أثار الخبير السوداني في القانون الدولي، الدكتور أحمد المفتي، مخاوف المصريين بما كتبه عبر صفحته بـ"فيسبوك"، الأحد الماضي، عن شراء مصر مياه النيل من إثيوبيا بوساطة وأموال إماراتية لمدة 20 عامًا.
الخبير السوداني كتب يقول: "هناك سيناريوهات مطروحة حاليًا للتعامل مع أزمة سد النهضة، بينها اقتراح أن تعوض المياه التي ستفقدها مصر بسبب السد، عبر شرائها من إثيوبيا بثمن قليل لفترة مؤقتة تدفعه الإمارات، وقد تمتد الفترة من 10 إلى 20 عامًا، يتم بعدها الاتفاق على أسعار جديدة".
وعلق المفتي: "بيع مياه مصر، لمصر، يعدّ تنازلا عن حقوقها المائية، إن هي وافقت عليه"، مضيفًا: "لو كانت المياه مياها داخلية لكان الاقتراح منطقيا، لكنها مياه مشتركة، وللسودان ومصر حصة منها يعترف بها القانون الدولي بالمادة (3) من اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1977".
وأكد أن "حقوق إثيوبيا المائية هي الاستخدام المنصف والمعقول، حسب القانون الدولي"، لافتا إلى أن "إعلان مبادئ سد النهضة نص على ذلك صراحة"، موضحًا أن "بيع المياه ليس استخدامًا".
يومان مرّا على حديث الخبير السوداني دون رد من الجهات الرسمية المصرية، سواء وزارة الخارجية أو الري، إلا من رد تبناه وزير الري المصري الأسبق محمد نصر علام، مشككا في تلك الرواية، مستبعدًا إقدام مصر على مثل هذا الأمر.
ومنذ العام 2010، تبني إثيوبيا سدًا على النيل الأزرق المصدر الموسمي لمياه النيل والهم لدولتي المصب مصر والسودان، اللتين حاولتا على مدار السنوات الماضية تقليل حجم الجموح الإثيوبي، ورفض أديس أبابا عقد اتفاق ملزم بشأن سنوات، وحجم ملء حوض السد، وكيفية إدارته أثناء فترات الفيضان والجفاف.
وطالما ترددت أحاديث عن بيع إثيوبيا مياه النيل الأزرق لمصر ولإسرائيل، بل وبيع مصر مياه النيل لإسرائيل التي طلبت ذلك من الرئيس الراحل أنور السادات، لكن الجانب المصري دائما ما ينفي أي أحاديث عن بيع مياه النيل، ويعلن رفضه ذلك الخيار.
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، كان قد أكد في تصريحات لفضائية "الجزيرة" القطرية، في أبريل 2021، على حق بلاده ببيع المياه الفائضة عن حاجتها، وهو التصريح الذي أحدث دويا هائلًا أدى لتراجع مفتي عن قوله.
وفي 21 يونيو 2021، أكد وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، أنه "لا يمتلك أي وثائق أو وقائع على بيع إثيوبيا المياه لإسرائيل"، مبينًا أنه لا يعتمد في المعرفة على استنتاجات، ويجب أن توجد حقائق، واصفًا ما يثار بأنه "أحلام غير واقعية، وفكرة بيع المياه غير مطروحة".
وفي فبراير الماضي، حذر كتاب بعنوان "سد النهضة.. لعبة بنوك المياه في دول حوض النيل" من رغبة إثيوبيا في تسعير المياه، مشيرًا إلى أنها وقوى إقليمية أخرى تسعى لتحويل سد النهضة ليكون أول بنك للمياه في العالم يتعامل مع المياه كسلعة تباع وتشترى.
ولفت الكتاب إلى أن هذا السيناريو جرى طرحه على استحياء في أوقات سابقة ضمن أوراق ودراسات خاصة بالبنك الدولي، موضحًا أن مياه النيل كانت وستظل مطمعًا ومسرحًا للتدخلات الدولية.
"أدوار احتيالية"
وبشأن حقيقة ما طرحه الخبير السوداني عن شراء مصر مياه النيل من إثيوبيا بدعم مالي إماراتي، لم يستبعد الخبير في الشؤون الأفريقية الدكتور مصطفى الجمال الأمر، مشيرًا في هذا الإطار لاحتمال وجود ما أسماه "أدوار احتيالية من الإمارات".
عضو مجلس إدارة مركز البحوث العربي والأفريقي، قال إن "مبدأ شراء المياه بغض النظر عن الكمية، والسعر، والدافع، خيانة لوجود الشعب المصري".
