أخبار النافذة

مقالات

مِن ذِكرى يناير كنتُ فى الثانية والعشرين

بقلم: محمد علي

كنت في الثانية والعشرين من عمري، كانت هناك روح وطنية جياشة كانت هناك حماسة شباب متوقد للعمل والتضحية، أكثر من حماسته لطلب العلم والدراسة والتأهُل.

ولكن لم أكن فى هذا السن احمل الفهم الكامل لم أكن امتلك تلك الحكمة المطلوبة فضلا عن التنبؤ الاستباقي للأحداث، كان كل شيء حولي يسير على نحو التقليد والبطء والحذر والخوف.

إن الرغبة الجارفة التي تعصف بالإنسان نحو التغيير، تصارع دوما خوفه من المجهول بعد هذا التغيير، وتقاتل رتابة عاداته وتقاليده.

إن الكلمات لا يمكنها أن تبين وتفصح عن كل هذه المشاعر المتقاتلة فى داخلنا, الفرح والحزن، الأمل واليأس، الرغبة والرهبة، القوة والضعف، القدرة والعجز، الحرية والعبودية، الوحدة والفرقة، .....الخ

كنت من قرى أحد أقاليم محافظات مصر الشمالية، كنت أتردد على ميدان التحرير بين اليوم والآخر كنت أبيت في الميدان الليلة أو ليلتين ثم أعود إلي بلدي وهكذا، خلال أيام الثورة. كان معي بعض أصدقائي على نفس الحال، كان الطقس باردا مساء في الميدان ولكن الجو كان دافئ بالأخوة والتضحية والعمل.

بطبيعتي لا أحب كثير الكلام، ولكنني أُجيد الإنصات، كان الكلام كثيرا حول ما يحصل وما يجب فعله ، فى احد المرات كنا فى طريق العودة إلى القرية، كان الناس يتجادلون حول ما يحصل، وكان يجلس بجواري رجل تبدو عليه سمات الوقار، لم يشارك فى الحوار. سألته لماذا لا تشارك وتبدى رأيك؟ قال: قد جاوزت الخمسين، أنا أعيش مع هذا النظام منذ ثلاثين سنة أرى كل جرائمه، لم أحرك ساكنا ولم أفكر أن أغير شيئا، من تحرك الآن هم الشباب وهم الأحق الآن بالكلام وإدارة الحوار. انتهى كلامه.

كانت رسالته بضرورة الاستعداد لتحمل الأمانة، كانت رسالة بسيطة لكنها عميقة، كانت تحمل معها تنبأً بأحد أخطر المشكلات التي واجهتها الثورة، الحرب الخفية بين العقل السريع والعقل البطيء. بين الذي يريد أن يتمرد على كل ما هو قديم مرة واحدة الآن ليس غدا، وبين الذي عاش عقودا يتعايش مع هذا النظام.

لم تكن مثل هذه المناقشات ذات بناء معرفي وخلفية فكرية علمية أو حتى أكاديمية، كانت مجرد فرحة الحرية التي ملئت حياة الناس بالحوارات السياسية من غير سند ومن غير خطة، كانت العواطف الجياشة تسوق الناس نحو التطلع إلى مستقبل مزدهر وحياة سعيدة، لم لا لقد بلغنا أهم أسباب الحياة السعيدة إنها الحرية.

كان الميدان مليئا بهذه الروح، كانت الأغاني الوطنية التي أعتدنا عليها فى المناسبات السنوية العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر وغيرهم لها وقع متفجر فى وجدان الجماهير الثائرة، كنا نسمع تلك الأغاني كأن لم نسمعها من قبل، كانت الهتافات الجديدة لها أثر ساحر، لم يكن اللسان معتادا عليها، لكنه سرعان ما ألفها وصرخ بها ولها، كانت تنادى بالحرية والكرامة والإنسانية والعدالة.

الآن بعد عشر سنوات، لا أعرف هل الثورة هى التي صنعت تلك الهتافات وأحيت تلك القيم الإنسانية، أم أن حاجتنا إلى تلك القيم والمبادئ الإنسانية هى التي ساهمت فى إشعال الثورة.

إن كانت هذه القيم الإنسانية هى الطريق نحو الحرية والكرامة والعدالة، فلا بد لنا من معرفة كيفية إعادة بناء منظومة القيم تلك فى مجتمعاتنا وترسيخها فى نفوسنا.

وإن كانت الثورة هى التي أحيت تلك القيم الإنسانية، فأنعِم بها من ثورة، ف اللهم ثورة إنسانية اجتماعية أخلاقية فكرية علمية أدبية.

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة