أصدر المجلس الأعلى للآثار قراراً بإلغاء المساواة بين السائح العربي والمواطن المصري في رسوم زيارة المناطق الأثرية والمتاحف، اعتباراً من 1 يناير 2026، بعد 23 عاماً من توحيد الأسعار. هذا القرار يعني أن السائح العربي الذي كان يدفع نفس رسوم المصري (عادة بالجنيه المصري) سيُجبر الآن على دفع أسعار السائح الأجنبي (بالدولار)، وهي أضعاف مضاعفة. القرار يأتي في ذروة الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها نظام السيسي، والحاجة الماسة للعملة الصعبة مهما كان الثمن.

 

توحيد الأسعار بين المصريين والعرب في 2003 كان قراراً رمزياً يعكس الروابط التاريخية والحضارية والدينية بين مصر والعالم العربي. لكن نظام الانقلاب، الذي يتاجر بشعارات القومية العربية في خطاباته، لا يتردد في التضحية بهذه الرموز مقابل دولارات قليلة. القرار ليس اقتصادياً بحتاً، بل رسالة واضحة: مصر تحت حكم العسكر تنظر للعرب كمصدر للنقد الأجنبي فقط، لا كشركاء في الحضارة والمصير. هذا نفاق مفضوح من نظام يدّعي الدفاع عن القضايا العربية بينما يستغل العرب اقتصادياً.

 

23 عاماً من المساواة تُلغى بجرة قلم: العرب أجانب في عيون النظام

 

منذ عام 2003، كان السائح العربي يُعامل معاملة المواطن المصري في دخول المتاحف والمناطق الأثرية، بأسعار رمزية بالجنيه المصري. هذا القرار الذي استمر 23 عاماً كان يعكس فكرة أن العرب ليسوا "أجانب" في مصر، وأن الحضارة المصرية جزء من التراث العربي والإسلامي المشترك. الزائر السعودي أو الأردني أو السوري كان يدخل المتحف المصري أو الأهرامات بنفس سعر المصري، تأكيداً على الروابط الثقافية.

 

لكن نظام السيسي، في قمة احتياجه للدولار، قرر إلغاء هذا الامتياز بجرة قلم. السائح العربي سيُصنّف الآن كـ"أجنبي" ويدفع بالدولار أسعاراً قد تصل إلى 10 أضعاف ما كان يدفعه. هذا ليس قراراً اقتصادياً عادياً، بل إعلان صريح: العرب أجانب في عيون النظام، ولا فرق بينهم وبين السائح الأوروبي أو الآسيوي. كل ما يهم هو العملة الصعبة، أما الشعارات عن الوحدة العربية والتاريخ المشترك فهي للاستهلاك الإعلامي فقط.

 

الأنكى أن القرار يأتي في وقت تشهد فيه السياحة العربية لمصر نمواً، خاصة من دول الخليج والعراق والأردن. بدلاً من تشجيع هذه السياحة وتسهيلها، يختار النظام استغلالها بزيادات جشعة. النتيجة المتوقعة: تراجع أعداد السياح العرب الذين سيفضلون وجهات أخرى أكثر ترحيباً وأقل استغلالاً. خسارة اقتصادية على المدى البعيد مقابل مكاسب قصيرة المدى، وهذا نموذج تفكير نظام الانقلاب الفاشل.

 

نفاق الخطاب القومي: يتاجرون بفلسطين ويستغلون العرب

 

نظام السيسي لا يكف عن الحديث عن "الأمن القومي العربي" و"القضية الفلسطينية" و"الروابط الأخوية مع الأشقاء العرب". الخطاب الرسمي ممتلئ بالشعارات القومية والأخوة العربية. لكن على أرض الواقع، النظام يعامل العرب كمصدر للنقد الأجنبي يجب عصره حتى آخر قطرة. هذا نفاق مفضوح لا يخفى على أحد.

 

السائح الخليجي الذي يزور مصر يدعم الاقتصاد المصري بإنفاقه على الفنادق والمطاعم والتسوق والمواصلات، وهذا إنفاق بالدولار يفوق بكثير رسوم دخول المتاحف. لكن الجشع لا حدود له: النظام يريد استغلال كل فرصة لجني الدولارات، حتى لو كان ذلك على حساب العلاقات العربية والرمزية الثقافية.

 

الأنكى أن هذا القرار يأتي بعد عقود من الدعم الخليجي السخي لمصر، خاصة بعد انقلاب 2013. السعودية والإمارات والكويت ضخت عشرات المليارات من الدولارات لإنقاذ النظام اقتصادياً. الرد على هذا الدعم: معاملة مواطني هذه الدول كـ"أجانب" يُستغلون مالياً. هذا ليس فقط قرار اقتصادي سيئ، بل إهانة سياسية ورسالة واضحة بأن النظام لا يقدّر الدعم العربي.

 

أزمة الدولار تكشف الحقيقة: نهب منظّم لكل من يدخل مصر

 

القرار يأتي في سياق أزمة اقتصادية خانقة: الدين العام 15 تريليون جنيه، 96% من الإيرادات تذهب لفوائد الديون، الاحتياطي النقدي ضعيف، والحاجة للدولار ماسة. في هذه الظروف، يتحول كل قطاع إلى آلة لجمع العملة الصعبة بأي طريقة. السياحة، التي كان يُفترض أن تكون قطاعاً حيوياً يُدار بحكمة، تحولت إلى مصدر للنهب السريع.

 

رفع أسعار تذاكر دخول المتاحف على العرب لن يحل أزمة الاقتصاد، لكنه سيضر بصورة مصر كوجهة سياحية عربية. السائح العربي الذي كان يشعر أنه "في بيته" في مصر، سيشعر الآن أنه "أجنبي" يُستغل. هذا سيؤثر سلباً على تدفق السياحة العربية، وبالتالي على الإيرادات على المدى البعيد. لكن النظام، كعادته، يفكر في الحلول السريعة قصيرة المدى، ويتجاهل العواقب الاستراتيجية.

 

المفارقة أن مصر تملك إرثاً حضارياً هائلاً يجب أن يكون جسراً للتواصل مع العالم العربي، لا أداة لاستغلاله. الأهرامات والمعابد والمتاحف هي تراث إنساني، والعرب لهم حق تاريخي وثقافي في الوصول إليه بتسهيلات، لا بعوائق مالية. لكن نظام يبني قصوراً بمليارات الدولارات بينما يفرض ضرائب ورسوم على الفقراء، لن يتردد في استغلال حتى التراث الحضاري لجمع الدولارات.

 

قرار إلغاء المساواة بين العرب والمصريين في رسوم المتاحف بعد 23 عاماً يكشف حقيقة نظام الانقلاب: لا قيم ولا مبادئ، فقط حاجة ماسة للدولار. الخطاب القومي العربي مجرد واجهة، والحقيقة أن العرب يُعاملون كأجانب يجب استغلالهم مالياً. هذا القرار الجشع سيضر بالسياحة العربية ويعمق عزلة النظام، لكن طالما هناك دولارات قليلة تُجمع اليوم، فلا يهم ماذا يحدث غداً.