ويعتقد أن "المشكلة الحقيقية هي تردد القيادة السياسية، وخيانة قطاع من النخبة السودانية".
ويرى الخبير أنه إن صح طرح الدكتور أحمد المفتي، فإنه قد تكون مقدمة لنقل المياه لإسرائيل أيضًا، موضحًا أن "هذا اقتراح قديم، وأول من طرحه هو الرئيس أنور السادات".
وعن خطورة هذا الحل إن قبلت به مصر على مستقبل النيل، أشار الجمال إلى احتمال تقليد باقي دول الحوض لإثيوبيا، والطمع في بيع المياه لمصر، لافتًا إلى أن الأخطر من ذلك هو "أنك بهذا الحل تلغي حقك التاريخي في مياه النيل، وتسقط كل المعاهدات السابقة".
وأكد أنه كي لا نقع في أزمة مياه قاتلة، "مطلوب فورا إدارة حازمة للموقف، وتبدأ بأن تُصدر مصر إعلانًا بأنها لن تقبل استمرار الانتهاكات الإثيوبية لمدة 6 أشهر، وأنها حرة في التصرف دفاعًا عن وجود الأمة المصرية".
"تعنت إثيوبي"
وتواصل إثيوبيا قراراتها الأحادية، إذ إنها وبعد 11 يوًما من بدء الملء الثالث لسد النهضة فعليًا، منفردة، أبلغت مصر في 26 يوليو الماضي بالأمر، ما دفع القاهرة بعدها بثلاثة أيام لتسجيل اعتراضها بمجلس الأمن الدولي، ورفضها استمرار إثيوبيا تخزين مياه الفيضان بشكل أحادي.
وأكدت أن قرار إثيوبيا، يعد خرقًا لاتفاق إعلان المبادئ 2015، وانتهاكًا للاتفاقيات الدولية والبيان الرئاسي لمجلس الأمن 2021، وتوصيات القمم المصغرة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي 2020، وقواعد القانون والأعراف الدولية.
وأعلنت وزارة الري السودانية رفع حالة التأهب القصوى، متوقعة أن تسجل مناسيب النيل الأزرق ارتفاعًا كبيرًا خلال موسم الفيضان الحالي، كأحد تداعيات الملء الثالث لسد النهضة الإثيوبي.
وعن ما وصلت إليه إثيوبيا في الملء الثالث، أكد الخبير في المياه والسدود، الدكتور محمد حافظ، أنه جرى "تقفيل الشغل على الممر الأوسط استعدادا لركوب مياه البحيرة"، معلنا "وصول الممر لمنسوب 600 متر فوق سطح البحر، وتخزين قرابة 14 مليار متر مكعب"، موضحا أنه "بقي أمام سد النهضة قرابة 22.5 مليار متر مكعب".
"تغطية على الملء"
وعلى الجانب الآخر، لا يعتقد الكاتب والباحث السوداني، صالح محمد صالح، بدقة أو صحة الطرح القائل ببيع إثيوبيا المياه لمصر بدعم مالي إماراتي، مؤكدًا أن اعتقاده هذا مبني على "قياسات على المواقف الراسخة لمصر وإثيوبيا".
صالح، أوضح أن "أهم عناصر سرديات الموقف المصري اتهام إثيوبيا بالعمل على بيع المياه، من ثم التحكم في تدفقها نحو دولتي المصب عبر سد النهضة، وفي إطار استخدام المياه كسلاح للهيمنة الإقليمية".
أما بالنسبة لإثيوبيا، فأكد أنها "ظلت ترفض بشكل قاطع مثل هذا الطرح، وتقول إنها فقط تستخدم مواردها المائية لأغراض التنمية".
وأضاف: "لذا أعتقد أن هذا الطرح مجرد محاولة لمجاراة موجة الاهتمام الإعلامي بإعلان اكتمال مرحلة الملء الثالث لحوض السد؛ بهدف تحقيق (تريند) في الإعلام فحسب".
وتابع: "كما أن المبادرة الإماراتية نفسها لم تتضمن مثل هذا الطرح، حسبما جرى تسريبه من معلومات حول تفاصيلها"، وبالتالي يستبعد صالح "موافقة مصر على مثل هذا الطرح، حتى لو تم طرحه ضمن هذه المبادرة".
ولفت إلى الأكثر من ذلك، مبينًا أن "بيع المياه كطرح حالي أو توجه حقيقي يشكل سابقة خطيرة تضعف بشكل كبير المواقف التفاوضية لدولتي المصب تجاه سد النهضة الآن، وأي مشروعات مائية قد تقدم عليها إثيوبيا مستقبلًا".

