمريكا اللاتينية، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السبت، أن الولايات المتحدة لن تكتفي بإزاحة النظام الحالي في كاراكاس، بل ستتولى "إدارة الأمور" في فنزويلا بشكل مباشر.
وجاء هذا الإعلان عقب عملية عسكرية واسعة النطاق أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، حيث ربط ترامب نهاية هذا الدور الأمريكي بتحقيق ما وصفه بـ "انتقال آمن ومناسب ومعقول للسلطة".
تصريحات ترامب في المؤتمر الصحفي، الذي عقده للتعليق على الهجمات الأمريكية على العاصمة الفنزويلية كاراكاس، لم تترك مجالاً للغموض حول طبيعة المرحلة المقبلة.
فقد أوضح الرئيس الأمريكي أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارته تقتضي ألا تكون الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي "موضع تساؤل مرة أخرى".
ومن هذا المنطلق، وضعت واشنطن يدها على الملف الفنزويلي بالكامل، بدءاً من السيطرة العسكرية، مروراً بإدارة الموارد الاقتصادية، وصولاً إلى هندسة المشهد السياسي واختيار الحكام الجدد للبلاد، في خطوة تنهي عقوداً من حكم "التشافيزية" وتؤسس لحقبة وصاية أمريكية مباشرة.
استراتيجية "الإدارة المباشرة".. عودة شركات النفط واختيار البديل
الركيزة الأساسية لخطة ترامب في "إدارة فنزويلا" تعتمد على شقين متلازمين: الاقتصادي والسياسي. ففي الشق الاقتصادي، أعلن ترامب صراحة عن عودة "شركات النفط الأمريكية العملاقة" إلى العمل داخل الأراضي الفنزويلية.
ووفقاً للرؤية الأمريكية، فإن هذه الشركات ستضخ مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية المتهالكة لقطاع النفط، لتبدأ بعدها في "تحقيق عائدات مالية للبلاد".
ورغم الحديث عن "شراكة" ستجعل فنزويلا غنية، إلا أن ترامب أكد أن الحظر المفروض على النفط الفنزويلي سيبقى سارياً بالكامل، وأن البحرية الأمريكية ستحافظ على مواقعها لضمان تنفيذ هذه الرؤية حتى تلبية مطالب واشنطن.
أما في الشق السياسي، فقد كشف ترامب أن إدارته لا تنتظر مخرجات داخلية، بل تقوم هي بصناعة البديل.
وقال الرئيس الأمريكي بوضوح: "نقوم حالياً بتحديد هوية العديد من الأفراد وسننقل لكم هوية هؤلاء الأشخاص"، في إشارة إلى أن واشنطن هي من ستختار من سيحكم فنزويلا في المرحلة الانتقالية.
وبرر ترامب هذا التدخل بأنه "لا يمكن السماح لشخص لا يفكر بمصلحة الشعب بالسيطرة"، معتبراً أن الهدف النهائي هو تحقيق السلام والحرية، وأن "المعاناة الطويلة للشعب الفنزويلي ستنتهي" عبر هذه الإدارة الأمريكية المؤقتة.
"العزم المطلق".. عملية ليلية ومحاكمات في نيويورك
الإعلان عن إدارة فنزويلا جاء مدعوماً بقوة عسكرية ضاربة، تجسدت في عملية أطلق عليها رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين اسم "العزم المطلق".
العملية التي وصفها ترامب بأنها الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، استمرت لنحو ساعتين ونصف، وشاركت فيها 150 طائرة حربية ومروحية أمريكية.
ونفذت القوات الهجوم ليلاً استغلالاً للظروف الجوية المواتية، وبعد شهور من التدريب والتخطيط الدقيق.
وأسفرت العملية عن اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، اللذين تم نقلهما على متن سفينة متجهة إلى نيويورك، حيث يواجهان تهماً من "المنطقة الجنوبية لولاية نيويورك" بـ "الإرهاب القاتل المرتبط بالمخدرات".
وأكد القادة العسكريون، بمن فيهم وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس الأركان، نجاح العملية دون وقوع أي خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية، وعودة جميع الطائرات إلى قواعدها رغم استهداف إحداها.
وقال هيغسيث إن العملية تعكس جدية ترامب في "استعادة النفط المسروق منا واستعادة قوة الردع والنفوذ"، معلناً شعار المرحلة: "أهلاً بكم في عام 2026.. الولايات المتحدة عادت".
وأشار ترامب إلى أنه سيتم اتخاذ قرار بشأن محاكمة مادورو وزوجته إما في نيويورك أو ميامي، واصفاً خصمه بـ "الديكتاتور والإرهابي" الذي تم تحييده بسرعة رغم علمه المسبق بالهجوم.
رسائل الوعيد.. كولومبيا في دائرة الاستهداف
لم تقتصر رؤية ترامب لإدارة المنطقة على فنزويلا فحسب، بل وجه رسائل تحذير شديدة اللهجة لدول الجوار، وتحديداً كولومبيا.
فقد استغل ترامب المنبر لتوجيه اتهامات مباشرة للرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، مدعياً أنه يمتلك "مصانع تنتج الكوكايين ويشحنه إلى الولايات المتحدة".
وقال ترامب بلهجة تهديدية: "عليه أن يكون حذراً"، مما يشي بأن استراتيجية "الإدارة والتدخل" قد لا تقف عند الحدود الفنزويلية إذا ما رأت واشنطن تهديداً لمصالحها أو تدفقاً للمخدرات.
كما وجه ترامب تحذيراً للشخصيات السياسية والعسكرية المتبقية في فنزويلا، مطالباً إياهم بإدراك الدرس مما حدث لمادورو، قائلاً: "إذا لم يكونوا منصفين فسيحدث هذا لهم أيضاً".
واختتم وزير الخارجية ماركو روبيو المشهد بتأكيده أن مادورو أضاع فرصاً وعروضاً سخية للنجاة، لكنه اختار "التصرف كرجل همجي"، مما عزز القناعة الأمريكية بضرورة التدخل المباشر لفرض واقع سياسي جديد يضمن المصالح الأمريكية أولاً وأخيراً.

