في محاولة مكشوفة لبيع الوهم مجددًا للشارع المصري، خرج الإعلامي مصطفى بكري ليتحدث عن برلمان قادم يواجه "تحديات كبيرة"، متجاهلًا أن هذه التحديات ما هي إلا نتاج سياسات حكومة الانقلاب التي دمرت البلاد طوال السنوات الماضية. يأتي كلام بكري في سياق مسرحية سياسية مكررة، حيث يُقدم البرلمان كحل سحري لمشاكل خلقتها السلطة نفسها، بينما الحقيقة أن هذه المؤسسة التشريعية تحولت إلى أداة طيعة لتمرير قرارات تخدم النخبة الحاكمة على حساب دماء المواطنين.

 

العرف الدستوري المزيف: استقالة الحكومة بين النظرية والممارسة

 

يتحدث بكري عن "العرف السياسي والدستوري" بتقديم الحكومة استقالتها، كأننا أمام دولة مؤسسات حقيقية وليس نظامًا عسكريًا يدير البلاد بأوامر عسكرية. فأي دستورية تلك التي تسمح ببرلمان انتخب في ظل قانون انتخابي مجحف، وتحت سيطرة أمنية مطلقة، وفي غياب أي معارضة حقيقية؟ الاستقالة المزعومة لن تغير من الواقع شيئًا، فالوجوه نفسها ستعود بألقاب مختلفة، والسياسات الفاشلة ستستمر تحت مسميات جديدة. الحكومة التي دمرت الاقتصاد وارتكبت جرائم اجتماعية بحق الفقراء لن تتغير بمجرد تبديل وزير هنا أو مسؤول هناك. ما يحدث ليس سوى مسرحية هزلية لتجديد الدماء الصورية في جسد النظام المتعفن.

 

انتخابات الصدفة: أخطاء مدبرة أم فشل ممنهج؟

 

يُقر بكري بـ"أخطاء" في الانتخابات، لكنه يلتف على الحقيقة بتسميتها "أخطاء" بدلاً من التسمية الصحيحة: تزوير ممنهج وسرقة أصوات ناخبين. فأي أخطاء تلك التي تستدعي تدخل "القيادة السياسية" و"استجابة سريعة"؟ إنها ليست أخطاء بل جرائم انتخابية موثقة بالصوت والصورة، وصلت إلى المحاكم الدولية. يتحدث عن "إرباك المشهد" وكأن المشهد لم يكن مربكًا أصلًا في بلد يحكمها العسكر، وينفق مليارات على مشاريع وهمية بينما يموت المواطنون في العنايات المركزة لعدم وجود أكسجين. البرلمان القادم لن يكون إلا نسخة مكررة من سابقه: مجموعة من "الكوتة" الأمنية ورجال الأعمال الذين يبيعون الوطن بالكيلو.

 

2026: تفاؤل مزيف على أنقاض المواطن

 

يختتم بكري حديثه بتفاؤل سياسي لعام 2026، في سياق تهويني لمعاناة المصريين. أي تفاؤل ذلك الذي يتحدث عنه بينما الأسعار ترتفع يوميًا، والجنيه يهوي إلى مستويات قياسية، والديون العامة تقترب من 400 مليار دولار؟ إنها ليست "إعادة بناء دولة" كما يزعم، بل إعادة بناء نظام استبدادي أشد وطأة من سابقه. يتحدث عن "إتاحة الفرص لأصحاب الكفاءة" بينما الكفاءات الحقيقية إما في السجون أو في المنافي، والمناصب تُمنح لأبناء العسكر وأقاربهم. الشعب المصري لم يصبر لدعم "مشروع وطني" بل صبر على بطش أمني وقمع لا يُطاق، وثمنه كان دماء الشهداء وحرية المعتقلين.

 

الحقيقة التي يجاهلها بكري هي أن مصر لن تستقر إلا بزوال هذا النظام ومحاكمة كل من تورط في جرائم ضد الإنسانية. البرلمان القادم ليس إلا فصلاً جديداً من مسرحية العبث السياسي، والتفاؤل المزعوم لن يخفي حقيقة أن البلاد تسير نحو الانهيار الشامل تحت حكم العسكر.