حذرت صحيفة “فايننشال تايمز” الأمريكية من تبعات القرارات والسياسات الاقتصادية لحكومة الانقلاب في مصر على المواطنين، مؤكدة أن مصر دولة أهم من أن تفشل، وأن مساعدتها في تخطي هذا السيناريو تتطلب ضغطا جادا من حلفاء القاهرة من المانحين ودول الخليج على قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي للوفاء بتعهداته، خاصة أن ما يقدر بنحو 60 مليون شخص باتوا يعيشون تحت خط الفقر أو فوقه بقليل ويزدادون فقرًا.

وأوضحت الصحيفة في تقرير لها، أنه منذ ما يقرب من عقد من الزمان، وعد عبدالفتاح السيسي المواطنين بإنعاش الاقتصاد وبناء دولة جديدة، لكن عندما تصادف مصر هذا العام الذكرى السنوية العاشرة لـ”30 يونيو” التي أوصلته إلى الحكم، لن يجد المصريون الكثير مما يدعوهم إلى الابتهاج.

وأضافت أنه بدلاً من ذلك، يكافح عشرات الملايين من المواطنين من أجل إيجاد طعام على موائدهم، حيث هوى سعر وقيمة الجنيه إلى أدنى مستوياته وارتفع معدل التضخم إلى أكثر من 20%، فيما يعاني القطاع الخاص من نقص في العملات الأجنبية منذ عام تقريبًا وهو بدوره يخنق الشركات ويعطل أعمالها.

ولفتت إلى أنه مثل الكثير من دول العالم، تضررت الدولة العربية بشدة من فيروس كورونا المستجد، كما تتأثر بتبعات الحرب الروسية في أوكرانيا، لكن السيسي يقع أيضًا على عاتقه اللوم بشكل مباشر، لأنه ترأس دولة تعيش بما يتجاوز إمكانياتها.

في العام الماضي، اضطرت حكومة حكومة السيسي إلى خطب ود إلى صندوق النقد الدولي للمرة الرابعة خلال 6 سنوات، وحتى قبل أن يتم تأمين هذا القرض البالغ 3 مليارات دولار في أكتوبر، كانت مصر ثاني أكبر مدين للصندوق بعد الأرجنتين، ويكمن جوهر مشاكلها في اعتماد السلطة المفرط على الأموال الساخنة التي تتدفق إلى ديونها المحلية كمصدر للعملة الأجنبية، فضلا عن التوسع المضطرد لاقتصاد الجيش.

واندلعت الأزمة مع سحب المستثمرين حوالي 20 مليار دولار من أموالهم في مصر، في الوقت الذي غزت روسيا أوكرانيا، واضطرت مصر – التي كانت تدفع أعلى سعر فائدة حقيقي في العالم لجذب تدفقات الحافظة الداخلية مع دعم الجنيه بشكل مصطنع – إلى اللجوء إلى دول الخليج من أجل الإنقاذ. 

ومنذ ذلك الحين، لجأ البنك المركزي إلى خفض قيمة الجنيه على مراحل، بدعوى تحقيق توازن العرض والطلب في سوق تداول العملات، واتفقت الحكومة مع صندوق النقد الدولي على الانتقال إلى سعر صرف مرن، مع انخفاض الجنيه بنحو الثلث مقابل الدولار منذ أكتوبر الماضي.

وترى الصحيفة أن المشكلة الأعمق هي دور الجيش في الاقتصاد، الذي يمتد من محطات البنزين إلى مصانع المكرونة، ومصانع الإسمنت، والفنادق، ووسائل النقل، وغيرها، فضلا عن الإشراف على المئات من مشاريع تطوير البنية التحتية للدولة، بما في ذلك بناء العاصمة الإدارية ومدن في الصحراء.

وتابعت: “أدت هذه الظاهرة إلى مزاحمة القطاع الخاص – القلق من التنافس مع أقوى مؤسسة حكومية – وأعاقت الاستثمار الأجنبي المباشر الذي من شأنه أن يولد فرص عمل ومصدر أكثر استدامة للعملة الصعبة، ومع ذلك، منذ أن ذهبت السلطة لأول مرة إلى صندوق النقد الدولي من أجل خطة إنقاذ بقيمة 12 مليار دولار في عام 2016، حينها لجأ الصندوق والمانحون، لسبب غير مفهوم إلى الالتفاف حول هذه القضية، بينما كبتت القاهرة النقاش الداخلي بشأن هذه الخطة”.

ونوهت الصحيفة إلى تأخر صندوق النقد في معالجة هذه المشكلة مع القرض الأخير، بينما يشير إلى التزام القاهرة بتقليل “بصمة الدولة” في الاقتصاد، بما في ذلك الشركات المملوكة للجيش، من خلال الانسحاب من القطاعات “غير الاستراتيجية” ومن خلال مبيعات الأصول، كما سيُطلب من الكيانات المملوكة للدولة تقديم حسابات مالية إلى وزارة المالية مرتين في السنة وتقديم معلومات عن أي أنشطة “شبه مالية” لتحسين الشفافية.

ولفتت إلى أن “الأمر الآن يعود إلى صندوق النقد الدولي والمانحين لاستخدام نفوذهم لضمان وفاء النظام بالتزاماته، فبعد إجراء إصلاحات طفيفة في عام 2016 لتأمين الحصول على القرض البالغ 12 مليار دولار، واصلت الحكومة توسيع دور الجيش، بينما فشلت في إجراء التغييرات الجادة التي يحتاجها الاقتصاد”.

وتابعت: “غالبًا ما يُفترض أن مصر دولة أهم وأكبر من أن تفشل، وأن المانحين أو دول الخليج سوف ينقذون القاهرة دائمًا، لكن الواقع هو أن ما يقدر بنحو 60 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر أو فوقه بقليل ويزدادون فقرًا، وأن السلطة تخذل مواطنيها بالفعل، فإذا كان حلفاء القاهرة جادين في مساعدة البلاد، فعليهم الضغط على السيسي للوفاء بتعهداته”.