تحولت شوارع المعادي، إحدى أرقى مناطق العاصمة، إلى مسرح لفاجعة إنسانية جديدة أعادت ملف الكلاب الضالة إلى الواجهة بقوة، بعد مصرع طالب بكلية الهندسة في حادث مأساوي هزّ الرأي العام، وكشف مجدداً حجم الخطر الذي بات يهدد حياة المواطنين بشكل يومي في ظل تفاقم الظاهرة وغياب المعالجة الجذرية.

 

تفاصيل الفاجعة

 

في صباح يوم اعتيادي، خرج الطالب الشاب متجهاً إلى وجهته، قبل أن يجد نفسه فجأة في مواجهة مجموعة من الكلاب الضالة التي طاردته بشراسة في أحد شوارع المعادي.

 

حاول الطالب الفرار في مشهد يائس، إلا أن الهلع سيطر عليه، فانتهت محاولته بالوقوع أسفل عجلات حافلة مدرسية كانت تمر بالمكان، ليلفظ أنفاسه الأخيرة في الحال، وسط صدمة المارة وعجزهم عن إنقاذه.

 

الحادثة الأليمة لم تكن معزولة، بل جاءت بعد أيام قليلة من واقعة محافظة بورسعيد التي شهدت مصرع مسن إثر تعرضه لهجوم عنيف من كلاب ضالة، وهو ما ضاعف من حالة الغضب والقلق الشعبي، وأعاد طرح تساؤلات ملحّة حول حدود الأمان في الشارع المصري.

 

أزمة تتفاقم وحوادث تتكرر

 

تشهد معظم محافظات الجمهورية تصاعداً ملحوظاً في أعداد الكلاب الضالة، بالتوازي مع تزايد حوادث العقر والمطاردة، سواء في الشوارع الرئيسية أو المناطق السكنية، الأمر الذي حوّل الظاهرة من مجرد إزعاج يومي إلى تهديد مباشر للأرواح.

 

ويؤكد مواطنون أن المشهد بات مألوفاً: مجموعات من الكلاب تجوب الشوارع ليلاً ونهاراً، دون رقابة أو تدخل فعّال، فيما تظل الاستجابة الرسمية مقتصرة في كثير من الأحيان على التحرك بعد وقوع الكارثة، لا قبلها.

 

خطر «السعار» يطل برأسه

 

وفي هذا السياق، حذرت الدكتورة سارة عطاالله، رئيس المركز العلمي بالنقابة العامة للأطباء البيطريين، من أن ظاهرة الكلاب الضالة لم تعد مجرد مشكلة بيئية أو خدمية، بل تحولت إلى خطر صحي جسيم يهدد السلامة العامة.

 

وأوضحت عطاالله أن «عقر الكلاب» يُعد من أخطر وسائل انتقال فيروس السعار من الحيوان إلى الإنسان، مؤكدة أن السعار مرض فيروسي قاتل بنسبة تقارب 100% بمجرد ظهور أعراضه السريرية، ما يجعل الوقاية والتدخل المبكرين مسألة حياة أو موت.

 

وشددت على ضرورة توخي الحذر الشديد في التعامل مع الكلاب الضالة، وتجنب الاحتكاك بها أو استفزازها، مع إيلاء اهتمام خاص بالأطفال، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للهجمات المفاجئة وغير المتوقعة.

 

حلول غائبة وإدارة بالأزمات

 

ورغم تكرار الحوادث المأساوية، لا تزال الحلول المطروحة حبيسة التصريحات، بحسب متخصصين ومراقبين. فالدكتورة عطاالله أكدت أن مواجهة هذه الأزمة لا يمكن أن تُدار بعقلية «رد الفعل» عقب كل حادثة، بل تحتاج إلى خطة علمية شاملة ومستدامة.

 

وتتمثل هذه الخطة في برامج تطعيم دورية للكلاب الضالة، وعمليات تعقيم للحد من التكاثر العشوائي، إلى جانب إنشاء ملاجئ إيواء خاضعة لإشراف بيطري صارم، بالتوازي مع حملات توعية مجتمعية تشرح أسس التعامل الآمن مع حيوانات الشوارع، بما يحقق معادلة صعبة تجمع بين حماية الإنسان والحفاظ على التوازن البيئي وحقوق الحيوان.

 

تساؤلات مفتوحة وغضب شعبي

 

تطرح فاجعة المعادي، وما سبقها من حوادث، سؤالاً جوهرياً: هل باتت الكلاب الضالة أزمة حقيقية تهدد أمن المواطنين وسلامتهم؟ أم أن الإهمال وغياب التخطيط هما السبب في تحويل وقائع متفرقة إلى نزيف مستمر في الأرواح؟

 

في ظل غياب حلول حاسمة من الجهات المسؤولة، يبقى الشارع المصري مفتوحاً على احتمالات مأساوية جديدة، بينما تتزايد المطالب الشعبية بتدخل عاجل، يضع حداً لفوضى الكلاب الضالة، قبل أن تتحول الشوارع إلى ساحات خوف دائم، يدفع ثمنه الأبرياء.