أخبار النافذة

تراث

الحاج سعد الجزار.. قائد الدعوة الغائب الحاضر

اسم لا يعرفه كثيرٌ من الناس، ولم يسمع عنه معظم شبابنا، اسم غائب حاضر بيننا، ناضل كثيرًا من أجل الوطن، وكافح طويلاً من أجل الحريات ونشر المبادئ الإسلامية.

هو سعد زكي محمود الجزار من مواليد طره، في 12 أبريل 1925م، كان والده من محبي مصطفى كامل ومحمد فريد، تعلَّم سعد مهنة والده فعمل نجارًا منذ صغره في ورشة والده، وفي عام 1939م التحق بسلاح الإشارة وعمل في ورشة؛ حيث ظلت هذه المهنة تلازمه حتى كبر سنه.

لم يلتحق بمراحل التعليم غير أنه استطاع أن يمحي أميته عندما التحق بالإخوان المسلمين, تزوَّج صغيرًا من ابنة خالته عام 1945م، غير أنها تُوفيت بعد عامين ونصف من الزواج، فتزوَّج من أختها في 1948م، ورزقه الله بابنته وداد عام 1952م، وسمية في عام 1955م بعد دخوله المعتقل، وأسماء عام 1965م قبل أن يعتقل للمرة الثانية.

النشأة

قال الجزار في حديثٍ له: “تعرفت على دعوة الإخوان وأنا صغير عام 1934م؛ حيث كان عمي عبد الحميد محمود الجزار- عليه رحمة الله- موظفًا بمصلحة المساحة بالجيزة، وكان له صديق فدعاه عمي لزيارته فوافق وأخبرني أن أكون موجودًا وقت وجود الضيف، وكنت سعيدًا وعندما جاء الضيف قدمتُ لهم واجب الضيافة، وكانوا يتحدثون في الدين وكنت لا أفهم شيئًا مما يقولون، وفي أحد الأيام وجدتُ مجموعةً من الناس، وكان بينهم الأستاذ البنا في منطقتنا، واتفقوا أن يكون هناك موعد أسبوعي يحضره الأستاذ البنا أو غيره من الإخوة مثل الشيخ أحمد الباقوري وعبد اللطيف الشعشاعي، يلتقون فيه بالناس ويُلقي فيه المحاضرات، واستمر هذا الحال من عام 1934م حتى 1936م.

وفوجئت في أحد الأيام بالبوليس يقتحم المكان وقام بجمع كل الأوراق الموجودة في المكان وأخذها، ولم تترك أيدهم أي شيء حتى إنهم مزقوا الآيات الملصقة على الجدران؛ ما كان له أثر عميق في نفسي، خاصةً بعد أن مزَّق الورقة المكتوب عليها قول الله عز وجل (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)، وانقطعت الأخبار عني حتى عام 1942م فخرجتُ أسير في شارع 154 بالمعادي، وجدت دارًا وقد كُتبت عليها يافطة كبيرة “الإخوان المسلمون شعبة المعادي”.

فاقتربتُ منها فوجدتُ واحدًا بداخلها يُنادي علي باسمي فكان الأستاذ عبد العزيز رسلان أستاذي في المدرسة، فسلَّم عليَّ وسألني عن عمي وعن بعض الناس ثم قال لي: “ألا تكبرون وتكونون رجالاً وتقيمون شعبةً عندكم؟”، فقلت له سأرى الموضوع، فقال لي ابحث عن شقة وأخبرني بعد أن تُؤجِّر المكان وأنا أحضر لك الأساس، وأثناء عودتي لطره وجدتُ لافتاتٍ كثيرة مكتوبًا عليها الإخوان المسلمون، والله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا.

فسألتُ مَن كتب هذه الأشياء فقالوا الشيخ هاشم- وكان أحد رجال الطريقة الرفاعية- فذهبتُ له وقلت لماذا كتبت هذه الأشياء فقال: لا أدري إنما أعجبتني الكلمات فكتبتها فقلت له لا بد من عملٍ ونحن بصدد تأجير مكانٍ لعمل دار للإخوان المسلمين، ومن وقتها أصبحتُ من الإخوان وأصبح لنا دار، ولم يعترض أبي على سيري مع الإخوان المسلمين، وكان يأتي الشيخ محمود سعيد والأخ فريد عبد الخالق ليحاضرا فيها”.

