أخبار النافذة

تراث

ذكريات رمضانية (2): المستشار علي جريشة والسجن الحربي

- نجاني الله من التعذيب في المعتقل بنكتة وانتقدت عبد الناصر شعرًا

- الكشَّافة وحرب فلسطين وراء انضمامي إلى قافلة الإخوان المسلمين

- اللواء علام اعترف لي بانتمائه إلى الإخوان، لكنه خنق السنانيري لإبعاد الشبهة عن نفسه

حوار- إخوان أون لاين:

هو شاعر ووكيل للنيابة، ثم مستشار بمجلس الدولة قبل أن يُعتقل في السجن الحربي، حازم لأبعد الحدود، حنون بلا حدود، إنّه المستشار علي جريشة أحد قيادات الإخوان المسلمين، جمع من الصفات ما يجعله مربيًا وداعيةً ومفكِّرًا وفقيهًا وعالمًا بالتفسير، وكلها تُشكِّل ملامح رجلٍ إذا ما نظرت إليه تشعر أنك أمام موسوعة جمعت المعارف كلها بين يديك.. حديثه يدل على صفاء قلبه ونظراته الثاقبة تكشف عن صرامته في الحق، يشعر من حوله بالعطف من نظراته.

إذا نظرت إلى جبهته رأيتها كصفحة التاريخ، كُتب فيها ملحمة الرجل صاحب الزمان، بدءًا من مولده في إحدى قرى ديرب نجم بالشرقية عام 1935م؛ حيث الأجواء الريفية التي تعرَّف خلالها على جوالة الإخوان المسلمين بعد أن بلغ العاشرة من عمره، بعدها ينتقل إلى القاهرة ليدرس الثانوية العامة نظام الـ5 سنوات، ثم يتخرَّج في كلية الحقوق ليعيَّن وكيلاً للنائب العام في السويس، ثم يعمل بمجلس الدولة لمدة 4 سنوات، ويتزوج وهو في الثامنة والعشرين بعدها أدخله الزمان إلى مرحلةٍ مغايرةٍ تمامًا؛ حيث اعتُقل في السجن الحربي لمدة 8 سنوات ما بين 1965م، و1973م، وهي الفترة التي يُطلق عليها (البعثة)؛ ليسافر بعدها إلى السعودية التي كانت محطة انطلاقٍ له ليجوب أكثر بلاد العالم، وعلى رأسها أمريكا التي له فيها ذكريات رمضانية، أبرزها إلقاؤه خطبةً باللغة الإنجليزية في أول جمعةٍ لشهر رمضان في مسجد الأمم المتحدة بنيويورك.

استضافنا المستشارُ جريشة على مائدة حوارٍ رمضانيةٍ لنسبح معه في بحر ذكرياته.. فإلى تفاصيل الحوار:

* في البداية ماذا يعني رمضان للمستشار علي جريشة؟

** هو موسم لمزيدٍ من الطاعات ومزيدٍ من استدرار رحمة الله وفضله، ومثلي مثل أي مسلمٍ فيه، لا أريد أن أخصَّ نفسي بشيء، لكن ربما أن أكون فيه أكثر اعتكافًا على القرآن والتزامًا لمسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث مكثتُ بالمملكة العربية السعودية فترةً طويلة.

* هل في جعبة ذكرياتك الرمضانية شيءٌ من أيام الطفولة أو الشباب؟

** لستُ حريصًا على هذه الذكريات، لكن يُمثِّل لي رمضان في مرحلة الطفولة وجودي في الريف بصحبةِ والدي والأسرة؛ حيث كنا دائمًا نقضي شهر رمضان في بلدنا الريفي، وهي قرية صغيرة بجوار مركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية.

وكان شأني شأن بقية الأطفال في اللعب، فالذي يلعبه الأطفال كنتُ ألعبه، وكان والدي يعمل مدرسًا في السنبلاوين، ثم انتقلنا إلى القاهرة في الخمسينيات، وكان عندي 13 سنةً، وكنت طالبًا في السنة الثانية الثانوية (نظام الـ5 سنوات)، وكان أبي يسافر مع أمي ويتركنا؛ حيث يبقى فترةً في الشرقية ثم يعود، وأود أن أشير إلى أن فترتي الطفولة والشباب كانتا خاضعتين لنظام الأسرة، وبعد أن حدث الاستقلال بالزواج، وكان ذلك في عمر 28 كنت حريصًا على مشاركة أهل البيت ما بين التردُّد على المسجد وأداء بعض الشعائر، ثم أتت فترة اعتقالي والتي أُطلق عليها (البعثة)، واستمرت لمدة 8 سنوات، وكان البرنامج مختلفًا، بعدها عدتُ إلى منزلي في منطقة المطرية بالقاهرة، وكان الجيران يقدمونني للإمامة.

أما في فترة وجودي في المدينة المنورة فكان برنامجي يقتصر على الصلاة في المسجد النبوي، ثم الإفطار، ثم العودة لصلاة العشاء والتراويح، ثم الانصراف للبرامج الأخرى.

* من المعروف أن والدك كان شاعرًا.. هل كتب شيئًا من شعره لشهر رمضان؟

** لا أذكر أنه اختصَّ رمضان بشعر، لكنَّ شعره كان فيه جوانب إسلامية عاطفية، فعلى سبيل المثال كان يذكر الساحة التي تربَّى فيها وتردَّد عليها، فقال من بين ما كتب:

إليك فؤادي دائمًا لفتاتي.. يا ساحة النساك في الخلوات

بوركت يا ساحة الهداية والتقى.. وسموت إرشادًا وحسن عظات

* إلى أي مدى تأثرت بالجانب الشعري في والدك؟

** الشعر أثرَّ فيَّ من ناحيتين: الأولى تكمن في وجود ملكة الشعر فيَّ، والأثر الثاني أني قلَّدته في كتابةِ الشعر، خاصةً في مطلع قيام الانقلاب العسكري في 1952م، وأذكر من الشعر الذي يكاد يكون فطرة:

ما للظلام يسود دون نهار... والأرض ضجَّت من دم الأبرار

وللسماء غدت كالأرض باكيةً... وللمياه غدت في النيل من نار

أو ما رأيت الشعب يهتف كله... الحكم حكم الله لا الأشرار

وفي نهاية القصيدة كان توجُّهي لجمال عبد الناصر، رغم أنه لم يقع منه شيء، ولكن كنتُ إذا نظرتَ إلى وجهه أشعر بالضيق، وكان وجه محمد نجيب مقبولاً عنه، فقلت في عبد الناصر:

أبا جهلٍ، رويدك إن مصرًا تريد الحقَّ لا حكم الصغار

يا ذيلَ أمريكا وعبدَ يهودها ما أنت فالتٌ من يد الجبار

وذات مرة كان يمر في أحد الشوارع بعربته المكشوفة، وكان الكل يعطيه التحية، إلا إنني قلتُ فيه شعرًا في لحظتها:

صنمٌ تمثَّل فيه كل خسيسةٍ ... فَقَدَ الشعورَ وكلَّ وجدان

* هل اختلف شهر رمضان من وجهة نظر المستشار جريشة الآن عن الماضي؟

** بالنسبة للمستوى العام أحسُّ أن الناس كانوا في حال يسرٍ؛ بحيث يبتهجون بمقدم رمضان أكثر من الآن؛ حيث جمهور الناس مكتئبٌ لأنهم لا يستطيعون توفير مستلزمات رمضان.

مظهر آخر لم أعد أراه في وقتنا الحاضر أنه كانت الموائد توضع أمام البيوت (طبلية عليها صينية طعام) هذا المظهر اختفى بسبب الفقر، بالإضافةِ إلى كثرة التعرُّض للناس، جعلهم لا يريدون معرفة بعضهم بعضًا، وعلى المستوى الشخصي اختلف رمضان الآن في تقدير المسئولية واختلاف للشعور بالعبء الواقع على الأمة الإسلامية، أيضًا الاهتمام بالقضايا العامة بالنسبة لقتل المسلمين وتشريدهم واستذلالهم في فلسطين والعراق وغيرها من بلدان العرب والإسلام..!!

* مكثتَ في السعودية فترةً من الزمن.. هل هناك اختلاف بين مصر والسعودية في الأجواء الرمضانية؟

** نعم، فالجانب الروحي في السعودية أكثر من مصر، أيضًا الموائد الممتدة في مسجد رسول الله، والتي بدأت منذ وقتٍ قريبٍ حوالي 10 سنوات وعليها التمر والخبز، أما خارج المسجد ففيه ساحة يأتي فيها فاعلو الخير بما لذَّ من الطعام، وهو ما لم أرَه في مصر، وأود أن أشير هنا إلى أن أكثر أشهر رمضان حضرتها في السعودية بنسبة 70% ومصر 30% خلال 30 سنة.

* متى كان أفضل شهر رمضان مررت به؟

** أفضل شهر رمضان لم يأتِ بعد، وأنا منتظره يتحقق فيه نصر الله، وأنتظر فيه نصرًا من الله قريبًا للأمة الإسلامية.

* كيف عرفت الإخوان؟

** بادئ معرفتي بهم كان عمري ما بين 10 و13، وكنت في بلدٍ ريفي تسمَّى السنبلاوين، وتأثرت بهم في موقفين بارزين في حياتي: الأول شباب الإخوان الذين كانوا يطوفون القرية فجرًا وكان الجو شتاءً وبردًا قارسًا، ويهتفون: "الصلاة يا مؤمنون الصلاة"، في وقت وجود الإنجليز، وكانت الشعائر بدأت تُهجر أيضًا؛ حيث كان كشَّافة الإخوان يخرجون بزيٍّ موحَّدٍ ذي رباط أصفر، ويسيرون في طوابير وقائد الطابور أمامه أخ يحمل العلم الأخضر وعليه سيفين ومصحف والشعار ولفظ "وأعدوا"، وكان يمشي بخطوة منتظمة، ويهتف الهتافات الخمسة: الله غايتنا، ويبدأ وينتهي بـ"الله أكبر ولله الحمد".

الموقف الثاني كان عمري 13 وقامت حرب فلسطين، واستطاع الأستاذ حسن البنا وجنود الإخوان أن يلفتوا نظر الناس إلى قضية فلسطين، ولأول مرة يسمعون عن فلسطين في الوقت الذي كانوا فيه يسألون رئيس وزراء مصر عن القضية، فقال: "أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين"، فطبعًا كانت الجولة الأولى إحياءً للقضية في مشاعر الناس في نفوسهم، ونجح فيها البنا إلى حدٍّ كبير.

تلا ذلك إرسال الكتائب إلى أرض فلسطين، وما بدأ يتردد حول بطولات الإخوان في فلسطين، وهو ما أثر فيَّ تأثيرًا كبيرًا، ثم وقع مقتل النقراشي، ثم الأستاذ البنا، وغيَّرنا المكان إلى القاهرة؛ حيث بدأت معرفتي بالإخوان معرفةً مباشرةً عن طريق المدرسة الثانوية التي كنت أدرس فيها قبل الجامعة، ثم جهاد الإخوان في القنال، وأثرت فيَّ كثيرًا، ثم قرب نهاية مرحلة الجامعة مرَّت بي محنة 54، وكان لها التأثير البالغ والشديد في نفسي، خاصةً بعد تنفيذ حكم الإعدام فيمن نعده شهيد الإسلام عبد القادر عودة، ونطقت شعرًا في حينها، ثم تخرجت بعدها بعام واحد في كلية الحقوق وعملت وكيل نيابة بالسويس، وكان التأثير الإيجابي أني كنت أتخذ مواقف صارمة مع ضباط الشرطة إذا أخطأوا، وكانوا يأخذون عقابهم بقسوة، وكل ذلك كان قبل السجن الحربي، ثم انتقلت للعمل في مجلس الدولة، وبعد العمل به بـ4 سنوات شاء الله أن أكون مع الصالحين؛ حيث جاءت فترة البعثة، وهي اعتقالي لمدة 8 سنوات ما بين 1965 إلى 1973م، وأثرت تأثيرًا كبيرًا في عقلي ونفسي وجسدي؛ حيث حققت فيها ما لم أحققه من قبل، وأسميها بالبعثة الربانية؛ حيث صفت نفسي أكثر وأكثر، وتلقيت الدروس الربانية، وتأثيرها الإيجابي 90% رغم أني كنت في استضافة الظلمة.

ذكريات السجن الحربي

* وماذا عن أصعب رمضان مر عليك؟

** أصعب رمضان مر عليَّ هي "الرمضانات" التي مرَّت بي وأنا داخل السجن الحربي كان فترة سنتين أو 3 سنوات ما بين عامي 65 إلى 1967؛ وإذا تحدثت عن طريقة المعاملة معنا بالسجن فهنا أذكر حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ بأن الشياطين تصفَّد في رمضان، لا أريد أن أقول معاذ الله إننا استُثنينا منها، لكن كانت المسائل مستمرة، ولم يكن هناك احترام لشعائر الله، بل إن العقاب كان يتم على أداء الصلاة نفسها.

* كيف كان برنامجك الرمضاني في السجن الحربي؟

** (أطلق تنهيدة تشعر من أمامه بألم التجربة)، وقال: كان البرنامج واحدًا في رمضان وغير رمضان، باختلاف فقرات الإفطار والغداء والعشاء، فكان اليوم يبدأ قبل الفجر بساعتين؛ حيث يتم فتح الزنازين، وينزل من كل زنزانة شخص يقوم بحمل إناء من "الكاوتش" سعته حوالي 3 أو 4 لترات، وهو معدٌّ لقضاء الحاجة في فترة الليل بالنسبة لكل زنزانة، وكانت كل زنزانة بها حوالي 7 أشخاص، وكان يقوم بإلقاء الفضلات ويقوم بغسله بالرمل ووضع الماء به للشرب، وتنتهي هذه الجولة.

ويبدأ بعد ذلك طابور الصباح في الثامنة صباحًا، يحضره رئيس السجن الحربي اللواء حمزة البسيوني، راكبًا حصانًا؛ حيث يتم تقسيم النزلاء في سرايا كل سرية في حدود 40 إلى 50 معتقلاً، ويقف على رأس كل سرية جندي من جنود السجن الحربي، ثم تتم عملية جري لمدة ساعة، ويكون فيها نوع من التسابق؛ حيث يجهد الناس إجهادًا شديدًا، وكان حمزة إذا وجد أن الإخوان أو الشباب ما زال بهم حيوية يذهب ويعاتب الشاويش ويقول: "انتو بتدلعوهم"، ثم الإفطار لمدة نصف ساعة ويحتوي على طعام لا يقوِّم أوَدَ طفل، فكيف الحال إذا كان يقدم للشباب ثم يصفر للطابور من الصباح للظهر، ثم فترة للغداء، كنا نوزعها بين الصلاة والغداء.

وكان بعض الإخوان يترخَّصون في الخروج من الصلاة إذا نودي عليهم، وأنا لم ألتزم بهذا الترخص في إحدى المرات وظل معي نحو 20 معتقلاً تقرييًا، وكان العقاب بعد الغداء أن نجري إلى نهاية الفناء؛ حيث توجد صورة بالزيت لرئيس الدولة لنؤدي له التحية وبعضنا أدَّى التحية ترخصًا وبعضنا الآخر امتنع عن أدائها وكنت منهم.

وشخص آخر اسمه السيد أبو شلوع بصق على صورة الرئيس، فعندما عُدنا توقعنا أن هذا الأخ سيصيبه من الأذى الكثير، فقال له العسكري: لماذا بصقْت عليه؟ قال: لأنه يستحق أن يبصق عليه، فقال العسكري: نعم يستحق البصق عليه، لكن ليس أمامنا.. ولم يمس بسوء، وكانت آية من آيات الله.

وفي رمضان كان الطابور يستمر لغروب الشمس، بعدها الكل في حلٍّ من أمره إلى حدٍّ ما ليدبر أمور إفطاره، وكنا نقيم الليل ونتهجَّد.

* وماذا عن ذكرياتك الرمضانية مع الإخوان؟

** أفضل شيء أذكره إتمامي لحفظ القرآن إبَّان وجودي في سجن قنا العمومي، فقد كنت رحلت إليه عقابًا خاصًّا لي على خطاب أرسلته بمناسبة مرور 3 سنوات على ذكرى الاعتقال في يوم 25 أغسطس 1965، وقدمت لأصلي بالإخوان إمامًا في التراويح، على أساس قراءة جزء كل يوم، وكنا نقسَّم لمجموعات، وكنت إماما لمجموعة.

والذكرى الثانية بعد ذلك بحوالي 10 سنوات تقريبًا، قدَّر الله أن أكون في أمريكا في شهر رمضان، فكنت مع مجموعة من الزملاء منتدبين لإعطاء دروس لأئمة أمريكا الذين يؤهلون لأن يكونوا أئمةً، وكنت أنا وثلاثة فقط تم نُدبنا من دار الإفتاء السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وكانت المنطقة التي كنت فيها قريبة من شيكاغو، واسمها نيبر فيل، وكان أكثر الأئمة سودًا، وفوجئت أن بعض الشباب أتوا وعرَّفوا أنفسهم لي، وقالوا عرفنا أنك جئت لتؤمنا للصلاة، وطلبوا مني أن أؤمهم في أول يوم في التراويح في شيكاغو، وكان معي زميل من الأزهر، وصحبته معي في الرحلة وأوصيته أن يقف خلفي ليردني، وكان في ظني أنه كان أحفظ للقرآن مني، وأديت الصلاة بجزء كامل، وكنت في الربع الواحد قد أتوقف مرةً أو مرتين، ولم يأتِ الرد ممن خلفي ولكن من السيدات، فعاتبت زميلي الذي قال لي "العملية في بيتها لأن مراتي اللي ردت عليك"، وكنت قد افتديته في السجن الحربي؛ حيث أنقذته من بعض الإجابات التي كان ينوي ذكرها في التحقيق، وقال ذلك في كلمته في المسجد فكان أمرًا محمودًا منه تجاهي.

والذكرى الثالثة طُلب مني أن أخطب الجمعة في المسجد المخصص بداخل الأمم المتحدة، وألقيت الخطبة باللغة الإنجليزية، وكان الحاضرون من الدبلوماسيين من البلاد الإسلامية المختلفة.

مع فؤاد علام

* في الآونة الأخيرة اقترن اسم المستشار علي جريشة في الأوساط الصحفية والإعلامية باسم نائب رئيس مباحث أمن الدولة الأسبق اللواء فؤاد علام، والمعروف بتاريخه في تعذيب الإخوان.. إيه الحكاية؟!

** (بدت على وجهه علامات غير مفهومة)، وأردف قائلاً: "ما لقيتش غير الاسم ده"، ثم قصَّ حكايته معه منذ البداية، وقال: عرفته وهو ضابط صغير، وكنت وكيلَ نيابة، وكانت معاملتي الشديدة مع الضباط تجعل أيَّ ضابط يفكر ألف مرة قبل المجيء إليَّ، وكان فؤاد علام يقول لي: إن الضباط كانوا يقولون "يا ترى مين اللي هايضيع على إيديه النهاردة"، وكان معروفًا عني أني كنت أوقف التحقيق حتى أفرغ من الصلاة، لكن لم يكن اتجاهي قد عُرف، وأحَسَّ فؤاد علام باطمئنان لي، واعترف بعد التقارب بيني وبينه أنه كان في جماعة الإخوان، وأنه ظل بها حتى التحاقه بكلية التجارة، وأنه دخل مع الجماعة في رحلة بالسودان، ثم التحق بالشرطة بعد ذلك، وبدخوله الشرطة انقطعت علاقته بالجماعة بعد ذلك.

بعدها اختير ليكون قائدًا لمعتقل لأنه كان مستقيمًا جادًّا لا يرتشي، وجاء ليزورني، وأوصيته وصايةً عامةً وهو في المعتقل، ثم أرسل إليَّ خطابًا يستأذنني في أن يقدِم على عمل فهمت منه أنه يريد فتح أبواب المعتقل ليخرج منه الإخوان المعتقلون وردَدت عليه قائلاً: "لا.. لأنهم هايلمُّوك معاهم تاني، وأجّل أي عمل تعمله في أي وقت آخر"، وما زال خطابه عندي حتى الآن، والذي يصف فيه الحكومة بأنها عصابة همجية، ورجع بعد ذلك وعانقني، ونص الخطاب موجود في كتاب لي بعنوان "عندما يحكم الطغاة" في عنوان مكتوب: إن خان فلن أخون، وقلت إنه يشرئب بقامته الطويلة ليكون مع الصادقين، لكنه بعد ذلك أخلد إلى الأرض فاتبع هواه، ثم وضعت نقاطًا، وأردفت قائلاً: "ولكن قولوا له إن خان فلم أخُن".

* وما سرّ تحوله بعد كل ذلك لينقلب على الإخوان أشد انقلاب؟

** التحول في ظني أنه ظلَّ متماسكًا حتى التحق بجهاز الأمن العام (أمن الدولة حاليًّا)، وأنا ذهبت لمجلس الدولة ومر 4 سنوات وكان لقاؤنا قليلاً جدًّا أثناءها، ثم جرى القبض عليَّ وعرفوا اسمه وأنه على صلة بي، وكان القائمون على أمر القبض والتحقيق في السجن الحربي مباحث عسكرية تابعة للمشير، وهو مباحث أمن دولة تابعة لوزير الداخلية، ومن ثم لعلي صبري، وهذا حزب آخر مضاد، كان عبد الناصر يوقعهما مع بعضهما البعض، وبالتالي فالفرصة سنحت لإيذاء أحد تابعي الداخلية عن طريقي، فساومت عليه مساومة ما كان يمكن احتمالها لولا فضل الله ورحمته، وكانت أي كلمة بسيطة تكفي أن يُلقى القبض عليه؛ حيث يكفي ذكر الاسم كاملاً، ورفضت ذكر اسمه، وهو سرّ كلمة إن خان فلن أخون التي ذكرتها في كتابي.

وفي ليلة جاء فيها قائد الشرطة العسكرية برتبة لواء وقائد المباحث العسكرية برتبة عقيد والضابط القائم على تعذيبي على مدار شهرين وعملوا مجلسًا عسكريًّا وآذوني، وقالوا لي: إن لم تتحدث عن فلان وفلان فأنت الليلة ميت وأكرمني الله بنكتة رفعت عني هذا الاسم؛ وكان بعد لجوء شديد لله سبحانه وتعالي؛ ففتح الله علي ساعتها في موقف كرب وقلت: تبعي أسرة من المباحث العسكرية؛ فاستغرب اللواء وقال أليسوا مباحث عامة؟ ثم قال من؟ قلت أولهم الرائد حسن كفافي؛ رغم أنه كان يعذبني منذ شهرين فحاول الهجوم علي فقالوا له إياك أن تتحرك لأنك متهم والثاني عاصم العطر كان يمارس التعذيب في معتقلي الإخوان في الحجرة المجاورة والثالث محيي الدين علي عشماوي وكانت الأسماء صحيحةً وعرفوا أن الأسر الإخوانية بدأت تكون 3 أفراد فقط؛ وقلت دليلاً يدل على غبائهم فكنت أعمل وكيل نيابة لكن عقليتهم غبية وكتبت كتاب عن (هذا الغباء يحكم مصر) من كثرة ما رأيت، المهم ذكرت لهم الدليل على صدق كلامي وقلت إن كفافي كان يعمل في عابدين على يمينه أحمد وشماله محمد فقالوا له أخرج نفسك يا حسن؛ هذه النكتة أنهت معاناة شهرين من تعذيبي وتوقعوا أن لي جهازًا يتبعني في الجيش والمباحث العامة نجاني الله بنكته ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (المدثر: من الآية 31)، وزارني أبي وقال: اطمئن سينجيك الله، فنجاني الله بهذه النكتة.

* وما علاقة فؤاد علام بمقتل كمال السنانيري؟

** لمَّح لي علام أن وزير الداخلية استدعاه، وقال لي: "ما تعرفش إيه اللي حصلي بسببك" وبعد التحقيق معه أطلقوا سراحه، وكان ضابط أمن دولة في جهاز مكافحة الشيوعية، وكان هناك ذكاء في ذلك لأنه كان يكره الشيوعية جدًّا، فلما حدثت الصلة بي، وضعوه في جهاز مكافحة النشاط الإسلامي، ورأيت بعيني في يوم خروجي بعد 8 سنوات- حيث كان لا بد أن نمر على أمن الدولة وكان يريد أن ينال شرف أني أمر عليه هو- فرأيت لافتةً مكتوبًا عليها (إدارة مكافحة النشاط الديني)، وكان يرأسها علام برتبة عميد وتخرج وهو لواء على يدي وقلت له: "مش عيب إن البلد فيها أزهر شريف ودينها الإسلام ويكون فيها إدارة لمكافحة النشاط الديني"؛ وعندما ذهبت المرة الأخرى التي أتيح فيها أن أرى اللافتة، أضاف كلمة المتطرف إلى جملة النشاط الديني؛ وأنا أستنتج أنه انقلب لأنهم عرفوا صلتي به، فأراد إثبات عكس ذلك بطريقة عملية فأبرح في التعذيب حتى أنه شارك في خنق كمال السنانيري، وواجهته بذلك بالاشتراك مع رئيس مباحث أمن الدولة وقتها حسن أبو باشا ووزير الداخلية وقتها زوج المغنية فايدة كامل وكانت دفعتي واسمها عواطف محمود كامل.

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة