أخبار النافذة

دعوة

تربية الأولاد في الإسلام (10)

طالع ما سبق نشره :
(1) (2) (3) (4) (5) (6) (7) (8) (9)
 
بقلم : الشيخ عبد الله علوان

 

الجزء الثاني

الفصل الخامس - مسؤولية التربية النفسية

تمهيد

المقصود بالتربية النفسية: تربية الولد منذ أن يعقل على الجرأة والصراحة، والشجاعة، والشعور بالكمال، وحب الخير للآخرين، والانضباط عند الغضب، والتحلي بكل الفضائل النفسية والخلقية على الإطلاق..
والهدف من هذه التربية تكوين شخصية الولد وتكاملها واتزانها.. حتى يستطيع – إذا بلغ سن التكليف – أن يقوم بالواجبات المكلف بها على أحسن وجه، وأنبل معنى.
وإذا كان الولد – منذ أن يولد – أمانة بيد مربّيه، فالإسلام يأمرهم ويحتم عليهم أن يغرسوا فيه منذ أن يفتح عينيه أصول الصحة النفسية التي تؤهله لأن يكون إنساناً ذا عقل ناضج، وتفكير سليم، وتصرّف متزّن، وإرادة مستعلية..
وكذلك عليهم أن يحرروا الولد من كل العوامل التي تغض من كرامته واعتباره، وتحطم من كيانه وشخصيته، والتي تجعله ينظر إلى الحياة نظرة حقد وكراهية وتشاؤم..
وأرى أن من أهم العوامل التي يجب على المربين أن يحرروا أولادهم وتلامذتهم منها هي الظواهر التالية:
1- ظاهرة الخجل
2- ظاهرة الخوف.
3- ظاهرة الشعور بالنقص
4- ظاهرة الحسد.
5- ظاهرة الغضب[1].

وإن شاء الله في هذا الفصل فسنستعرض كل ظاهرة على حدة بشيء من التفصيل، ثم نتطرق للعلاج على ضوء ما جاء في الإسلام، ثم نرشد إلى ظاهرة الفضيلة التي تحل محلها، والله الموفق وهو المستعان..
[1] اقترح بعض الإخوة أن أضيف هذه الظواهر (ظاهرة التسيب) "اللامبالاة"، و (ظاهرة التهور)، ولكن جاء الاقتراح أثناء تقديم هذا الكتاب للطبع، وإن شاء الله فستكون الإضافة في الطبعات القادمة إن وفق الله.
ظاهرة الخجل
من المعلوم أن ظاهرة الخجل من طبيعة الأطفال (ولعل أُوْلى أماراته تبدأ في سن الأربعة أشهر، وأما بعد كمال السنة فيصبح الخجل واضحاً في الطفل، إذ يدير وجهه أو يغمض عينيه أو يغطي وجهه بكفيه إن تحدث شخص غريب إليه)[1].
(وفي السنة الثالثة يشعر الطفل بالخجل عندما يذهب إلى دار غريبة، فهو قد يجلس هادئاً في حجر أمه أو إلى جانبها طوال الوقت لا ينبس ببنت شفة)[2].
وتلعب الوراثة دورها في شدة الخجل عند الأطفال، ولا ينكر ما للبيئة من أثر كبير في ازدياد الخجل أو تعديله، فإن الأطفال الذين يخالطون غيرهم، ويجتمعون معهم يكونون أقل خجلا من الأطفال الذين لا يخالطون ولا يجتمعون!!..
المعالجة لا تتم إلا أن نعوّد الأولاد على الاجتماع بالناس.. سواء جلب الأصدقاء إلى المنزل لهم بشكل دائم، أو مصاحبتهم لآبائهم في زيارة الأصدقاء والأقارب، أو الطلب منهم برفق ليتحدّثوا أمام غيرهم سواء كان المُتحَدّث إليهم كباراً أو صغاراً!!..
وهذا التعويد – لا شك – يضعف في نفوسهم ظاهرة الخجل، ويكسبهم الثقة بأنفسهم، ويدفعهم دائماً إلى أن يتكلموا بالحق لا يخشون في سبيل ذلك لومة لائم.
وهذه بعض الأمثلة التاريخية والأحاديث النبوية التي تعطي للمربين جميعاً القدوة الصالحة في تربية السلف الصالح أبناءهم على الجرأة، ومعالجة ظاهرة الخجل في نفوسهم:
(أ) روى البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما – وكان دون الحُلُم – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة".
وفي رواية: فأردت أن أقول: "هي النخلة" فإذا أنا أصغر القوم.
وفي رواية: "ورأيت أبا بكر وعمر ولا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما قمنا حدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قُلْتَها أحبّ إليّ من أن يكون لي حُمْرُ النّعَم".
(ب) وروى مسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ (أي مسنّين).
فقال للغلام: "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟".
فقال الغلام: لا والله، ولا أوثر بنصيبي منك أحداً.
(ج) وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما – وكان دون الحُلم – أنه قال: كان عمر رضي الله عنه يدخلني – أي في أيام خلافته – مع أشياخ بدر (أي في المشورة)، فكأنّ بضعهم وجد في نفسه (أي غضب)، فقال لِمَ يدخُل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟
فقال عمر: إنه من حيث قد علمتم[3]!!..
فدعاني ذات مرة، فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
قال: ما تقولون في قوله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح...}؟
فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً.
فقال لي: أكذلك تقول: يا ابن عباس؟
فقلت: لا.
قال: فما تقول؟
قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: {إذا جاء نصر الله والفتح...}، وذلك علامة أجلك {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً}.
فقال عمر رضي الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تقول.
(د) ومرّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة في طريق من طرق المدينة، وأطفال هناك يلعبون، وفيهم عبد الله بن الزبير وهو طفل يلعب، فهرب الأطفال هيبة من عمر، ووقف ابن الزبير ساكتاً لم يهرب.
فلما وصل إليه عمر قال له: لِمَ لم تهرب مع الصبيان؟
فقال على الفور: لست جانياً فأفِرَّ منك، وليس في الطريق ضيق فأوسّعَ لك.
إنه جواب جريء وسديد.
(هـ) ورأى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ولداً له في يوم عيد، وعليه ثوب خَلق – أي قديم – فدمعت عيناه، فرآه ولده، فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟
قال: يا بني، أخشى أن ينكسر قلبك إذا رآك الصبيان بهذا الثوب الخَلق؟!!.
قال: يا أمير المؤمنين، إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، أو عق أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضياً عني برضاك.
(و) ودخل على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في أول خلافته وفود المهنئين من كل جهة، فتقدم من وفد الحجازيين للكلام غلام صغير لم تبلغ سنّه إحدى عشر سنة.
فقال له عمر: ارجع أنت، وليتقدم من هو أسنّ منك!!.
فقال الغلام: أيّد الله أمير المؤمنين، المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر – يا أمير المؤمنين – بالسنّ لكان في الأمة من هو أحق منك بمجلسك هذا!!..
فتعجب عمر من كلامه وأنشد:
تعلّم فليس المرء يولد عالماً
وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإنّ كبير القوم لا علم عنده
صغير، إذا التفّت عليه المحافل
(ز) ومما تناقلته كتب الأدب أن صبيّاً تكلم بين يدي الخليفة المأمون فأحسن الجواب. فقال له المأمون: ابن مَنْ أنت؟ فقال الصبي: ابن الأدب يا أمير المؤمنين!!..
فقال المأمون: نعم النسب، وأنشد يقول:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
يُغنيك محمودُه عن النسب
إن الفتى من يقول: ها أنذا
ليس الفتى من يقول: كان أبي
(ح) ودخل المأمون مرة بيت الديوان فرأى غلاماً صغيراً على أذنه قلم.
فقال له: من أنت؟
قال: أنا الناشئ في دولتك، والمُتقلّب في نعمتك، والمؤمّل لخدمتك أنا الحسن ابن رجاء. فعجب المأمون من حسن إجابته، وقال: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته.
(ط) قحطت البادية في أيام (هشام بن عبد الملك)، فقدمت عليه العرب فهابوا أن يتكلموا وكان فيهم (درواس بن حبيب) وهو إذ ذاك صبي فوقعت عليه عين هشام، فقال لحاجبه: ما يشاء أحد يدخل عليّ إلا دخل حتى الصبيان؟!.
فقال الصبي: يا أمير المؤمنين! إنا أصابتنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة نقّت العظم (أي أخرجت مخه) وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرّقوها على عباده، وإن كانت لهم فعَلامَ تحبسونها عنهم؟، وإن كانت لكم فتصدّقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين.
فقال هشام: ما ترك لنا هذا الغلام في واحدة من الثلاث عذراً، فأمر للبوادي بمائة ألف درهم، وله بمائة ألف درهم.
فقال الصبي: ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب، فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم.
فقال هشام: أما لك حاجة؟ قال الصبي: ما لي حاجة فيّ خاصة دون عامة المسلمين! فخرج الصبي وهو من أنبل القوم وأكرمهم.
فيؤخذ من هذه الأمثلة التي سردناها أن أبناء السلف كانوا يتربون على التحرر التام من ظاهرة الخجل، ومن بوادر الانكماش والانطوائية، وذلك بسبب تعويدهم على الجرأة، ومصاحبة الآباء لهم حضور المجالس العامة، وزيارة الأصدقاء، ثم بالتالي تشجيعهم على التحدث أمام الكبار، ثم دفع ذوي النباهة والفصاحة منهم لمخاطبة الخلفاء والأمراء، ثم استشارتهم في القضايا العامة، والمسائل العلمية في مجمع من المفكرين والعلماء.
وهذا كله مما ينمّي في الأولاد الجراءة الأدبية ويغرس في نفوسهم أنبل معاني الفهم والوعي، ويهيب بهم في أن يتدرجوا في مدارج الكمال وتكوين الشخصية، والنضج الفكري والاجتماعي..
فما على المربين اليوم – ولا سيما الآباء – إلا أن يأخذوا بقواعد هذه التربية الفاضلة حتى ينشأ الأولاد على الصراحة التامة، والجرأة الكاملة ضمن حدود الأدب والاحترام ومراعاة شعور الآخرين، وإنزال الناس منازلهم.. وإلا فإن الجرأة ستنقلب إلى وقاحة، والصراحة إلى قلة أدب مع الآخرين.
وعلينا أن نميز بين الحياء والخجل للفرق الواضح بينهما:
فالخجل – كما مر – هو انكماش الولد وانطواؤه وتجافيه عن ملاقاة الآخرين. أما الحياء فهو التزام الولد مناهج الفضيلة وآداب الإسلام.
فليس من الخجل في شيء أن نعوِّد الولد منذ نشأته على الاستحياء من اقتراف المنكر، وارتكاب المعصية.
وليس من الخجل في شيء حين نعود الولد على توقير الكبير، وغض البصر عن المحرمات، وكف الأذن أن تسترق سرّاً، أو تكتشف خبئاً.
وليس من الخجل في شيء حين نعوده على تنزيه اللسان بأن يخوض في باطل، وعلى فطم البطن عن تناول المحرمات، وعلى صرف الوقت في طاعة الله، وابتغاء مرضاته!!..
وهذا المعنى من الحياء هو ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال – فيما رواه الترمذي - :"استحيوا من الله حق الحياء، قلنا: إنا نستحيي من الله يا رسول الله – والحمد الله – قال: ليس ذلك.. الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياء، وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك استحياء من الله حق الحياء".
وقال – فيما رواه الإمام أحمد - :"اللهم لا يدركني زمان لا يُتبَعُ فيه العليم، ولا يُستحيا فيه من الحليم".
وقال – فيما رواه الإمام مالك - :"إن لكل دين خُلُقاً، وخُلُق الإسلام الحياء".
[1] من كتاب المشكلات السلوكية عند الأطفال للدكتور نبيه الغبرة ص 153.
[2] من كتاب المشكلات السلوكية عند الأطفال للدكتور نبيه الغبرة ص 153.
[3] أي ممن خصه عليه الصلاة والسلام بالدعاء له: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
ظاهرة الخوف
ظاهرة الخوف حالة نفسية تعتري الصغار والكبار، والذكور والإناث.. وقد تكون هذه الظاهرة مستحبة إن كانت ضمن الحدود الطبيعية لدى الأطفال، لأنها تكون وسيلة في حماية الطفل من الحوادث، وتُجنّبه كثيراً من الأخطار..
ولكن إذا ازداد الخوف عن الحد المعتاد، وتجاوز حدود الطبيعة.. فإنه يسبب في الأطفال قلقاً نفسيّاً، فعنده يعتبر مشكلة نفسية يجب معالجتها والنظر فيها.
يقول المختصون بعلم نفس الأطفال: (إنّ الطفل في السنة الأولى قد يبدي علامات الخوف عند حدوث ضجة مفاجئة أو سقوط شيء بشكل مفاجئ أو ما شابه ذلك.. ويخاف الطفل من الأشخاص الغرباء اعتباراً من الشهر السادس تقريباً، وأما الطفل في سنته الثالثة فإنه يخاف أشياء كثيرة من الحيوانات والسيارات والمنحدرات والمياه وما شابه هذا..
وبوجه عام فإن الإناث أكثر إظهاراً للخوف من الذكور، كما تختلف شدته تبعاً لشدة تخيل الطفل، فكلما كان أكثر تخيلاً كان أكثر تخوّفاً)[1].
ولازدياد الخوف لدى الأطفال عوامل وأسباب، نذكر أهمها:
• تخويف الأم وليدها بالأشباح أو الظلام أو المخلوقات الغريبة.
• دلال الأم المفرط، وقلقها الزائد، وتحسسها الشديد.
• تربية الولد على العزلة والانطوائية والاحتماء بجدران المنزل.
• سرد القصص الخيالية التي تتصل بالجن والعفاريت.
... إلى غير ذلك من هذه العوامل والأسباب.
ولعلاج هذه الظاهرة في الأطفال يجب مراعاة الأمور التالية:
1- تنشئة الولد منذ نعومة أظفاره على الإيمان بالله، والعبادة له، والتسليم لجنابه في كل ما ينوب ويروع.. ولا شك أن الولد يُربّى على هذه المعاني الإيمانية، ويعوّد على هذه العبادات البدنية والروحية.. فإنه لا يخاف إذا ابتلى، ولا يهلع إذا أصيب.. وإلى هذا أرشد القرآن الكريم حين قال:
{إن الإنسان خُلق هلوعاً. إذا مسّه الشر جزوعاً. وإذا مسه الخير منوعاً. إلا المصلين الذين ههم على صلاتهم دائمون} المعارج: 23.
2- إعطاؤه حرية التصرف، وتحمل المسؤولية، وممارسة الأمور على قدر نموّه، ومراحل تطوره، ليدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
3- عدم إخافة الولد – ولا سيما عند البكاء – بالغول والضبع، والحرامي، والجني والعفريت.. ليتحرر الولد من شبح الخوف وينشأ على الشجاعة والإقدام.. ويدخل في عموم الخيرية التي وجه إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله – فيما رواه مسلم – :" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".
4- تمكين الطفل منذ أن يعقل بالخلطة العملية مع الآخرين، وإتاحة المجال له للالتقاء بهم، والتعرف عليهم، ليشعر الطفل من قرارة وجدانه أنه محل عطف ومحبة واحترام مع كل من يجتمع به، ويتعرف عليه، ليكون من عداد من عناهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه بقوله – فيما رواه الحاكم والبيهقي - :"المؤمن آلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس".
ومما ينصح به علماء النفس والتربية: (ولا بأس بأن نجعل الطفل أكثر تعرفاً للشيء الذي يخيفه، فإذا كان يخاف الظلام فلا بأس بأن نداعبه بإطفاء النور ثم إشعاله، وإن كان يخاف الماء فلا بأس بأن نسمح له بأن يلعب بقليل من الماء في إناء صغير أو ما شابهه، وإن كان يخاف من آله كهربائية كمكنسة كهربائية مثلاً فلا بأس بأن نعطيه أجزائها ليلعب بها ثم نسمح له بأن يلعب بها كاملة، وهكذا...)[2].
5- تلقينهم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواقف السلف البطولية، وتأديبهم على التخلّق بأخلاق العظماء من القواد والفاتحين، الصحابة والتابعين.. ليتطبّعوا على الشجاعة الفائقة، والبطولة النادرة، وحب الجهاد، وإعلاء كلمة الله.
ولنستمع إلى ما يقوله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في هذا المعنى: "كنا نعلّم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن".
وسبق أن ذكرنا وصية عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – للآباء في تعليم أولادهم مبادئ الفتوّة والفروسية، ووسائل الحرب والجهاد – حين قال: "علموا أولادكم الرماية والسباحة، ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً".
وسبق أن ذكرنا كذلك في مبحث (مسؤولية التربية الإيمانية) الحديث الذي رواه الطبراني: "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن".. وما هذه التوجيهات من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابة الكرام من بعده.. إلا برهان قاطع على اهتمام الإسلام بتربية الأولاد على الشجاعة، وحثّهم على الإقدام.. ليكونوا في المستقبل جيل الإسلام الصاعد في إشادة صرح الإسلام الشامخ، ورفع منار العزة الإسلامية في العالمين..
وفي المناسبة نقتطف من سيرة أبناء الصحابة الكرام مواقف بطولية خالدة كان لها في التاريخ ذكر، وفي الأجيال قدوة.. وما زالت أخبارهم مضرب الأمثال، وسيرتهم مفخرة الأجيال، ومواقفهم أعجوبة التاريخ:
(أ) لما خرج المسلمون إلى أُحُد للقاء المشركين، استعرض النبي صلى الله عليه وسلم الجيش، فرأى فيه صغاراً لم يبلغوا الحُلم حشروا أنفسهم مع الرجال، ليكونوا مع المجاهدين في إعلاء كلمة الله، فأشفق عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وردّ من استصغر منهم.
وكان فيمن ردّه عليه الصلاة والسلام رافع بن خديج، وسُمرة بن جُندب، ثم أجاز رافعاً لما قيل له: إنه رامٍ يحسن الرماية.
فبكى سمرة وقال لزوج أمه: أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعاً وردّني مع أني أصرعه، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سُمرة، فأجازه عليه الصلاة والسلام.
(ب) لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينه المنورة، وأقاما في غار ثور ثلاثة أيام، عملت عائشة وأسماء بنتا أبي بكر رضي الله عنهم في تهيئة الزاد لهما، وقطعت أسماء قطعة من نطاقها – وهو ما يشد به الوسط – فربطت به على فم وعاء الطعام الذي كانت تحمله، فسميت لذلك: "ذات النطاقين"، وعمل عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما على نقل الأخبار، فلا يسمع من قريش أمراً يبيّونه من المكروه لهما إلا وعاه رضي الله عنه حتى يأتيهما في المساء بخبره، ويبقى عندهما بعض الوقت، ثم يخرج من عندهما بالسّحر، ويصبح مع قريش بمكة كأنه كان نائماً فيها، ومن المعلوم أن عائشة وعبد الله رضي الله عنهما لم يبلغا الحلم بعد.
وهذه شجاعة نادرة لم يقو عليها كثير من الرجال!!..
(ج) أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما.
فغمرني أحدهما فقال: يا عماه!!. أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أُخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده (أي شخصي شخصه) حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمرني الآخر فقال لي أيضاً مثلها، فلم ألبث أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس.
فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، فابتداره بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال أيكما قتله؟
قال كل منهما: أنا قتلتُه، قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا.
قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال: "كلاكما قتله؟ سَلَبه[3] لمعاذ بن عمرو بن الجموح" وكانا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح.. رضي الله عنهما.
(د) وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي: أن امرأة دفعت إلى ابنها يوم أحُد السيف فلم يُطق حمله، فشدته على ساعده بسير مضفور، ثم أتت به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله هذا ابني يقاتل عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أي بنيّ، احمل ها هنا، (أي اهجم ها هنا) فأصابته جراحة، فصُرع، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي بنيّ، لعلك جزعت!! قال الولد: لا يا رسول الله!!..
(هـ) وأخرج ابن سعد في طبقاته، والبزار وابن الأثير في الإصابة عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: رأيت أخي عُمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيردّني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّه لصغره، فبكى فأجازه عليه الصلاة والسلام.
فكان سعد رضي الله عنه يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره. فقتل وهو ابن ست عشرة سنة رضي الله عنه وأرضاه.
فيؤخذ من هذه الأمثلة التاريخية وغيرها.. أن أبناء الصحابة رضي الله عنهم، كانوا على جانب عظيم من الشجاعة الفائقة، والبطولة النادرة، والجهاد الجريء.. وما ذاك إلا بفضل التربية القويمة التي تلقوها من مدرسة النبوة، والبيت المسلم، والمجتمع المؤمن المجاهد الشجاع!!.. بل كانت الأمهات يدفعن بأولادهن غلى ساحات الفداء والجهاد.. ويوم يسمعن خبر النعي، ونبأ الاستشهاد تقول إحداهن قولتها الخالدة: (الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني وإياهم يوم القيامة في مقر رحمته).
وبالتالي كان الآباء يربّون أولادهم منذ الصغر على الفروسية والشجاعة والرجولة والإقدام واقتحام الأخطار والشدائد.. حتى إذا بلغوا سن الحركة والانطلاق – وهم لم يناهزوا الحلم بعد – مضوا في مواكب التحرير والجهاد وابتغاء الرزق دعاة صادقين، وأبطالا مجاهدين، وطلابا للكسب عاملين!!..
ونذكر على سبيل المثال موقفاً نبيلا لغلام مؤمن يسأل أباه أنْ يُمَكّنه ليجوبَ مناكِبَ الأرض ويسعى في أرجائها عسى أن يفتح لنفسه طريق المجد، ويصل إلى قمة السعادة والكرامة.. بل كان يخاطب أباه بأبيات من الشعر تفيض عزة وأنفة وإباء!!..
اقذف السرج على المُـ
ــهر وقرّطه اللجاما
ثم صبّ الدرع في رأ
سي وناولني الحساما
فمتى أطلب إن لم
أطلب الرزق غلاما
سأجوب الأرض أبغيــ
ـه حلالاً لا حراما
فلعل الظَّعن ينفي الفــ
ــقْر أو يُدني الحِماما.
ونشأ هذا الجيل الفريد على هذه الخصال، ودرجوا على هذه المكارم..
لأنهم تربوا منذ نعومة أظفارهم على الرماية والسباحة وركوب الخيل..
لأنهم لم يتربوا على الدلال المفرط، والانطوائية القاتلة.
لأنهم كانوا يشعرون بمسؤولياتهم، والثقة بأنفسهم..
لأنهم تعودوا على الاخشيشان، وألعاب الفروسية، وركوب متن الأسفار..
لأنهم أُدّبوا على أن يخالطوا من كان في سنهم من أبناء عمومتهم وعشيرتهم.
لأنهم كانوا يتلقنون سيرة الأبطال والشجعان، وأخبار الفاتحين والقواد..
إلى غير ذلك من هذه المكارم التي رضعوها، والتربية القويمة التي تلقنوها!!..
وهل يُنبت الخطيَّ إلا وشيجُه
وتُغرَس إلا في منابتها النخل
ويوم يمشي الآباء والمربون على هذا المنهج العظيم الذي مشى عليه جدودنا البواسل والأمجاد..
ويوم يتربى أولادنا على هذه الخصال، وهاتيك المكارم..
ويوم يأخذون بقواعد التربية الصحيحة في تحرير الأولاد من الخوف والجبن والخور..
يوم يفعلون كل هذا، يتحول الجيل يومئذ من القلق إلى الثقة، ومن الخوف إلى الشجاعة، ومن الخور إلى العزيمة، ومن الخنوع والذلّة إلى حقيقة العزة والكرامة..
ويكون متحققاً بقوله تبارك وتعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المنافقين لا يعلمون} المنافقون: 08.
[1] من كتاب المشكلات السلوكية عند الأطفال للدكتور نبيه الغبرة ص 150.
[2] من كتاب المشكلات... ص 152 للدكتور نبيه الغبرة.
[3] السلب: ما يملكه المتقول كعدة للحرب ونحوها.
ظاهرة الشعور بالنقص
الشعور بالنقص حالة نفسية تعتري الأولاد لأسباب خَلْقية ومرضية، أوعوامل تربوية، أو ظروف اقتصادية..
وهذه الظاهرة هي من أخطر الظواهر النفسية في تعقيد الولد وانحرافه وتحوّله إلى حياة الرذيلة والشقاء والإجرام...
وإذا كنا نبحث في أسباب كل ظاهرة وعلاجها على ضوء الإسلام.. فعلينا أن نخصّ هذه الظاهرة بالتفصيل أسباباً وعلاجاً، لأهميتها وخطرها وآثارها..
عسى أن يولي الآباء والأمهات والمربون جميعاً اهتمامهم في اتخاذ الأسباب الوقائية، والوسائل العلاجية في تحرير الولد من كل مركبات النقص، والعُقد النفسية.. ليضمنوا لأولادهم تربية نفسية صحيحة، وتكويناً خلقيّاً سليماً!!..
والعوامل التي تسبب ظاهرة الشعور بالنقص في حياة الولد هي كما يأتي:
1- التحقير والإهانة
2- الدلال المفرط
3- المفاضلة بين الأولاد
4- العاهات الجسدية
5- اليُتْم
6- الفقر.
وإن شاء الله في هذا البحث فسنفند كل عامل بشيء من التفصيل، ثم نعرّج إلى ذكر العلاج على ضوء الإسلام، والله المستعان، ومنه نستمد التأييد والسداد.
o أما عامل التحقير والإهانة فهو من أقبح العوامل في انحرافات الولد النفسية، بل هو من أكبر العوامل في ترسيخ ظاهرة الشعور بالنقص لدى الأطفال.. فكثيراً ما نسمع أن الأم أوالأب (شهّر بالولد حين ينحرف أول مرة عن سنن الأخلاق الكريمة، فإذا كذب مرة ناديناه دائماً بالكذاب، وإذا لطم أخاه الصغير مرة واحدة ناديناه بالشرير، وإذا احتال على أخته الصغيرة فأخذ منها تفاحة كانت بيدها ناديناه بالمحتال، وإذا أخذ من جيب أبيه قلماً ناديناه بالسارق، وإذا طلبنا منه كاس ماء للشرب فأبى ناديناه بالكسول، وهكذا نشهّر به أمام إخوته وأهله من الزلّة الأولى...)[1].
ومن مظاهر التحقير والإهانة في بيئاتنا مناداة الولد بكلمات نابية، وعبارات قبيحة أمام الإخوة والأقارب، وفي بعض الأحيان أمام أصدقاء الولد، أو أمام غرباء ما سبق أن رآهم واجتمع بهم، وهذا – لا شك – مما يجعل الولد ينظر إلى نفسه أنه حقير مهين، ومن سقط المتاع لا قيمة له ولا اعتبار، وهذا – أيضاً – مما يولّد في نفسه العُقْد النفسية التي تدفعه إلى أن ينظر إلى الآخرين نظرة حقد وكراهية.. وأن ينطوي على نفسه فارّاً من أبناء الحياة، منهزماً من تكاليفها ومسؤولياتها!!..
