تغرق أمريكا في هاوية أخلاقية، حيث تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إسكات المعارضة ضد واحدة من أسوأ الفظائع في عصرنا.
في مشهد أقرب إلى رواية أورويلية، يُنظر إلى معارضة الإبادة الجماعية في غزة على أنها تعبير عن الكراهية والعنف، بينما يُسمح لمؤيدي العدوان الإسرائيلي بإبداء دعمهم علنًا دون قيود.

يتوسع القمع الذي طالما خنق الفلسطينيين ليشمل العالم، إذ لم يعد خط الدفاع الأول لإسرائيل هو غزة المحاصرة أو الضفة الغربية، بل امتد ليشمل واشنطن ونيويورك وبرلين ولندن، وعواصم أخرى في الغرب.
ومع تزايد الوعي بجرائم إسرائيل، يتم تصدير السلطوية التي قمعت الفلسطينيين إلى داخل الديمقراطيات الغربية، مما يقوض مبادئ الحرية والعدالة التي تدعي هذه المجتمعات أنها تأسست عليها.

من بين أولى ضحايا هذا التحول، محمود خليل، وهو خريج فلسطيني من جامعة كولومبيا، وصف نفسه بأنه "سجين سياسي" بعد اعتقاله في لويزيانا.
وأوضح خليل أن اعتقاله جاء بسبب مشاركته في احتجاجات ضد الإبادة في غزة.
تعرض للاعتقال دون مذكرة، وحُرم من الإجراءات القانونية الأساسية، مما يعكس ممارسات إسرائيل في الاعتقال الإداري ضد الفلسطينيين.

لم يكن اعتقال خليل حدثًا فرديًا، بل جزءًا من نمط أوسع، حيث تخضع المؤسسات الغربية لضغوط لحماية إسرائيل على حساب حقوق مواطنيها.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو تهديد إدارة ترامب بقطع 400 مليون دولار عن جامعة كولومبيا ما لم تتبنَّ التعريف المثير للجدل لمعاداة السامية الذي أقره التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست.
يعمد هذا التعريف إلى الخلط بين النقد المشروع لإسرائيل ومعاداة السامية، ما يجرّم معارضيها.
 

أداة لقمع المعارضة
   
لم يعد الهدف من مكافحة معاداة السامية حماية المجتمعات اليهودية من التهديدات الحقيقية، بل تُستخدم كذريعة لإسكات المعارضة السياسية لسياسات إسرائيل.
فكلما ارتفعت الأصوات المنددة بالإبادة الجماعية في غزة، ازدادت محاولات الحكومات الغربية استخدام القوانين القمعية لإسكاتها.
أدى تبني تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست إلى تقييد حرية التعبير، مما سهل معاقبة المدافعين عن حقوق الفلسطينيين.

في إسرائيل نفسها، يتجلى التناقض في مؤتمر حول معاداة السامية نظمته وزارة شؤون الشتات، والذي قاطعه زعماء يهود بارزون مثل الحاخام الأكبر في بريطانيا، إفرايم ميرفيس، ومبعوث ألمانيا لمكافحة معاداة السامية، فيليكس كلاين.
كان سبب المقاطعة هو دعوة شخصيات يمينية متطرفة معروفة بخطاباتها المعادية لليهود.
هذه المفارقة توضح كيف لم يعد تعريف معاداة السامية مرتبطًا بكراهية اليهود، بل بالموقف السياسي تجاه إسرائيل.

في الوقت الذي تُعطى فيه الشخصيات اليمينية المتطرفة منصة رغم تاريخها في معاداة اليهود، يتم تصنيف المدافعين عن حقوق الفلسطينيين -بمن فيهم اليهود- كمعادين للسامية.
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ حاول التخفيف من الضرر بعقد اجتماع منفصل للزعماء اليهود، ولكن ذلك لم يخفِ حقيقة أن إدراج الشخصيات اليمينية المتطرفة لم يكن خطأً بل استراتيجية متعمدة.
 

تحالفات مع اليمين المتطرف
   
اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا، من أمثال مارين لوبان في فرنسا وفيكتور أوربان في المجر، وجد في التظاهر بمحاربة معاداة السامية وسيلة لتعزيز تحالفاته مع إسرائيل، بينما يواصل توجيه الخطاب العنصري ضد الأقليات.
يستخدم هؤلاء القادة دعمهم لإسرائيل كغطاء لحماية أنفسهم من اتهامات العنصرية، مما يسمح لهم بتعزيز سلطتهم القمعية.

هذا النهج لا يؤثر فقط على السياسة، بل يهدد سلامة المجتمعات اليهودية نفسها. عندما تستخدم الأنظمة السلطوية مكافحة معاداة السامية كأداة للقمع، فإن ذلك يؤدي إلى تأجيج المشاعر العدائية ضد اليهود، حيث يصبحون، ظلمًا، مرتبطين بالإجراءات القمعية ضد حرية التعبير وحقوق الإنسان.

تجسد منشورات البيت الأبيض حول اعتقال محمود خليل، والتي أُرفقت بعبارة "شالوم محمود"، هذا الاتجاه الخطير، حيث يتم تصوير القمع على أنه حماية للمصالح اليهودية.
في النهاية، عندما تنقلب المشاعر العامة ضد هذه الممارسات القمعية، فإن اليهود قد يجدون أنفسهم هدفًا للوم بسبب سياسات لم يكن لهم يد فيها.
 

استعادة النضال ضد معاداة السامية
   
مع صعود اليمين المتطرف، أصبح من الضروري استعادة النضال ضد معاداة السامية من أيدي أولئك الذين يستخدمونها كأداة سياسية.
يجب أن يبقى هذا النضال قائمًا على مبادئ العدالة، وليس كذريعة للقمع السياسي.
وكما قال محمود خليل نفسه: "لطالما اعتقدت أن واجبي لا يقتصر فقط على تحرير نفسي من الظلم، بل أيضًا على تحرير مضطهدي من خوفهم وكراهيتهم."

https://www.middleeastmonitor.com/20250324-the-weaponisation-of-anti-semitism-how-a-fight-against-hate-became-a-tool-of-oppression