رصد تقرير لوكالة "بلومبرج" الأمريكية تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على الأسواق الناشئة من بينها مصر، وقال إن تلك الدول مُقبلة على سلسلة تاريخية من التعثر في سداد ديونها.

وأشار التقرير إلى أن سريلانكا – أول دولة تعلق سداد المدفوعات المستحقة لحاملي سنداتها الأجنبية- ليست الأخيرة والسلفادور وغانا ومصر وتونس وباكستان ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة للتخلف عن السداد في الوقت الحالي.

وقدر التقرير تلك الديون المتعثرة بـ 250 مليار دولار ومن شأنها إقحام العالم النامي في سلسلة تاريخية من التخلف عن السداد على غرار سريلانكا وروسيا في ظل ارتفاع تكلفة تأمين ديون الأسواق الناشئة من خطر عدم السداد، إلى أعلى مستوياتها منذ الحرب الروسية الأوكرانية.

لدى مصر التزامات خارجية، وفق بيانات جمعتها بلومبرغ، بنحو 4 مليارات دولار من الديون الخارجية المستحقة في نوفمبر 2022، و3 مليارات دولار أخرى مستحقة في فبراير 2023، ما يضع البنك المركزي تحت ضغط توفير الدولار بشكل ملح.

وقفز إجمالي الدين الخارجي لمصر إلى 145.529 مليار دولار بنهاية ديسمبر الماضي، مقابل 137.420 مليار دولار نهاية سبتمبر بارتفاع قدره 8.1 مليارات دولار، وسط توقعات بارتفاع هذا الرقم كثيرًا عند إعلان إجمالي الديون.

وبحسب الوكالة الأمريكية ارتفع عدد الأسواق الناشئة ذات الديون السيادية المتداولة عند مستويات متعثرة بأكثر من الضعف في الأشهر الستة الماضية، حيث يعتقد المستثمرون الأجانب أن التخلف عن السداد احتمال حقيقي.

ويصف التقرير دولا من بينها مصر وغانا – المثقلة بالديون- بأنها ضمن الدول النامية الأكثر ضعفًا، ومعرضة لنوبات اضطرابات سياسية مرتبطة بارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، ما يلقي بظلاله على مدفوعات السندات المرتقبة.

أزمة ديون تدق الأبواب

حذر الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم نوار من "أزمة ديون كبيرة في الأسواق الناشئة تدق الأبواب، وانفراط عقد الدول المثقلة بالديون بعد تخلف سريلانكا عن السداد وهروب رؤوس الأموال"، مشيرًا إلى أن "مصر تشهد مثلها مثل الدول النامية موجة نزوح كبيرة للأموال الساخنة".

واعتبر أن "سياسة الحكومة الاقتصادية القائمة على الاقتراض وجذب أموال المستثمرين الأجانب في الأذون والسندات المصرية هي المسؤول الرئيس عن وصولها إلى تلك المرحلة الصعبة، وأصبحت مصر تصنف من بين الدول الخمس الأولى في العالم التي قد تواجه تعثرًا في سداد فوائد وأقساط الديون المستحقة عليها".

وأوضح: "بعد سريلانكا، حسب تقديرات بلومبرغ، تأتي السلفادور وغانا ومصر وتونس وباكستان على قائمة الدول الناشئة المعرضة لخطر التعثر عن السداد، كما أن أزمة الديون الخارجية تأتي في ظروف صعبة جدًا على المستوى العالمي وسط أزمات الغذاء والطاقة، وتعاظم الركود".

ضربات اقتصادية موجعة

وهبط صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك المحلية إلى سالب 305.1 مليارات جنيه في مايو الماضي للشهر الثامن على التوالي بحسب ما أظهرت بيانات البنك المركزي.

وتعرضت السندات السيادية الدولارية لحكومة الانقلاب لصدمة جديدة بعد ارتفاع مؤشر الدولار في الأسابيع القليلة الماضية نتيجة ارتفاع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، وتراجعت السندات المصرية ذات الآجال الأطول بما يصل إلى 1.3 سنت في الدولار لتسجل مستوى قياسيًا جديدًا، وفقًا لبيانات تريد ويب.

وواصل الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي تراجعه، وهبط إلى 33.3 مليار دولار في نهاية شهر يونيو 2022، متراجعا بنحو 18.5% على مدار الأشهر الستة الأولى من العام الحالي مقارنة بمستواه البالغ 40.93 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2021، على خلفية سداد مدفوعات ومستحقات والتزامات بالدولار.

وفي وقت سابق كشف وزير المالية المصري، محمد معيط، عن حجم الأموال الساخنة التي غادرت البلاد على مدار أربع سنوات، مشيرا إلى أن 55 مليار دولار خرجت من مصر منذ 2018 في ثلاث أزمات؛ كانت الأولى أثناء أزمة الأسواق الناشئة في 2018، والثانية في 2020 أثناء جائحة كورونا، والثالثة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.

شبح التعثر يلاحق مصر

بدوره، قال مستشار التمويل والاستثمار الدولي، الدكتور علاء السيد: "منذ قيام مؤسسة موديز الأمريكية بتعديل نظرتها المستقبلية لمصر من مستقرة إلى سلبية وإبقاء تصنيفها عند B2 (وهو تصنيف منخفض لقدرة مصر على سداد الديون) والأخبار السلبية عن الاقتصاد تتوالى، سواء بتراجع الاحتياطي أو هبوط صافي الأصول الأجنبية لمستوى قياسي، وتعرض السندات الدولارية السيادية للبلاد لموجة انخفاض كبيرة".

وأوضح "رغم أن النظام مدعوم بقوة من قبل جهات إقليمية، لكن ذلك لم يمنع من رفع الفائدة على القروض الأجنبية والعائد على السندات وأذون الخزانة، بسبب ارتفاع درجة المخاطرة وانعدام اليقين في السداد".

وحذر الخبير الاقتصادي من أن "التخلف عن سداد الديون وأقساطها شبح يطارد الحكومة والحكومات الناشئة التي حذت حذوها، ولم يعد من طريق لتجنب الوقوع في فخ التعثر إلا بيع أكبر قدر ممكن من الأصول التابعة للدولة مع استمرار الاقتراض بأي ثمن حيث إن القروض تعد الهواء الذي يتنفسه النظام وبدونه يختنق ويفلس ويزول".

وأطلقت حكومة الانقلاب، في وقت سابق، ما أسمته وثيقة "سياسة ملكية الدولة" بغرض إعادة الثقة إلى مناخ الاستثمار المحلي وجذب المستثمرين الأجانب من خلال التخلي عن سيطرتها على بعض القطاعات الاقتصادية أو تخفيفها في البعض الآخر، عبر بيع حصصها أو أصولها أو جزء منها للمستثمرين الأجانب لتوفير سيولة أجنبية.

وتسعى الوثيقة الجديدة إلى مضاعفة حصة القطاع الخاص من نحو 30% من حجم الاقتصاد إلى أكثر من 65%، وفي هذا الصدد تعتزم عرض أصول ومشاريع بقيمة 40 مليار دولار للبيع للقطاع الخاص خلال السنوات الثلاث المقبلة.