منذ هذه اللحظة وقد انطلق سعد الجزار في شعبته يعمل على ترسيخ معاني الحب في الله، وينشر الفضيلة وسط صفوف المجتمع وبحكم مهنته كنجار فقد استطاع أن يكوِّن له علاقات اجتماعية جيدة بصفوف المجتمع، فكانت فتحًا عليه، حيث استطاع أن يدخل كل بيتٍ وينشر بالقدوة الإسلام العملي وحسن الخلق.

انطلاق نحو الهدف

بعد أن التحق بالإخوان انتظم في عمل الشعبة فاختير ضمن شباب الجوالة، والجوالة نظام أوجده الإمام البنا لتدريب الشباب على المعاني الجهادية، وقد اعتمد مجلس الشورى الثالث للإخوان، والذي عُقد في 11 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 16 من مارس 1935م حتى يوم الاثنين 13 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 18 من مارس 1935م، لائحة الجوالة وألزم المناطق والشعب بتكوين فرق الجوالة، وتم اختيار الأخ محمد أفندي مختار إسماعيل مديرًا لفرق رحلات الإخوان المسلمين.

اختير الجزار بعد ذلك مشرفًا على قسم العمال ثم انتخب أمينًا لصندوق الشعبة فترة ثم سكرتيرًا لها مدة ثم وكيلاً للشعبة حتى انتخب نائبًا للشعبة عام 1948م، لكن النقراشي باشا أصدر قرارًا في 8/12/ 1948م بحل الجماعة واعتقال أفرادها، وظلت الجماعة في محنةٍ حتى حكمت المحكمة بإلغاء قرار الحل وعودة الجماعة عام 1951م.

وبعد عودة الجماعة وإلغاء الأمر العسكري تابعت الشعبة نشاطها بعد أن اشتروا دارًا أكبر من التي أُخذت منهم، وبدءوا العمل الدعوي فيها، وقد نشطت الأقسام بعد عام 1951م مثل قسم الطلبة، والذي كان يقوم بنشاطٍ كبيرٍ بين صفوف الطلبة، خاصةً في إجازة الصيف، وقام الجزار بمعاونة إخوانه في الشعبة بتأجير قطعة أرض، وأقاموا عليها ناديًا رياضيًّا للعبة البنج بنج والتنس وغيره من الألعاب.

مع الإمام البنا

حرص الأستاذ البنا منذ البداية على تربية الإخوان تربيةً إسلاميةً صحيحةً فأنشأ عام 1937م نظام الكتائب، ثم في عام 1942م أنشأ نظام الأسر، والتي تجمع عدد صغيراً من الإخوة ليكونوا على هيئة أسرةٍ واحدةٍ يتحقق فيها معاني التعارف والتكافل والتكامل، وكان يجوب ومَن معه من بعض الإخوان ليعلموا ويربوا الإخوان.

وكان الأستاذ طاهر عبد المحسن- وكان من الرعيل الأول للدعوة، وكان عضو مكتب إرشاد في عهد الإمام البنا- يذهب لمنطقة طره ليربي الأفراد الموجودين فيها ويهيئهم لبيعة الدعوة والعمل لها في المنشط والمكره.

والتحق حينها الحاج سعد الجزار بإحدى الكتائب الموجودة في المركز العام، وكان الإمام البنا يذهب إليهم ويحضر معهم الكتائب في المركز العام، ويقول الحاج سعد: “وكنا نحافظ على حضور محاضراته حتى إنني أثناء الكتيبة كان يغالبني النوم لطبيعة عملي المرهق في النجارة فكان يسمح لي بالانصراف لكي أرتاح”.

تميز الإمام البنا بحفظ أسماء وأشكال كل مَن رآه مرة من قبل أو رأى صورةً له ومن كثرة حضور الحاج سعد للمحاضرات والمؤتمرات والكتائب في المركز العام عرفه الإمام البنا معرفة شخصية، وكان دائمًا محافظًا على زيارته في البيت.

ومن المواقف التي تذكر أنه عندما قتل أحمد ماهر واعتقل الإمام البنا ذهب الجزار لزيارة الإمام الشهيد بعد خروجه، وكان معه ابن عمته عبد الفتاح وبعد أن جلسوا معه قال له: “أستأذن سيادتكم لأن عبد الفتاح وراءه موعد الآن، فقال: عبد الفتاح يذهب لموعده ويخبر خاله إنك ستتأخر بعض الوقت، ثم قال اتجه أنت إلى سطح المركز العام وانتظر فوقه فتوجهت إلى سطح المركز العام فاعترضني بعض الإخوة فقلت لهم: كنت مع الإمام البنا وقال لي اذهب إلى سطح المركز العام فأذنوا لي، وبعد ذلك رأيت وفودًا من سوريا ولبنان مع الإمام البنا منهم جميل مردم ورياض الصلح، وعلمتُ أننا كنا نقوم بتأمين المكان”.

حرب فلسطين والنظام الخاص

كان الأستاذ الجزار أحد أفراد الجوالة الذين تدربوا استعدادًا للسفر إلى فلسطين، وانتابته حالة من الحماسة الشديدة في التدريب لسعادته بالجهاد في سبيل الله، وأخذ يستشعر معنى.. الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

غير أن هذه الحماسة تفتتت على صخرة الرفض؛ حيث رفض الإمام البنا سفره لمعرفته بوالده وعمه معرفة جيدة، وشعر أن سفره سيتسبب في مشكلة، فآثر الإمام البنا أن يقوم بجمع السلاح وإرساله إلى المجاهدين في فلسطين عن طريق الهيئة العليا تحت رئاسة المجاهد أمين الحسيني ولا تحدث مشكلة في البيت، ونشط الحاج سعد في جمع السلاح من صحراء حلوان والمقطم وأجزاء من الصحراء الغربية، وتنظيفها وإصلاحها ثم إرسالها للهيئة.

ولم يقتصر دوره على جمع السلاح فحسب بل كانوا يقومون بجمع التبرعات من الأهالي وإرسالها للهيئة، فيقول: “في إحدى المرات أقمنا حفلاً بمناسبة المولد النبوي في مسجد الجزار التابع للعائلة وأرسل إخواننا شيكاتٍ للتبرع لفلسطين مع الأخ علي عثمان وعلي عصام وأمسكت بالشيكات، وخطبتُ في الناس أن يتبرعوا فسارع كل واحد منهم للتبرع حتى نفدت الشيكات على اختلاف فئتها، ولكن كانت التبرعات مستمرة ففتحت حجر ثوبي وأخذت أتلقى التبرعات بعد نفاد الشيكات”.

لم يكن في النظام الخاص في فترة الإمام البنا، لكن كان يسمع عنه، خاصةً بعد حادث الخازندار والسيارة الجيب، لكنه كان ضمن المكلفين بحراسة المركز العام، خاصةً المطابع الموجودة في الدار القديمة، وكانوا يقسمون أنفسهم إلى مجموعتين كل مجموعةٍ تحرس عدة أيام.

تعرَّف على الأستاذ السيد فايز- وهو أحد قادة النظام الخاص- حيث كان مهندسًا ومقاولاً، وكان الجزار صاحب ورشة نجارة فكان بينهم تعامل، وكان المهندس فايز يلمح له بالانضمام إلى النظام الخاص حتى اغتيل سيد فايز، بأن أُرسل إليه طرد به علبة من الحلوى واستلمتها أخته الصغرى، وأعطتها له وما كاد يفتحها حتى انفجرت فيه فمات سيد فايز، وترك ذلك أثرًا في الأستاذ سعد وحزن حزنًا شديدًا.

بعد أن تم التشكيل الجديد بعد الأستاذ عبد الرحمن السندي اختير الحاج سعد ضمن النظام الخاص، وقد رشَّحه الأخ عبد المتعال مدني، وكانت مجموعته مكونة من محمد ماهر وسعد عمار ودرويش إسماعيل وأحمد مصطفى، وكان دورهم مقصوراً على القيام بتنفيذ البرامج الإيمانية والتدريبات العسكرية في معسكر حلوان، كما كانوا يتدربون على السلاح في الجبال القريبة منهم، وكان قد تولَّد لديه بغض شديد للأفعال التي كان الإنجليز يقومون بها من سكرٍ والتعرض للنساء في الشوارع فتولَّد لديه الانتقام منهم، خاصةً في منطقة المعادي.

في مواجهة المحن

وفي الساعة الحادية عشر مساء ليلة 26/10/1954م كان عبد الناصر يخطب في ميدان المنشية، وفي هذه الساعة نقل المذياع أن عبد الناصر أُطلق عليه النار لكنه نجا، وأن الذي أطلق عليه النار واحد من الإخوان، ولم تمض لحظات حتى انطلقت سيارات المباحث العامة والعسكرية تجوب البلاد شرقها وغربها تعتقل الإخوان.

وفي 30/10/1954م اعتقل الأستاذ سعد من الموسكي، وذهبوا به إلى سجن مصر ثم إلى مجلس قيادة الثورة، وكان التعذيب شديدًا، وكان القائم على التعذيب بعض ضباط الثورة أمثال علي صبري والدسوقي الششتاوي وعلي شفيق ومحمد عبد الرحمن نصير، ثم ذهبوا به إلى القلعة، وكانت مكانًا موحشًا بعيدًا عن العمران، ومكث فيها فترةً ثم نُقل إلى السجن الحربي، وقد وُجهت له تهمة أنه أحد أفراد الجهاز السري، والذي يهدف إلى قلب نظام الحكم، وحُكم عليه بعشر سنوات قضى تسعة منها في سجن الواحات وعام قضاه في سجن أسيوط قبل الخروج عام 1964م.

رحل إلى سجن الواحات في 16/5/1955 م، حيث كان به كل قيادات الجماعة فكان معظم أعضاء مكتب الإرشاد هناك مثل الأستاذ محمد حامد أبو النصر والأستاذ عمر التلمساني وحسين كمال الدين وكمال خليفة وأحمد شريت.

وكان أول عمل لإدارة السجن أن قامت بحرق ملابسهم وألبسوهم ثياب السجن المكون من قميص وبنطلون في الشتاء والصيف، وكان محبوسًا معهم بعض الشيوعيين في الواحات لكنهم خرجوا بعد أن هدَّد رئيس روسيا أنه لن يمد مصر بدعم لتنفيذ مشروع السد العالي إلا بعد إطلاق سراح الشيوعيين.

خرج الحاج سعد في أكتوبر 1964 م، لكن لم تمض فترة كبيرة بالخارج حتى صدر قرار باعتقاله مرةً أخرى في 11/8/1965م وذهبوا به إلى القلعة وأخذوا يسألونه عن الجوال الذي وزَّعه على محمد عبد المجيد وحسن كامل- وكانا عندهما ورش نجارة، وفي هذا التوقيت كانت الخامات قليلة، وما هذا الجوال إلا “جوال غِرة” كان قد حصل عليه- ولقد تعرَّض للتعذيب الشديد فعلقوه وبدأت العلقة الساخنة حتى يعترف لكنَّ الله ثبته فلم يعترف إلا بالحقيقة من أن هذا الجوال “جوال غِرة”.

ورحل بعد ذلك إلى سجن الفيوم وقضى به فترةً ثم نُقل إلى السجن الحربي، وعُذِّب عذابًا شديدًا بسبب أنَّ علي عشماوي قال: إن سعد الجزار عضو في التنظيم، وعندما واجهوه به قال: لا أعرفه، فقد كان يقصد الأخ سعد عمار الذي كان يعمل جزارًا، لكن الناس كانت تُناديه سعد الجزار، وبعد السجن الحربي انتقل إلى أبي زعبل وبعد النكسة رحل إلى معتقل طره.

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة