في خطوة قد تنقذ أوروبا اقتصاديًا من تداعيات تراجع تدفقات الغاز الروسي إلى القارة العجوز بفعل الحرب الأوكرانية؛ وقع الاتحاد الأوروبي بالعاصمة المصرية القاهرة مع إسرائيل ومصر الأربعاء، مذكرة تفاهم لتصدير الغاز الطبيعي إليها مدة 3 سنوات.
وأعلنت الوزيرة الإسرائيلية عبر صفحتها بـ"تويتر"، أن الاتفاق لمدة 3 سنوات، قابلة للتجديد تلقائيا لمدة عامين.
وخلال لقاء صحفي حضره قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين، أن الاتفاق "خطوة كبيرة للأمام لتأمين الغاز لأوروبا"، واصفة الاتفاق بأنه "تاريخي".
ولكن؛ وفيما بدا أنها مكافأة أوروبية لمصر أو إعانة سريعة أو دعم عاجل لإنقاذها من أزمتها الاقتصادية والمالية، أعلنت المسؤولة الأوروبية، أن مكاسب مصر ستكون:
1 - توفير 100 مليون يورو للقاهرة لمواجهة أزمة الغذاء والأسعار، مؤكدة أن "لديهم التزاما قويًا بالشراكة مع مصر".
2 - أن تكون "مصر على رأس التحول التكنولوجي".
3 - تخصيص "3 مليارات يورو، لبرامج الزراعة والري".
4 - دعم الاتحاد الأوروبي تحول مصر إلى مقر إقليمي لتداول الطاقة.
لماذا الآن؟
تأتي الاتفاقية الثلاثية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ومصر اعتمادا على اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى مصر الموقعة 18 فبراير 2018، بين مجموعة "دلك" الإسرائيلية وشركة "دولفينوس" المصرية بقيمة 15 مليار دولار لبيع 7 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، لمدة 15 عامًا.
وهي الاتفاقية التي قال عنها قائد الانقلاب في 21 فبراير 2018، مخاطبا المصريين: "إحنا جبنا جول يا مصريين في موضوع الغاز"، مؤكدًا أن مصر وضعت قدمها لتصبح "مركزًا إقليميًا للطاقة في المنطقة".
ورغم مرور نحو 4 سنوات من ذلك الاتفاق، ومن حديث السيسي؛ إلا أنه لم يتحقق ذلك الحلم برغم اكتشاف مصر للعديد من حقول الغاز بعد ذلك التاريخ، وقبله، والتي كان أهمها حقل ظهر عام 2015، أكبر حقل مصري جرى اكتشافه بالبحر المتوسط.
وفي القاهرة تأسس "منتدى غاز شرق المتوسط"، في يناير 2019، بهدف إنشاء سوق غاز إقليمي، وتأمين العرض والطلب بين الدول الأعضاء، وهي مصر، واليونان، وقبرص، وفلسطين، والأردن، وإسرائيل، وإيطاليا، وفرنسا.
إلا أنه ومع كل ذلك لم تتحقق أية آمال مصرية لتصبح مركزا إقليميا للطاقة، بل إن اليونان وقبرص وإسرائيل وبرغم شراكتهم القوية مع السيسي، إلا أنهم استثنوا مصر من اتفاق خط أنابيب شرق المتوسط "إيست ميد" لمد أوروبا بالغاز في 30 يناير 2020.
ولكن يبدو أن الظرف الصعب الذي تعيشه أوروبا أحيا آمال القاهرة لتصبح مركزًا إقليميًا للطاقة خاصة في ظل سعي أوروبي لإنهاء ما تدعوه بـ"الابتزاز الروسي" في ملف الغاز، ورغبتها بتقليل الاعتماد 40% على غاز موسكو، وذلك في ظل احتياطيات أوروبية محدودة تبلغ 200 مليار متر مكعب.
لكن، المثير في الاتفاق الجديد، هو استبعاد فلسطين من أية شراكة فيه، برغم عضوية البلد العربي المحتل بمنتدى غاز المتوسط، وبرغم أن ما تقوم إسرائيل باستخراجه من حقلي غاز "تمار" و"ليفياثان" في شرق البحر المتوسط، هو بالأساس ملك للشعب الفلسطيني.
ويرى مراقبون، أن هناك فوائد اقتصادية وسياسية تعود على مصر، ومنها - إضافة إلى ما سبق:
5 - تشغيل محطات تسييل الغاز بكامل طاقتها
6 - تشغيل موانئها بنقل الغاز إلى أوروبا.
7 - دور إقليمي مهم تظهر به أمام أوروبا.
"شريك أم وسيط"
ووفقًا للخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، فمن الفوائد الاقتصادية التي ستعود على مصر، أن ذلك الاتفاق:
8 - سيسهم في زيادة الصادرات المصرية من الغاز ومشتقاته إلى أوروبا.
9 - سيؤدي إلى زيادة الاستثمار في إقامة محطات الإسالة بالبلاد.
وعن إمكانية أن ينعش هذا الاتفاق الموانئ المصرية ويشغل محطات تسييل الغاز المصرية بكامل طاقتها، قال إن "ما حدث هو توقيع اتفاقية، وأعتقد أن الحكم على المكاسب يحتاج إلى بعض الوقت"، وفقًا لـ"عربي 21".
واستدرك عبد المطلب: "لكن كما هو معلوم فإن كل اتفاقات تعاون بلا شك سوف تسهم في إنعاش الاقتصاد المصري".
وبشأن تصنيفه لموضع مصر في هذا الاتفاق وهل تعد القاهرة شريكًا أصيلًا أم مجرد وسيط لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، أوضح أن "الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى قراءة بنود الاتفاقية بشكل كامل، وهو الأمر غير الميسر الآن".
وتساءل: "هل ستكون مصر مجرد معبر للغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، أم أنها سوف تستورد الغاز الإسرائيلي ثم ستعيد تصنيعه وإسالته ثم بيعه كمنتج مصري المنشأ، وتحصل على قيمة الصادرات بالكامل؟ طبعًا بعد خصم قيمة الغاز الإسرائيلي المستورد".
وتابع: "أم أن مصر ستصدر الغاز المسال في محطات الإسالة المصرية، سواء كان مصريًا أم إسرائيليًا"، مشيرًا إلى أن "معرفة شروط الاتفاق سوف تحدد هل مصر شريك أم وسيط".
ويرى الخبير المصري، أن "تلك الاتفاقية ستكون بداية لوضع مصر كمقر إقليمي لتصدير الغاز كما حلم السيسي قبل سنوات".
وأضاف: "وبذلك حققت مصر جول كبيرًا في موضوع الغاز؛ لكن على حساب القضية الوطنية العربية، وعلى حساب مكانة مصر التاريخية في المنطقة".
وختم حديثه بالقول: ولكن "الهدف هنا هو تسويق الغاز الإسرائيلي بالأساس".
"نهاية التطبيع البارد"
الباحث والكاتب المصري أحمد مولانا، قال إنه "بطبيعة الحال تحاول كل من مصر وإسرائيل أن تستثمرا الظرف الحالي الذي يشهد ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الغاز لعمل عقود طويلة الأمد مع أوروبا لتعويض النقص الناتج عن تخفيض إمدادات الغاز الروسي لـ 90% حتى نهاية العام الجاري".
وأكد أن "الدولتين تنظران للأمر بالأساس إلى الجانب الاقتصادي، وبالنسبة لمصر فالشق المالي هو شق التسييل والتصدير، ولإسرائيل شق الإنتاج".
وأضاف: "وعلى الجانب الاستراتيجي هذا نوع من التعاون والشراكة، وكان قبل ذلك يوصف التطبيع مع الكيان بالبارد نهاية عهد الرئيس أنور السادات وطوال عهد مبارك؛ ولكن بعهد السيسي تحول التطبيع البارد لشراكة بين الجانبين، وهذا الاتفاق هو النموذج الأبرز".
وأوضح أنه "في الأساس هذه الحقول قيل إن مصر تنازلت عنها للكيان المحتل، وإن لم يكن هذا حقيقيًا فإنها في الأصل حقول غاز فلسطينية"، مبينًا أن "إقصاء الفلسطينيين من المشاركة باستخراج الغاز وتسييله وتصديره مكسب كبير لإسرائيل".
وفي رده على السؤال: "كيف يسهم الاتفاق في شرعنة التواجد الإسرائيلي في مصر لرقابة التسييل والشحن والتصدير؟" يعتقد مولانا، أن "إسرائيل تورد لمصر وتحاسبها، والقاهرة تقوم بتسييل الغاز وتصديره، وأن تل أبيب غير مسؤولة عن بيع الغاز المسال ولا أعتقد أن يكون لها رقابة على هذا الجزء من الصفقة، فهناك عدادات تحسب ما جرى توريده منها وتصديره لأوروبا".
ويرى مولانا، أن "الرسالة الأهم هنا هي فكرة الشراكة الإسرائيلية المصرية التي تتحقق، مع إقصاء الفلسطينيين حتى من ربط ملف التطبيع بملف السلام كما كان بعهد مبارك، وأصبح الأمر طبيعيًا أن تمارس إسرائيل الانتهاكات بحق الفلسطينيين والمقدسات وتشاركها مصر بملف استراتيجي".
ويرى أن من التبعات السياسية والاستراتيجية والأمنية لتلك الاتفاقية، "حدوث تغير كبير بالنظرة إلى إسرائيل في المنطقة، بالإضافة إلى زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للمنطقة منتصف الشهر المقبل، كما أن مصر ستستفيد من:
10 – "إقامة دفاع صاروخي إقليمي يضم مصر ودول الخليج الست والأردن والعراق وإسرائيل".
وأعرب عن قلقه مما قد يحدث من "تطور جديد في المنطقة لبناء نظام إقليمي جديد في ظل تراجع الوجود الأمريكي، لتصبح إسرائيل هي اللاعب الأساسي في هذا الملف تحت مظلة مواجهة التهديد الإيراني".

