قديمًا كانت سلة غذاء العالم.. واليوم أمست أكبر مستورد للحبوب على مستوى العالم.. شتان ما بين العهدين، وفارق كبير بين الصورتين، في الأولى كان الناس يفدون إليها ليسدوا جوعهم ويستوردوا غذاءهم، وفي الأخيرة تلجأ هي إليهم لتسد رمقها وتطعم شعبها..
أثرت الحرب الروسية الأوكرانية على مصر في توفير الخبز المدعوم لنحو 70 مليون مواطن، بعد مضاعفة أسعار استيراد القمح من 260 إلى أكثر من 480 دولارًا للطن الواحد في غضون أقل من 4 أشهر، ومع ارتفاع معدل التضخم إلى 15.3% خلال شهر مايو السابق، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة، ما يضعها أمام أسوأ أزمة منذ 100 عام، كما يقدر ذلك رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.
كيف تواجه مصر أزمة الأمن الغذائي؟
كشف تقرير لوكالة رويترز، في 2 يونيو 2022، أن مصر تستعد للحصول على أكثر من 600 مليون دولار من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي لتحسين نظام صوامع القمح، ودعم مشتريات القمح الحكومية، في الوقت الذي تكافح فيه تداعيات الحرب في أوكرانيا.
وأظهرت وثيقة للبنك الدولي، أنه بموجب برنامج للأمن الغذائي، ينتظر موافقة مجلس إدارة البنك، ستتلقى مصر 380 مليون دولار لمساعدة مشتري الحبوب الحكومي على استيراد ما يصل إلى 700 ألف طن من القمح لبرنامج دعم الخبز. كما سيتم تخصيص مبلغ إضافي قدره 117.5 مليون دولار لزيادة سعة الصوامع، وتمويل تطوير أصناف قمح عالية الإنتاجية، وتحسين القدرة على التكيف مع المناخ، لكن يبدو أن هذه الإجراءات غير كافية لتجاوز الأزمة.
وتحاول حكومة الانقلاب الاعتماد على المزارعين لإعادة بيع 60% من محصولهم. كما تحاول زيادة المحصول المحلي ليكفي عام 2025 من تلبية ما يصل إلى 65% من احتياجات البلاد، بحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
وتستورد مصر أكثر من 10 ملايين طن سنويًا من القمح، أي نصف احتياجاتها منه، لتأمين رغيف الخبز الحيوي لأكثر من 100 مليون مصري. وكان استيراد ما يزيد على 80% من قمح مصر يتم من روسيا وأوكرانيا، عبر مرافئ البحر الأسود.
وقدّر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الأثر المباشر للحرب على الموازنة المصرية، بأكثر من 7 مليارات دولار سنويًا، أما الأثر غير المباشر فقدره بأكثر من 18 مليار دولار سنويًا، ليستنتج أن "مصر في منتصف أسوأ أزمة منذ 100 عام".
10 مليارات لاستيراد الغذاء
وتُشكل واردات القمح والزيوت النباتية والذرة والفول واللحوم العمود الفقري لواردات الأغذية، التي تُشكل 15% من مجمل قيمة واردات مصر، التي وصلت إلى نحو 74 مليار دولار العام الماضي 2021. كما أن الحصول على بعض الأغذية يتطلب تأمين حوالي 10 مليارات دولار لتغطية التكاليف الإضافية لاستيرادها، وخاصة القمح منها.
ويقول تقرير لوكالة دويتشه فيله الألمانية، إن الحكومة تحاول توفير هذا المبلغ عن طريق الاقتراض المحلي والأجنبي. غير أن هناك عوائق كثيرة، من بينها على سبيل المثال نزوح استثمارات أجنبية كبيرة من البلاد، تُقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار.
وهناك الديون الخارجية العالية التي تصل إلى نحو 16 مليار دولار خلال عامي 2022 و2023. وتقدر قيمة الدين الخارجي المصري بأكثر من 120 مليار دولار أواخر العام الماضي، ولولا زيادة الصادرات من الغاز المسال وإيرادات قناة السويس لكان المبلغ أكبر منذ ذلك بعدة مليارات إضافية.
ولن يكفي الدعم الخليجي من السعودية والإمارات وقطر لتمويل واردات السلع الغذائية المتزايدة، كما أن مصر التي تعتمد على القروض الخارجية تواجه مشاكل متزايدة في الحصول على أموال المانحين والمستثمرين بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
الخصخصة حل.. بشروط
يقول تقرير الوكالة الألمانية، إنه مع تزايُد هذه الصعوبات يبدو أن الحكومة وجدت ضالتها في خصخصة ما يزيد على 40 من مؤسسات القطاع العام، للحصول على 40 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من 2022 وحتى 2026. لكن هل ستنجح أم تفشل كسابقاتها، لأسباب من بينها الفساد والمحسوبيات، وعزوف القطاع الخاص عن المؤسسات التي لا تأتي بأرباح عالية؟
لكن حتى لو نجحت هذه الخطط فإن تحقيق الهدف منها مرتبط بزيادة الاستثمارات في مشاريع إنتاج زراعات غذائية مستدامة، بدلًا من التركيز المُبالغ فيه على المشاريع العملاقة، التي يُكلف الواحد منها عشرات مليارات الدولارات، كالعاصمة الإدارية الجديدة، بتكلفة 60 مليار دولار، ومحطة طاقة نووية بتكلفة 25 مليار دولار، كما تقول DW.
معارك الاستثمار والقمح
وتحاول حكومة الانقلاب التوجه نحو سياسات استثمار جديدة، على ضوء تبعات الحرب في أوكرانيا، ويقضي هذا التوجه بزيادة استصلاح الأراضي الزراعية بنحو 2.5 مليون فدان، لزيادة المساحات المزروعة بالقمح والمحاصيل الأخرى إلى 12.5 مليون فدان. كما يقضي باستثمار ما يزيد على 50 مليار دولار للموارد المائية الإضافية من خلال محطات معالجة المياه العادمة واستغلال المياه الباطنية بحلول عام 2037.
وهناك توجه للتعاون مع الدول العربية والإفريقية في مجال الزراعة أيضًا، حيث ذكرت تقارير أن مصر اتفقت مع الأردن والإمارات، في 2 يونيو 2022، على مشاريع مشتركة لزراعة القمح والشعير والذرة، في سبيل تعزيز أمنها الغذائي.
لكن هل تنجح حكومة الانقلاب في جذب الاستثمارات اللازمة لذلك، في ظل المديونية العالية وتردد المانحين والمستثمرين؟ إذ من المؤكد أن عدم النجاح يهدد بوقوع مجاعات وثورات خبز في البلاد.
إن مخزون البلاد من القمح سيكفي حتى أكتوبر أو ديسمبر على أبعد تقدير، ومع اقتراب موسم الحصاد من نهايته فقد وصل القمح الذي تم تسليمه للدولة إلى 3.5 مليون طن فقط. وستظل الحكومة في صراع مع التجار من القطاع الخاص، الذين يدفعون المزيد من الأموال لشراء القمح من المزارعين.

