تدرس حكومة الانقلاب، في الوقت الحالي، بعض الخيارات للتعامل مع إعلان إثيوبيا اكتمال الملء الثالث لسد النهضة الإثيوبي.

وقال دبلوماسي إن "المسؤولين بالخارجية المصرية قدموا توصية للجنة رئاسية، تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، معنية بدراسة أزمة السد، بشأن تنظيم مؤتمر صحافي دولي تحضره كافة وسائل الإعلام الأجنبية والمحلية، بهدف تفنيد الادعاءات الإثيوبية أولًا، وعدم ترك المجال أمام وسائل الإعلام المحسوبة على أطراف في الخارج".

إثيوبيا نجحت في إدارة الأزمة

وأوضح الدبلوماسي، أن إثيوبيا "نجحت خلال الفترة الماضية في التعامل مع الأزمة عبر إدارة دبلوماسيتها بشكل ناجح، ومخاطبة القوى الغربية المؤثرة بما يريدون سماعه، على عكس مصر، التي اكتفت بترديد نفس المصطلحات والرسائل مع كافة الجهات، من دون مراعاة لطبيعة خصوصية كل جهة على حدة".

وحسب وكالة الأنباء الإثيوبية، فقد بلغ إجمالي عملية البناء المدني للمشروع 95%، بينما بلغت الأعمال الكهربائية 61%، وإجمالي عملية بناء مشروع سد النهضة وصل الآن إلى 83.3%.

وكانت خطوة تدشين ثاني توربينات توليد الكهرباء من السد، وسط مظاهر احتفالية الخميس، تسببت ببروز انتقادات سياسية لإدارة الأزمة من جانب المسؤولين عنها.

من جانبه، انتقد أحد السياسيين المشاركين في الحوار الوطني، "إصرار المستوى السياسي على عدم طرح ملف أزمة سد النهضة للنقاش المجتمعي". واعتبر أن "من شأن تلك الخطوة رفع الضغط عن النظام السياسي حال حدوثها، ومن جهة أخرى تعزيز موقف القيادة السياسية أمام القوى الدولية".

وأضاف: "هناك شيء مريب تخشى السلطة في مصر كشفه"، معتبرًا أنه "ليس من الطبيعي ما يجري، في ظل تمسك المستوى السياسي بعدم إشراك القوى السياسية، أو المؤسسات التشريعية وعلى رأسها البرلمان، في تلك الأزمة والتعامل معها على مستوى أمني فقط".

ودعا القيادة السياسية إلى "طرح الأزمة أمام مجلس النواب طالما رفضت في وقت سابق أن يخضع ملف الأزمة للنقاش في إطار الحوار الوطني الذي دعا إليه (قائد الانقلاب) عبد الفتاح السيسي بنفسه".

تأثير حتمي لتشغيل السد على مصر

على الصعيد الفني، قال مسؤول في وزارة الري إن "الحديث عن الجوانب الفنية لم يعد ذا جدوى، وإن كان هو الأساس خلال الفترة المقبلة". وأكد أن "أي عمليات تشغيل أو إدارة للسد خلال الفترة القادمة حتمًا ستؤثر سلبًا على مصر".

وأضاف: "مصر نفذت خلال الفترة الماضية كافة الإجراءات الفنية التي من شأنها تخفيف حدة الأزمة، ولم يتبق سوى التوسع في محطات التحلية، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة".

ورغم التأثيرات السلبية على الجوانب الفنية بشأن الموارد المائية، إلا أن المسؤول أكد "خطورة التداعيات السياسية للخطوة الإثيوبية الأخيرة التي تفرض أمرًا واقعًا"، مشددًا على أن "كل خطوة تخطوها إثيوبيا للأمام تعني تراجع المفاوض المصري خطوة للخلف".

في المقابل، ذكر مسؤول إعلامي في الشركة "المتحدة"، المالكة لغالبية وسائل الإعلام المصرية، أن "تعليمات صارمة صدرت للقائمين على تلك الوسائل بكافة أنواعها، المقروءة والمسموعة والمرئية، بعدم تناول أية أخبار بشأن الخطوة الإثيوبية الجديدة".

وأضاف أن "تعليمات صدرت للقائمين على التحرير بالقنوات الفضائية والإذاعات التابعة للشركة المتحدة بالحذر بشأن تطرق أي من الضيوف في القنوات التابعة للمجموعة إلى الحديث عن ملف أزمة سد النهضة، مع التأكيد على كافة الضيوف في البرامج الحوارية التي تبث على الهواء مباشرة، بعدم الإشارة إلى الأزمة لا من قريب أو بعيد" بحسب تعبير المسؤول، وفقًا لـ"العربي الجديد".

من جانبه، قال وزير الموارد المائية والري الجديد هاني سويلم، الإثنين الماضي، في أول تصريحاته عقب توليه منصبه الوزاري، إن "المشروعات الكثيرة التي تنفذها مصر في قطاع المياه تستهدف تقليل حدة العجز، فضلًا عن الحفاظ على المياه من الهدر من خلال تبطين الترع"، مستطردًا بأن "البعض لا يدرك حجم التحدي في هذا الملف، خصوصًا أن العالم بأكمله يعاني من فقر في المياه، لا مصر وحدها".

وتجنب سويلم الحديث عن أزمة سد النهضة، وإعلان إثيوبيا إكمال المرحلة الثالثة من ملء السد، وتأثير ذلك على حصة مياه مصر، التي تعجز حكومتها عن إيجاد حل للأزمة المتفاقمة، بعد أن أكدت مرارًا أنها تهدد أمنها القومي.

وكان وزير الري السابق محمد عبد العاطي قد صرح أن بلاده تعتمد على مياه نهر النيل بنسبة 97%، مؤكدًا أن احتياجات مصر المائية تصل إلى نحو 114 مليار متر مكعب سنويًا، فيما لا تتجاوز مواردها المائية 60 مليار متر مكعب سنويًا، بعجز يصل إلى 54 مليار متر مكعب في العام.

وتلجأ مصر إلى إعادة استخدام مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي، بما يعادل نحو 34 مليار متر مكعب سنويًا، من أجل سد الفجوة بين الموارد المائية المتاحة واحتياجات الدولة الفعلية، وفق تصريحات المسؤول السابق.

اكتمال الملء الثالث لسد النهضة

وفي مشهد استعراضي كبير، أعلنت الحكومة الإثيوبية اكتمال عملية الملء الثالث لسد النهضة، بسعة 22 مليار متر مكعب، بعدما بلغ منسوب ارتفاع السد في الجانبين الأيسر والأيمن 611 مترًا، بينما ارتفع منسوب الممر 600 متر فوق سطح البحر، وفقًا للمعلومات التي أوردتها وكالة الأنباء الإثيوبية.

وفي كلمته احتفالًا بالملء الثالث، قال رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد: "سنبيع الكهرباء لدول الجوار لتحقيق تنمية مشتركة"، داعيًا كلًا من مصر والسودان لمواصلة المفاوضات.

وقال إن "إثيوبيا تبني السد لتوليد الطاقة ولتُخرج شعبها من الظلام. يجب على السودان ومصر أن يفهما أن إثيوبيا تعمل لتلبية احتياجاتها من الطاقة، وليست لديها نية لإلحاق الضرر (بهما). لقد أثبتت التعبئة أن إثيوبيا تعمل بحذر في تحقيق مشروعها، مع مراعاة تدفق المياه إلى دول المصب".

واعتبر أن النيل "هبة لإثيوبيا ومصر والسودان معًا"، داعيًا القاهرة والخرطوم إلى إيجاد أرضية مشتركة مع أديس أبابا "من خلال الحوار والتفاوض"، مشددًا على أن "أي خيار آخر لن يوقف ما بدأناه ولن يجدي نفعًا".

وجاءت الخطوة الإثيوبية بعد أيام قليلة من تصريحات السيسي، خلال لقائه أعضاء هيئة التدريس وطلبة الكلية الحربية، والتي شدد فيها على "موقف مصر الثابت بشأن ملف سد النهضة وحماية أمن مصر المائي".

وأشار إلى أن مصر تبنت مسارًا دبلوماسيًا وتفاوضيًا تجاه أزمة سد النهضة بهدف إيجاد حل، موضحًا: "نحن نتحرك في موضوع سد النهضة، ولكن بهدوء وبتفاوض، ودائمًا أقول إن الأمور لا تحل بالصوت العالي، بل بالقدرة والعمل والصبر"، متعهدًا بالحفاظ على المياه، بقوله إن "مياه مصر أمانة في رقابنا كلنا وفي رقبتي، ولن أسمح لأحد بالمساس بها".