واصل أسعار اللحوم رحلة جنونها في مصر، لتُضاف إلى قائمة طويلة من السلع التي باتت بعيدة عن متناول المواطن البسيط، في ظل صمت حكومي مريب وتجاهل متعمد لمعاناة الملايين. فبينما تتحدث الحكومة عن "إنجازات غير مسبوقة" و"طفرة في الإنتاج الحيواني"، يحذّر نقيب الفلاحين من موجة جديدة من الارتفاعات الجنونية تزامنًا مع اقتراب شهر رمضان والأعياد، في وقت تحولت فيه اللحوم إلى سلعة "محرّمة اقتصاديًا" على غالبية الأسر المصرية.

 

القفزة المرتقبة في الأسعار ليست مفاجئة، بل هي حلقة جديدة في مسلسل التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد منذ انقلاب 2013، حيث تحولت اللحوم من غذاء أساسي على موائد المصريين إلى رفاهية لا يقدر عليها إلا القلة. والسؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى ستستمر هذه المهزلة؟ وأين دور الدولة في حماية المواطن من جشع التجار وفشل السياسات؟

 

أرقام الكارثة: اللحوم بأسعار الذهب

 

كشف حسين عبد الرحمن أبو صدام، نقيب الفلاحين، عن تفاصيل صادمة للموجة الجديدة من الارتفاعات. سعر كيلو اللحم البقري القائم سيقفز من 170 إلى 180 جنيهًا، بينما يرتفع سعر كيلو اللحم الجاموسي من 145 إلى 155 جنيهًا. أما لحم الغنم الحي فسيصل إلى نحو 200 جنيه للكيلو، وهي أسعار تفوق قدرة الأسرة المصرية التي يقل دخلها الشهري عن 5000 جنيه في كثير من الأحيان.

 

هذه الأرقام لا تعكس فقط فشل السياسات الاقتصادية، بل تكشف عن تواطؤ مقصود أو عجز فاضح في إدارة الملف الغذائي. فالحكومة التي تتحدث عن "التوسع الأفقي" و"زيادة الرقعة الزراعية" عاجزة عن توفير بروتين حيواني بأسعار معقولة لشعبها. والنتيجة: تحول اللحوم إلى سلعة موسمية يستهلكها المواطن في المناسبات فقط، إن استطاع.

 

وحسب تقديرات غير رسمية، تراجع استهلاك اللحوم الحمراء بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، ما يعني أن ملايين المصريين محرومون من حقهم الأساسي في تغذية متوازنة تحتوي على البروتين الحيواني الضروري لصحة الأطفال والكبار على حد سواء.

 

غياب السياسات: عندما يترك النظام المواطن لقمة سائغة

 

الخبير الاقتصادي هاني توفيق لا يجامل في تشخيصه للأزمة، مؤكدًا أن اللحوم لم تعد سلعة غذائية يومية للمصريين، بل تحولت إلى منتج استهلاكي موسمي. ويضيف أن الفجوة بين الدخول والأسعار اتسعت بشكل غير مسبوق نتيجة استمرار التضخم الغذائي مع ثبات الأجور، ما دفع الأسر إلى تقليص استهلاك البروتين الحيواني بشكل جذري.

 

من جانبه، يرى الخبير الزراعي الدكتور أحمد عبد المجيد أن غياب سياسات فعالة لدعم صغار المربين وضبط أسعار الأعلاف جعل السوق خاضعًا لقواعد العرض والطلب فقط، دون أي حماية حقيقية للمستهلك. ويؤكد أن أي حديث عن زيادة الإنتاج لا معنى له طالما لا ينعكس على السعر النهائي للمواطن.

 

المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الرؤية الاستراتيجية وفشل الحكومة في وضع خطة متكاملة لحماية المواطن من الاستغلال. فارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف النقل والرعاية البيطرية يضاعف من أعباء الإنتاج، لكن السؤال: أين دور الدولة في تخفيف هذه الأعباء عن المربين لضمان استقرار الأسعار؟ الإجابة: لا شيء سوى وعود فارغة وتصريحات إعلامية لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

 

وعود كاذبة وحقائق مُرّة: الفجوة بين الخطاب والواقع

 

بينما يموت المواطن جوعًا وحرمانًا، تواصل الحكومة التغني بـ"إنجازاتها الوهمية" في القطاع الزراعي والحيواني. تتحدث عن توسع غير مسبوق في الرقعة الزراعية وزيادة الإنتاج الحيواني، لكن الواقع يكذّب هذه الادعاءات. فإذا كان الإنتاج يزيد فعلاً، فلماذا ترتفع الأسعار بهذا الشكل الجنوني؟ ولماذا يعجز المواطن عن توفير لحمة واحدة لأطفاله؟

 

الحقيقة المُرّة التي يرفض النظام الاعتراف بها أن سياساته الاقتصادية الفاشلة، من التعويم المتتالي للجنيه إلى رفع أسعار الطاقة والمحروقات، انعكست مباشرة على كل مناحي الحياة، وفي القلب منها الغذاء. فحين ترتفع تكاليف الإنتاج دون أي دعم حقيقي للمنتجين أو حماية للمستهلكين، تكون النتيجة كارثية على الجميع.

 

المختصون يحذرون من أن استمرار غلاء اللحوم سيُعمّق من أزمة الغذاء ويُكرّس حرمان قطاعات واسعة من حقها في تغذية متوازنة. لكن هل تسمع الحكومة هذه التحذيرات؟ بالطبع لا. فالنظام منشغل بمشروعاته الاستعراضية وعواصمه الإدارية الجديدة، بينما يتضور شعبه جوعًا ويُحرم من أبسط حقوقه.

 

اللحوم في مصر لم تعد مجرد سلعة غذائية، بل أصبحت رمزًا لفشل نظام عجز عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة لمواطنيه. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: حتى متى سيصبر المصريون على هذا الوضع المُهين؟