محمد عبد الشكور:


جاء رد الشعب المصري البسيط عفوياً على قرارات وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة الأخيرة، حيث توافد لصلاة العيد ملايين المصريين في الشوارع والساحات دون الالتزام بالساحات التي حددها الوزير بعد سلسلة من التضييقات والقرارات المجحفة التي أعلنها  انتهت بهذه المشاهد التي تسر الناظرين، وتكرهها عين الوزير وأشباهه ممن يضيقون على الناس في تأدية فرائضهم.


هذا الإقبال الهائل للمصلين على الساحات والميادين والاجتماع الكثيف لصلاة العيد هي كلمة الناس لمَن أراد أن يصدهم عن دينهم، ويلبّسه عليهم، ويحرفهم عن التمسك به.


هكذا كانت، وهكذا ستبقى مصر وشعبها المسلم، فصور صلاة العيد في حي واحد من أحياء القاهرة كان ردا عمليا بليغا على سنوات من التشكيك والتطاول والإساءات، والهرطقة والتضييق.


جاء التضييق من وزير الأوقاف منذ بداية شهر رمضان، حيث حدد وقتا لقضاء صلاتي العشاء والتراويح في نصف ساعة، وأمر مفتشي الأوقاف بمتابعة ذلك، وحدثت العديد من المشكلات والمشادات بينهم وبين المصلين عندما يتعدى الوقت المحدد، وكان مشهدا غريبا عندما تجد المصلين يتحايلون على مفتشي وأئمة الأوقاف لاستكمال صلاتهم، وذلك في فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.


وفي أحد المساجد بمنطقة حلوان أمر مفتش الأوقاف إمام المسجد بإنهاء صلاة التراويح بعد الانتهاء من الركعة السادسة بحجة الاقتراب من نهاية الوقت المسموح، فالوقت المتبقي لن يسمح باستكمال الصلاة، وبات الأمر كأنه تربّص بالمصلين.


وروى صديق -والعهدة عليه- أنه يوجد مسجد في إمبابة كان مفتش الأوقاف يضبط للشيخ إمام المسجد الساعة، وخصوصا في صلاة التراويح، وعندما يجد المفتش أن الشيخ أطال في وقت الصلاة ينظر إلى ساعته مثل حكّام الكرة! وبعد الأسبوع الأول من رمضان بدأ بعض المصلين يجمعون أموالا ويعطونها للمفتش حتى لا يستعجلهم في الصلاة، ويعطيهم وقتا إضافيا!


ولم يكتف الوزير بذلك، بل قرر قبل بدء العشر الأواخر من شهر رمضان إصدار قرار بمنع الاعتكاف في المساجد ومنع صلاة التهجد فيها، مما أغضب المصريين كافة، سواء أكان ملتزما أم غير ملتزم، فهم شعروا لأول مرة بالتضييق عليهم في عبادتهم وصلواتهم، وهو شيء لم يعتادوا عليه، فقد يتغاضى المصري عن حقوقه، وعن ظروفه الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، ولكن عندما يتعلق الأمر بالدين فهو خط أحمر مهما كانت النتائج.


رفض الجميع هذه القرارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي واستهجنوا هذه القرارات، خاصة بعد أن نُشرت صور لمفتشي الأوقاف وهم يمرون على المساجد، ويتأكدون من إغلاقها وكأنها بيوت دعارة وليست بيوت الله، وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صور مسؤولي وزارة الأوقاف في أثناء جولة التفتيش، ووصفهم البعض بأنهم “جماعة النهي عن المعروف”، كما وصفهم آخرون بـ “فرقة مكافحة صلاة التهجد”، وتعجب البعض من أن يأتي هذا التفتيش بالتزامن مع وجود آلاف المواطنين في المقاهي يتابعون مباراة كرة القدم بين الأهلي المصري والرجاء المغربي في دوري أبطال أفريقيا!


أثارت هذه الصور العقل الجمعي لدى المسلمين البسطاء؛ لأنهم تعودوا أن المسجد هو بيتهم الثاني، ولكن أن تصل الأمور إلى إغلاق المساجد في وجوه المصلين، فهذا شيء لم يعتادوه إطلاقا حتى في أشد عصور التضييق.


كان صوت الرفض لهذه القرارات عاليا مدويا دون صوت أو جلبة، ولكنه في القلوب، ومثل كرة الثلج المتدحرجة بات الأمر كبيرا، وقد يخرج عن السيطرة، فتم إصدار قرار بفتح المساجد لصلاة التهجد منذ ليلة 27 من رمضان، لتمتلئ المساجد بالمتهجدين وتلاوة القرآن، وكأن هناك نية مبيتة للرد على قرارات الوزير التي تصطدم بعبادتهم، وهي مغلفة بمحاذير كاذبة وغير حقيقة بحجة كورونا والتباعد، والمعروف أن عدد الذين يصلّون صلاة التهجد في المساجد أقل ممن يصلون صلاة التراويح، مما ينفي حجة التباعد وحجة كورونا.


ولم يسكت الوزير من جانبه، فهو من الواضح أنه عدو نفسه، فقد أصدر قرارا بأن تكون صلاة العيد في المساجد الكبيرة الجامعة، وليست في الساحات أو المساجد الصغيرة مع عدم اصطحاب الأطفال، ولم يستقبل المصريون هذا القرار إلا بالرفض والاستهجان أيضا، والسخرية من الوزير وقراراته، وكأن الوزير بات يصدر قراراته اليوم لكي يتراجع عنها غدا، فقد أصدر قرارا آخر بأن الوزارة أعدت 600 ساحة على مستوى الجمهورية لاستقبال المصلين في صلاة العيد مع اصطحاب طفل واحد، وأن يكون مميزا، لتنهال السخرية منه أيضا، وعن شروط الطفل المميز، ومَن الأَولى من الأطفال لكي يتم اصطحابه، وكأنه أراد التضييق عليهم في صلاتهم وفي قيامهم وفي قراءتهم القرآن، وأبَى إلا أن يضيّق عليهم في يوم عيدهم.


سخر المصريون من قرارات الوزير، سواء بشأن اصطحاب الأطفال، أو قِصر الصلاة على 600 ساحة، والمساجد الكبرى، وهو لا يكفي عدد المصلين في كل المحافظات، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية من الوزير والدعاء عليه.


ولكن جاء يوم العيد ليخرج المصريون بالملايين ليردّوا على الوزير وقراراته لأول مرة بهذه الصورة، وفي ساحات اختاروها هم بأنفسهم دون الالتزام بقرارات وزير الأوقاف، لتمتلئ الساحات والشوارع بالملايين من جميع فئات الشعب، رجالا ونساء، شيوخا وأطفالا، في منظر كفيل بأن يردّ على الوزير وأمثاله.


واستمرارا لتراجعات الوزير وهزائمه المتتالية أعلن على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك عن العودة لفتح المساجد إلى حالتها الطبيعية وعمارتها بالدروس والمقارئ القرآنية والسماح بزيارة المقامات والأضرحة في غير أوقات الصلاة، وكذلك فتح ساحة مسجد الإمام الحسين على مدار اليوم بدءا من الأحد القادم.


لقد أكد هذا الشعب أن له هوية ودين، وأن ألف قرار لن يغير هويته ودينه، وأن الدين خط أحمر والشعب يستطيع.


نقلا عن: الجزيرة مباشر