تقيم العديد من حكومات الدول العربية منها والأجنبية وسائل ترفيهية متنوعة لتنعم شعوبها بالراحة والترفيه، وتكون أغلب هذه الوسائل مجانية لا يدفع المواطن أي شيء في سبيل الانتفاع بها، خاصة وأنه يدفع الضرائب التي تفرضها الحومة عليه.
ولكن في مصر شيء آخر، فأمُّ الدنيا تعتمد منذ سنوات على مقولة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي "هتدفع يعني هتدفع"؛ فلم يعد هناك شيء بالمجان على الرغم من الحالة الاقتصادية الضعيفة، وعيش ثلث الشعب تحت خط الفقر، ومحاولة المواطنين توفير كل قرش للاستعانة به في حالة الغلاء الفاحش التي تشهدها البلاد، ناهيك عن استخدام المواصلات العامة، وتسديد مصاريف الأكل والشرب والدروس الخصوصية للأبناء حسب سنواتهم الدراسية المختلفة.
المشروع وجماعات المصالح
بدأت فكرة تطوير شاطئ نهر النيل عام 2007، حين شرعت الحكومة في عهد الدكتور أحمد نظيف في إزالة مراسي مراكب النيل الصغيرة من أمام مقر "الحزب الوطني" المهدّم حاليًا وفندق "هيلتون" في المنطقة الواقعة بين كوبري قصر النيل وكوبري 6 أكتوبر.
وأقامت وزارتا الإسكان والري ممشى في الناحية المقابلة كي تكون مرساة دائمة للمراكب ومتنزهًا للمارة على كورنيش الزمالك. ولاقت التجربة في بدايتها معارضة شديدة في ظل تشكيك أصحاب المراكب في نوايا الحكومة، ورفض أصحاب المطاعم العائمة الذين اعتبروا أن المشروع الموجه للفقراء سيزيد عددهم حول مطاعمهم، ويلحق أذى بمشاريعهم، ويسيء إليهم أمام السياح الذين يرتادون محلاتهم.
لم تستكمل الحكومة المشروع الذي كان سيمتد إلى الشمال لإعادة تركيب "كوبري أبو العلا" الحديدي تمهيدًا لتحويله إلى متحف وممشى وسط النيل، إذ عطلته جماعات المصالح، فبيعت مخلفات الكوبري الأثري إلى تجار الخردة، ثم استكملت جماعات المصالح الاستيلاء على باقي المساحات الشاغرة شرقي وغربي شاطئ نهر النيل وتفريعاته من شمال العاصمة إلى جنوبها.
وسدت المنافذ أمام الفقراء لرؤية مياه نهر النيل، بعد بناء أسوار عالية لم تزلها الأجهزة تنفيذاَ للقانون، فغالبية المخالفين أندية شاطئية تابعة للقضاة والشرطة والجيش وجهات سيادية أو سياحية، وجماعات ضغط تستطيع مواجهة القائمين على تنفيذ القانون.
وبعد ثورة 25 يناير، حاولت منظمات المجتمع المدني إعادة شواطئ النيل إلى الشعب، لكنها فشلت بسبب عدم توافر الدعم المالي، وسيطرة الدولة العميقة على أملاك الدولة. وظل المشروع حلمًا حتى ظهر كمشروع قومي للرئاسة، واستكمل باسم "ممشى أهل مصر"، بطول 4.7 كيلومترات.
بدأ التنفيذ عام 2019 عبر تطوير واجهات نهر النيل من أجل إعادة رونقه. وافتتحت المرحلة الأولى في مارس الماضي، وتمتد من كوبري إمبابة حتى كوبري 15 مايو بطول 1.8 كيلومتر وبتكلفة 585 مليون جنيه. وأقيم الممشى على مستويين، الأول عالٍ موازِ للشارع بعرض 4 أمتار ونصف متر للمشي ومسار لركوب دراجات هوائية، والثاني سفلي بعرض 6 أمتار ونصف متر على طول المسار.
وافتتحت الحكومة 62 محلًا و5 مقاه و5 مطاعم، و3 مرائب تتسع لـ180 سيارة، و3 مدرجات بطول 315 مترًا تتسع لجلوس 1240 شخصًا، إضافة إلى مسرح بمساحة 275 مترًا مربعًا يتسع لـ772 فردًا.
وزوّد المشروع بتجهيزات لتسهيل حركة ذوي الاحتياجات الخاصة، وركن سياراتهم. وظل الدخول إلى "ممشى أهل مصر" مجانيًا حتى قررت وزارة الإسكان تحديد سعر تذكرة دخول للممشى، قيمتها 20 جنيهًا للفرد الواحد، اعتبارًا من 18 يوليو الجاري.
أيضًا، يوفر "ممشى أهل مصر" مرسى للمراكب التي تنقل الزوار في رحلة نيلية تمتد 30 دقيقة بين جزيرة الزمالك ونافورة الجلاء وسط النيل، بسعر 50 جنيهًا للفرد الواحد. ويباع فنجان القهوة بـ26 جنيهًا، فيما تتراوح أسعار العصائر بين 45 و80 جنيهًا، والأطعمة الخفيفة بين 90 و130 جنيهًا.
للأغنياء فقط
وبرر طارق العشري، عضو مجلس إدارة شركة "كاونسل ماسترز" المسؤولة عن تشغيل وإدارة المرحلة الأولى للممشى، القرار بأنه "يهدف إلى جمع المال اللازم لتنفيذ اعمال الصيانة والتشجير المناسبة التي تضمن الحفاظ عليه، ومعالجة سوء استخدام المواطنين الممشى، والعبث في الأعمال الفنية التي يتضمنها".
من جهته، أكد الدكتور إبراهيم عبد الخالق إبراهيم، مساعد وزير الإسكان، أن الممشى ليس مشروعًا استثماريًا، بل اجتماعي. أما المهندس عمرو خطاب، عضو المكتب الفني لوزير الإسكان، فأوضح أن الرسوم ستطبق على الجزء السفلي الملاصق لشاطئ نهر النيل، والذي يضم موقفًا للسيارات ومطاعم ومحلات، بينما سيفتح الجزء العلوي مجانًا للعامة.
وبرر قرار فرض الرسوم "بحصول تجاوزت في الممشى وأعمال تخريب شملت تكسير مقاعد وأعمال فنية". وأكد أن تكلفة التخريب بلغت 8 ملايين جنيه، ما يحتم جمع المال لتسديد فواتير الصيانة والنظافة. وزعم أن تكلفة الممشى تقدر بنحو مليار جنيه، ما يخالف التقديرات الحكومية السابقة التي حددت المبلغ بـ585 مليون جنيه.
وأثار قرار الحكومة سخط المواطنين. وتصدر خلال الأيام الماضية وسم "ممشى أهل مصر" مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر الناس عن استيائهم من حرمان عامة الشعب من التمتع بنهر النيل، بخلاف ما يحصل لشعوب أخرى.
ولم يخلُ النقاش على مواقع التواصل من السخرية، في بلد يعاني من تزايد معدلات الفقر، وزيادة الهوة الاجتماعية بين الطبقات، ولا يجد فيه المواطنون فرصة للخروج من ديارهم لاستنشاق الهواء على نهر النيل الذي يمتد نحو 1000 كيلومتر، وشواطئ البحار التي تغطي مساحة 2300 كيلومتر، من دون أن يدفعوا رسومًا للدولة أو للأندية والشركات التي تسيطر عليها. وأوضحت زوجة الموظف شريف أن ما يزعجها ليس قيمة التذكرة لدخول الممشى، بل تكرار المسؤولين أن كورنيش النيل للجميع والتنزه عليه حق للمصريين، بينما يؤكد الواقع أنه للأغنياء فقط.
وأبدى أبو رهف الغزاوي: الذي جاء من محافظة الشرقية للتنزه في العاصمة اعتراضه على الرسوم، وقال: "لم أتخيل أن اسم ممشى أهل مصر مجرد شعار، وأن هناك من سيحرم الناس من التمتع به، رغم أن المال الذي أنفقته الحكومة هو للشعب الغلبان".
ويخشى أصحاب المطاعم داخل الممشى أن يقل عدد الزوار في الفترة المقبلة بعد فرض الرسوم. ورأى صاحب مقهى أن "الرسوم المرتفعة ستدفع الناس، في أحسن الأحوال، إلى السير على الممشى أو الجلوس على المقاعد المجانية التي تطل على النيل لتوفير النفقات التي لا تتحملها، فئات تبحث في الأصل عن نزهات مجانية".
واعترض عدد من النواب على زيادة الرسوم في بيانات نشروها على صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنّ أي إجراء رسمي لم يتخذ في البرلمان لمحاسبة الحكومة عن تراجعها عن التزامها بتوفير سير مجاني للمواطنين في الممشى.