ومن هنا نعلم أية جناية نجنيها على أبنائنا وبناتنا حين نزجّ بهم إلى الحياة في جو هذه التربية الفاسدة المليئة بالأخطاء والمعاملة القاسية.
فيكف نرجو من الأولاد طاعة وبراً، وتوقيراً واحتراماً، واتزاناً واستقامة.. ونحن قد غرسنا في نفوسهم وهم صغار بذور هذا الانحراف أوالعقوق أو التمرد..؟!
• جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنّبه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه عليه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال عمر: بلى! قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟
قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسّن اسمه، ويعلمه الكتاب (القرآن).
قال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي..، وقد سماني جُعَلاً (أي خنفساء)، ولم يعلّمني من الكتاب حرفاً واحداً.
فالتفت عمر إلى الرجل، وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عَقَقْتَه قبل أن يعُفّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.
• ومن طرائف ما ذُكر أن أباً عيّر ولده بأمه، وقال له: أتخالفني وأنت ابن أمَة؟ فقال الولد لأبيه إن أمي والله خير منك يا أبي!!.. قال الأب: لِمَ؟
قال الولد: لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حر، وأنت أسأت الاختيار فولدتني من أمَة!!..
ونحن لا نشك أن الكلمات النابية القبيحة التي تنزلق من الأب للولد لم تصدر إلا من غاية تأديبية إصلاحية.. لذنب كبير أو صغير وقع فيه وبدر منه!!.
ولكن المعالجة لارتكاب هذا الذنب لا تصلح بهذه الحالة الغضبية، والطريقة التعنيفية.. التي تترك آثاراً خطيرة في نفسية الولد وسلوكه الشخصي.. وبالتالي تجعل منه إنساناً يتطبع على لغة السبّ والشتائم، ويتخلق بأخلاق المنحرفين الحمقى.. ونكون بهذه المعاملة القاسية قد جنينا على الولد، وحطمناه نفسيّاً وخُلقيّاً من حيث نعلم أو لا نعلم، بدل أن نعدّه إنساناً متزناً عاقلاً سويّاً يمشي في دروب الحياة على نور العقل والاتزان والاستقامة والحق المبين..
ولكن ما هي معالجة الإسلام للولد إذا وقع منه خطأ أو صدرت هفوة؟
المعالجة الصحيحة أن ننبهه على خطئه برفق ولين، ونقنعه بالحجج الدامغة ، وأن الذي صدر منه لا يرضى به إنسان عاقل ذو فهم وبصيرة وفكر ناضج رزين..
فإن فهم واقتنع وصلنا إلى ما نريد في إصلاح خطئه ومعالجة انحرافه.. وإلا فالمعالجة ستكون بأسلوب آخر كما سيأتي بيانه في بحث (التربية بالعقوبة) في القسم الثالث من كتاب (تربية الأولاد في الإسلام) إن شاء الله.
وهذه الطريقة الرفيعة اللينة في التأديب هي طريقة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وإليكم بعض النماذج في معاملته ولينه ووصاياه:
(أ) روى الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي أمامة أن غلاماً شابّاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه.. ادنُ، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم..
ثم ذكر له العمة والخالة.. وهو يقول في كل واحدة: لا، جعلني الله فداك!..
فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع على صدره، وقال: "اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه" فقام من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس شيء أبغض عليه من الزنى.
(ب) وروى مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السّلمي رضي الله عنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أمّياه!! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمّتونني سكتّ، فلما انتهى عليه الصلاة والسلام من صلاته دعاني، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني.. لكن قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
(ج) وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوه وأريقوا على بوله سجْلاً[2] من ماء، فإنما بُعثتُم ميسّرين، ولم تبعثوا مُعسّرين".
ومن وصاياه عليه الصلاة والسلام في الرفق واللين:
- روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله".
- وروى مسلم عن عائشة كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".
- وروى مسلم عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير كله".
فالذي نخلص إليه بعد ما تقدم أن تحقير الولد وتعنيفه بشكل مستمر دائم – ولا سيما أمام الحاضرين – هو من أكبر العوامل في ترسيخ ظاهرة الشعور بالنقص.. ومن أعظم الأسباب في انحرافات الولد النفسية والخلقية.. وخير علاج لهذه الظاهرة هو تنبيه الولد على خطئه إذا أخطأ برفق ولين مع تبيان الحجج التي يقتنع بها في اجتناب الخطأ.. وعلى المربي إن أراد زجر الولد وتوبيخه ألا يكون ذلك أمام الحاضرين، كما يجب أن يسلك معه في بادئ الأمر الأسلوب الحسن في إصلاحه وتقويم اعوجاجه، وهذه الطريقة هي طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام في الإصلاح والتربية وتقويم الاعوجاج..
o أما عامل الدلال المفرط فهو فهو أيضاً من العوامل الخطيرة في انحراف الولد النفسي والخُلقي.. لما يؤول في الغالب إلى استشعاره بمركّب النقص، ونظرته الحاقدة إلى الحياة.. ومن نتائجه في الأحوال العادية الخجل، والخنوع، وفقدان الرجولة والشجاعة، وضعف الثقة بالنفس، والتدرج نحو الميوعة، والتخلف عن الأقران..
أما كون الدلال المفرط يولد في نفس الطفل ظاهرة الشعور بالنقص، والنظرة الحاقدة إلى الحياة فللاعتبارات التالية:
يرى الناس يتقدمون وهو في ذيل القافلة.
يرى الناس في إقدام وشجاعة وهو في خوف وجبن.
يرى الناس في حركة وعراك ومجاهدة.. وهو في صمت وسكون وجمود..
يرى الناس في تلاق واجتماع وهو في انطوائية وعزلة..
يرى الناس يسمون للمصاعب.. وهو في بكاء وجزع إذا أصابته أدنى مصيبة..
فولدٌ هذا شأنه، وهذه حاله.. هل يكون إنساناً سويّاً؟ وهل يكون عضواً نافعاً للمجتمع؟ وهل تكون نظرته إلى الحياة نظرة أمل وتفاؤل؟ وهل يكون إنساناً ذا شخصية استقلالية يثق بنفسه، ويعتمد عليها؟
فإذا كان الجواب لا !!..
فلماذا يغالي الأبوان في تدليل الولد؟ ولماذا يدلّعانه هذا الدَّلع؟ ولماذا يتعلقان به هذا التعلق الزائد؟ ولا سيما الأم، فإن عندها من الرعاية المفرطة لوليدها أو من الوسوسة إذا صح التعبير.. ما يدفعها إلى أن تُفرِط في احتضان ابنها وتدليله بشكل يخرجها عن المألوف وحدود الاعتدال..
وهذه ظاهرة خطيرة نراها في كثير من الأمهات اللواتي لا يعرفن قواعد التربية الإسلامية في تربية الولد:
• فمن مظاهر هذه التربية الخاطئة عند الأم عدم السماح للولد بأن يقوم بالأعمال التي أصبح قادراً عليها اعتقاداً منها أن هذه المعاملة من قبيل الشفقة والرحمة للولد..
• ومن مظاهر هذه التربية الخاطئة احتضان الولد بشكل دائم، فهي لا تسمح لنفسها – إن كانت فارغة – أن تتركه أبداً سواء أكان الاحتضان له مبرّراته أم لم يكن.
• ومن مظاهر هذه التربية الخاطئة أن لا تترك الأم ولدها يغيب عن ناظريها لحظة واحدة مخافة أن يصاب بسوء.
• ومن مظاهرها أيضاً عدم محاسبتها لولدها حينما يفسد أثاث المنزل، أو عندما يتسلق المنضدة، أو عندما يسوّد الجدار بقلمه..
وتزداد مظاهر التدليل المفرط في نفس الأبوين سوءاً عندما يرزقان الطفل بعد سنوات كثيرة، أو أنجبت الأم هذا الطفل بعد عدة اجهاضات مستمرة، أو كان الطفل ذكراً بعد عدة إناث، أو إن شُفي الطفل من مرض شديد هدد حياته بالخطر المحدق..
ولكن ما العلاج الذي وضعه الإسلام للتخفيف من هذه الظاهرة؟
1- تعميق عقيدة القضاء والقدر في نفس الأبوين، حتى يعتقدا أن ما يصيب أولادهم من صحة أو مرض، أو ما يعرض لهم من نعمة أو شقاء، أو ما يقدر الله عليهم من نسل أو عقم، أو يبتليهم به من غنى أو فقر.. كل ذلك بمشيئة الله سبحانه، وبقضائه وقدره..
- قال تعالى: {ما أصابَ من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} الحديد: 22-23.
- وقال جل جلاله: {لله مُلك السموات والأرض يخلُق ما يشاء يَهبُ لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير} الشورى: 50.
- وقال عز من قائل: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} البقرة: 155-157.
2- التدرج في تأديب الولد، فإن كان ينفع مع الولد النصح والوعظ فلا يجوز للمربي أن يلجأ إلى الهجر، وإن كان ينفع الهجر فلا يجوز له أن يلجأ إلى الضرب.. وإذا عجز المربي عن إصلاح الولد وتقويم اعوجاجه بعد أن اتخذ كل الوسائل التأديبية والزجرية فعندئذ يلجأ إلى الضرب غير المبرِّح.
وإن شاء الله فسيكون البحث وافيّاً مستفيضاً في مبحث (التربية بالعقوبة) في فصل (وسائل التربية المؤثرة في الطفل) في القسم الثالث من كتاب (تربية الأولاد في الإسلام).
3- تربية الولد منذ نعومة أظفاره على الاخشيشان، والثقة بالنفس، وتحمل المسؤولية، والجرأة الأدبية... حتى يشعر الولد بكيانه ووجوده، وحتى يتحسس بواجبه ومسؤوليته..
- أما أن تكون التربية للولد قائمة على الاخشيشان فللحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: "إياكم والتنعّم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعِّمين".
- وأما أن تكون التربية قائمة على الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية فلعموم الحديث الذي سبق ذكره: "كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته"، فهو يشمل الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والحاكم والمحكوم..
ولتوجيه عمر رضي الله عنه فيما رواه البيهقي: "علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثباً".. ومن المعلوم أن الولد – وهو صغير – حين يتعلم كيف يسبح؟ وكيف يرمي؟ وكيف يركب الخيل؟ يكون قد وثق بنفسه، وشعر بوجوده وشخصيته، وبالتالي تدرج على تحمل المشاق والمسؤوليات..
- وأما أن تكون التربية قائمة على الجُرأة الأدبية فلحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة في المنشط والمكره في العسر واليسر.. وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم..". ولا شك أن هذه المبايعة تشمل الصغار والكبار، والرجال والنساء..
وسبق أن ذكرنا في فصل (مسؤولية التربية الجسمية) أهم الوصايا النبوية، وأبرز التعاليم الإسلامية في تربية أجسام الأولاد.. وكلها – لا شك – تعويد لهم على الثقة بالنفس، وتحمل الأمانة والمسؤولية وإشعار للواحد منهم أنه إنسان ذو شخصية وكرامة وكيان!!..
4- الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو صغير إلى أن ترعرع شاباً إلى أن بعثه الله نبيّاً لأن الله سبحانه أدّبه فأحسن تأديبه، وشمله برعايته، وصنعه على عينه..
وها نحن أولاء سنسرد بعض النماذج في كل مراحل حياته – ولا سيما سن الطفولة والشباب – لتكون للمربين هداية ونبراساً، وللأجيال المؤمنة قدوة وأسوة:
- كان عليه الصلاة والسلام في صغره يرعى الغنم، يقول صلى الله عليه وسلم عن نفسه فيما رواه البخاري: "ما بعث الله نبيّاً إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟! فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط[3] لأهل مكة".
- وكان صلى الله عليه وسلم في صغره يلعب مع الغلمان.. روى ابن كثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان، كلنا قد تعرّى وأخذ إزاره، وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم – ما أراه – لكمة وجيعة، ثم قال: شدّ عليك إزارك، قال: فأخذته فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري عليّ من بين أصحابي".
- وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بعملية البناء. روى البخاري ومسلم: "ولما شبّ صلى الله عليه وسلم وبنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة مع أشراف قريش لبنائها، فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة، ففعل فخرّ إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام، فقال: "إزاري، إزاري"، فشدّ عليه إزاره، وقال "إني نهيتُ أن أمشي عرياناً"، وهذا دليل عصمته قبل النبوة.
- وكان صلى الله عليه وسلم يخرج للسفر والتجارة، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام سافر مرتين: مرة قبل البلوغ مع عمه أبي طالب، والمرة الثانية بعد البلوغ بتوجيه خديجة رضي الله عنها.
- وكان صلى الله عليه وسلم في صباه ذا جرأة متناهية ذكرت كتب السّيَر أنه عليه الصلاة والسلام استُحلف باللات والعزّى وهو صبيّ، فقال للمستحلف: لا تسألني بهما شيئاً، فوالله ما بغضت شيئاً بُغضي لهما.
- وكان صلى الله عليه وسلم قد شارك في الحرب وهو دون الحلم، فمما ذكرته كتب السير أنه كان عليه الصلاة والسلام يُنْبِل على أعمامه في حرب الفجار.
- وكان صلى الله عليه وسلم ذا رأي وحصافة، فاحتُكم إليه وهو شاب، فمما تناقلته كتب السير أن قريشاً حكّمته في وضع الحجر الأسود، ولقد أعجبت برأيه وحكمه وحصافته!!..
ويكفيه صلوات الله وسلامه عليه فخراً وشرفاً أن يتربى – وهو اليتيم الصغير – على خير ما تتحلى به النفوس من كريم الخصال، وحميد الصفات، وجميل العادات.. فلم يسجد لصنم ولم يشارك الجاهلية في مفاسدها، ولم يذق شيئاً من لحوم قرابينها.
ولا عجب أن ينسب ذلك إلى ربه الذي أحاطه بعنايته، وصنعه على عينه، وتولى تأديبه فقال عليه الصلاة والسلام: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" رواه العسكري.
فهذه اللمحات الخاطفة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في طفولته، وعن عصمته وأخلاقه في شبابه.. مشاعل هداية في تبيان المنهج التربوي الذي يجب أن يسلكه المربون مع أبنائهم.. ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام قدوة صالحة في طفولته وشبابه، وفي رجولته وكهولته، فأولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
والذي نخلص إليه بعدما تقدم أن ظاهرة الدلال المُفرط هي من أكبر العوامل في انحراف الولد النفسي، لكونها تؤدّي في كثير من الأحيان إلى مركب الشعور بالنقص في حياة الطفولة وبعدها.
فما على الأبوين – ولا سيما الأم – إلا أن يمشوا على السنن التي وضعها الإسلام في تربية الأولاد.
والتي منها الاعتدال في محبة الولد، والتعلق به، والتسليم لله في كل ما ينوب ويروع.
والتي منها أن يكون التأديب للولد في سن التمييز على حسب ما تقتضيه مصلحة التربية بالعقوبة.
والتي منها أن تكون التربية للولد قائمة على أسس الاخشيشان، والاعتماد على النفس، وتحمل المسؤولية، وتنمية الجرأة الأدبية.
والتي منها التأسي بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم الطفل باعتبار أنه قدوة قبل النبوة وبعدها.
ويوم يسير المربون على هذه السنن، ويلتزمون هذه القواعد يكونون قد حرّروا من لهم عليهم حق التربية من العوامل التي تؤدي إلى تحطيم الشخصية، وهدر الكرامة الإنسانية، ويكونون كذلك قد رفعوا من مستوى الولد النفسي والأخلاقي والعقلي، وأصبح في الحياة إنساناً سوياً!!..
o أما عامل المفاضلة بين الأولاد فهو كذلك من أعظم العوامل في انحراف الولد النفسي سواء أكانت المفاضلة في العطاء أم في المعاملة أم في المحبة؟..
وهذه الظاهرة لها أسوأ النتائج في انحرافات الولد السلوكية والنفسية.. لأنها تولد الحسد والكراهية، وتسبّب الخوف والحياء، والانطواء والبكاء.. وتورث حب الاعتداء والمشاجرة والعصيان.. وتؤدي إلى المخاوف الليلية، والإصابات العصبية، ومركبات الشعور بالنقص..
وكم كان المربي الأول صلوات الله وسلامه عليه حكيماً، ومربيّاً اجتماعياً عظيماً حين أمر الآباء أن يتقوا الله ويعدلوا بين أولادهم؟!.
- روى ابن حبّان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رحم الله والداً أعان ولده على برّه".
- وروى الطبراني وغيره: "ساووا بين أولادكم في العطية".
- وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلتُ ابني هذا – أي أعطيته – غلاماً كان لي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكُلَّ ولدك نحلْتَه مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه.
وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال عليه الصلاة والسلام: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم". فرجع أبي فردّ تلك الصدقة.
وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. قال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تُشهِدني إذن فإني لا أشهد على جور – أي ظلم – ثم قال: أيسرّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذن.
- وروى أنس أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا سويت بينهما؟".
فيؤخذ من هذه التوجيهات النبوية الكريمة مبدأ تحقيق العدل، والمساواة والمحبة.. فيما بين الأولاد.. دون أن يكون لعنصر التفريق أو التمييز مكان بينهم.
نعم! .. قد يكون لعدم محبة الطفل، والعناية به أسباب ظاهرة:
كأن يكون الطفل من الجنس غير المرغوب فيه جهلاً لكونه أنثى.
أو يكون قليل الحظ من الجمال أو الذكاء.
أو يكون مصاباً بعاهات جسمية ظاهرة. أو .. أو ...
ولكن كل هذه الأسباب الخَلْقية والخُلقية لا تعد مبررات – في نظر الشرع لكراهية الولد، وتفضيل إخوته عليه.
وكم يكون الأبوان ظالمين وجائرين حينما ينهجان مع الولد هذا النهج السيء، ويعاملانه هذه المعاملة القاسية؟
ما ذنب الطفل إن ولد في الحياة وهو أنثى؟
وما جريمته إن كان دميم الوجه؟
وما جريرته إن لم يخلق على ذكاء فارط؟
وما الذي جناه إن كان بطبعه كثير الحركة والتنقل والمشاغبة؟
وما مسؤوليته إذا قُدِّر له – وهو صغير – أن يصاب بعاهات جسدية ظاهرة؟
فإذا كان المربون حريصين على سلامة أبنائهم من العقد النفسية، ومركبات الشعور بالنقص، وآفات القلوب من حقد وحسد وفساد طوّية.. فليس أمامهم من سبيل سوى أن ينفذوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم"، وأن يرضوا بما قسمه الله لهم من معطيات البنين أو البنات.. وعليهم كذلك أن يسعوا جهدهم في إشعار أولادهم جميعاً روح المحبة والأخوة والتسامح والمساواة.. حتى ينعموا في ظلال العدل الشامل، والنظرة الرحيمة، والعطف الصادق، والمعاملة العادلة..
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل في الحديث الذي رواه ابن حبان: "رحم الله والداً أعان ولده على بِرّه".
o أما عامل العاهات الجسدية فهو أيضاً من العوامل الكبيرة في انحراف الولد النفسي، لما يؤول في الغالب إلى الشعور بالنقص، والنظرة الحاقدة إلى الحياة..
فالولد حين يصاب – منذ الصغر – بعاهة جسدية كالعور، أو الصمم، أوالعته، أو التهتهة ونقص النطق.. فينبغي أن يلقى ممن يعيشون حوله من أب وأم وإخوة وأقرباء وجيران وأصدقاء وأهل.. كل رعاية وعطف ومحبة، وأخلاق سمحة رضية، وتعاطف حسن جميل.. تحقيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وأبو داود: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وقوله فيما رواه الترمذي وابن حبان: "أكَملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً".
ولكن حين يخاطب المصاب بعاهة العور يا أعور، وبعاهة الصمم يا أطرش، وبعاهة العُته يا أجدَب، وبعاهة نقص النطق يا أخرس..
فمن البديهي أن تتولّد لدى الولد الواعي المميز مركبات الشعور بالنقص وآفات العُقد النفسية.. فلا عجب أن نراه في حالة يُرثى لها من الصراع النفسي، والحقد الاجتماعي، والنظرة المتشائمة للحياة..
لهذا وجب على المربين أن يعالجوا مشكلة عاهات أبنائهم بالأسلوب الحكيم، والتربية الصالحة، والمعاملة الرحيمة، والمراقبة التامة.. على أساس أن قيمة الإنسان في دينه وأخلاقه لا في شكله ومظهره..
• فأول خطوات هذه المعالجة أن ينظروا إليهم نظرة حب ورحمة، وأن يخصوهم بالعناية والرعاية، وأن يشعروهم أنهم متميزون عن غيرهم بالذكاء والمواهب، والعلم والخبرة، والنشاط والحيوية.. فهذه النظرة إليهم، والإشعار لهم يزيل في نفوسهم آفة الشعور بالنقص، بل يندفعون بكليتهم – بكل ثقة واطمئنان – نحو العمل البنّاء، والإنتاج المثمر.
• وثاني خطوات هذه المعالجة أن يقوم المربون بواجب النصح والتحذير لكل من كان حول المصاب من خلطاء سواء أكانوا أقارب أم أباعد؟ حيث يحذرونهم مغبة التحقير والإهانة، ونتائج الاستهزاء والسخرية، وما تتركه من أثر سيء في نفوسهم، وما تحدثه من مضاعفات أليمة في أعماق أحاسيسهم ومشاعرهم..
وعلى المربين حين يوجهون وينصحون، أن يبينوا لكل من يجتمع بالمصاب منهج المربي الأول صلوات الله عليه في دعوته الكبرى إلى وحدة اجتماعية متينة متراصة تقوم دعائمها على الصفاء والمحبة، وتتركز أسسها على التوقير والاحترام..
وهذه أسس منهجه عليه الصلاة والسلام في تحذيراته من كل ما يمس الكرامة الإنسانية، ويحطم الشخصية المسلمة، ويمزق الوحدة الاجتماعية المتراصة..
- فمن تحذيراته عليه الصلاة والسلام من آفات اللسان قوله فيما رواه البخاري: "وإن العبد ليتكلم بالكلمة لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم"، وقوله: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزلّ إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب".
- ومن تحذيراته صلى الله عليه وسلم من التحقير بالشماتة قوله فيما رواه الترمذي: "لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك".
- ومن تحذيراته صلى الله عليه وسلم من التحقير بالإشارة توجيهه لعائشة رضي الله عنها فيما رواه أبو داود والترمذي، قالت عائشة: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفيّة كذا وكذا (تشير أنها قصيرة) فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد قلت كلمة لو مُزِجت بماء البحر لَمَزجتْه[4]".
وتندرج هذه التحذيرات كلها تحت قوله تبارك وتعالى:
{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهن، ولا تَلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسمُ الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} الحجرات: 11.
• وثالث خطوات هذه المعالجة أن يهيئ المربون لأولادهم المصابين رُفقَة من الأصحاب حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم.. حيث يجتمعون بهم، ويلعبون معهم، ويتبادلون أحاديث المحبة فيما بينهم.. ليشعروا في أعماق وجدانهم محبة للناس لهم، واهتمامهم بهم وعطفهم وعليهم. يقول ابن سينا – في عرض تنمية شخصية الطفل، وإشباع غريزة حب الاجتماع في نفسه - :"أن يكون مع الصبي في مكتبه صِبْيَة حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ، وبه أنس".
ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي في نوادره: "عُرامة[5] الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره".
والذي نخلص إليه بعدما تقدم أن المربي لا يعدم وسيلة في معالجة مشكلة العاهة الجسدية في ولده المصاب سواء ما يتعلق بنظرة الحب والرحمة، أو تخصيصه بالعناية والرعاية، أو تحذير البيئة التي يعيش فيها من الهزء والتحقير والإهانة، أو إعداد الرفقة الصالحة التي يجتمع بها، ويلتقي معها.. وبهذا يكون قد أزال من نفسه عقدة الشعور بالنقص، وهيّأه ليكون عضواً نافعاً في المجتمع، يبني بساعديه صرح الحضارة، ويشيد بعزمه مجد أمته ومستقبل بلاده..
o أما عامل اليتم فهو عامل خطير في انحراف الولد النفسي، ولا سيما إذا وُجد اليتيم في بيئة لا ترعاه، ولا تكفكف أحزانه، ولا تنظر إليه بعين العطف والرحمة والمحبة..
والإسلام اهتم بشأن اليتيم الاهتمام البالغ من ناحية تربيته ومعاملته، وضمان معيشته.. حتى ينشأ عضواً نافعاً في المجتمع، ينهض بواجباته، ويقوم بمسؤولياته، ويؤدي ماله وما عليه على أحسن وجه وأنبل معنى..
فمن اهتمام القرآن الكريم بشأن اليتيم أمْره بعدم قهره، والحط من شأنه وكرامته..
- {فأما اليتيم فلا تقهر} الضحى: 09.
- {أرأيت الذي يُكذّب بالدين. فذلك الذي يدعُّ[6] اليتيم} الماعون: 01-02.
ومن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بشأنه حضه على كفالته، وأمْره بوجوب رعايته، وبشارته الأوصياء – إن أحسنوا الوصاية – أنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة:
- روى الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"، وأشار بأصبعيه – يعني السبابة والوسطى - .
- وروى الإمام أحمد وابن حبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من وضع يده على رأس يتيم رحمة، كتب الله له بكل شعرة مرت على يده حسنة".
- وروى النسائي بإسناد جيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم إني أحرّج حقّ الضعيفين: اليتيم والمرأة"، ومعنى أحرّج: ألحق الحرج والإثم بمن ضيّع حقهما.
ورعاية اليتيم وكفالته واجبة في الأصل على ذوي الأرحام والأقرباء، فعلى هؤلاء إن أرادوا أن يعالجوا أحوال اليتامى النفسية والخلقية.. فما عليهم إلا أن يخصوهم بمزيد من الرحمة والعطف والعناية، وأن يشعروهم أنهم كأولادهم حبّاً ومعاملة وملاطفة..
وفي حال عدم وجود الأوصياء من الأقارب والأرحام فعلى الدولة المسلمة أن ترعاهم وتتولى أمرهم، وتشرف على تربيتهم وتوجيههم، وترفع من كيانهم وقَدْرهم في الحياة..
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم – باعتبار أنه الممثل الأول للدولة الإسلامية في المدينة – كان يخصّ اليتيم بمزيد من العطف والمعاملة والرحمة، فقد روت السيدة عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأى يتيماً يوم عيد، فلاطفه، وبشّ له، وأحسن إليه، وأخذه إلى بيته، وقال له:
"أما ترضى أن أكون لك أباً، وتكن عائشة لك أمّاً؟".
وكذلك يجب على الدولة أن ترعى اللقيط، وتقوم على أمره وكفالته في حين وجوده والعثور عليه، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جاءه رجل بلقيط، فقال له: "نفقته علينا وهو حرّ".
وبهذه المعاملة الحسنة التي ينهجها الإسلام في معاملة كل من اللقيط واليتيم يكون قد قدّم للمجتمع الإسلامي مواطنين صالحين ينهضون بواجباتهم، ويضطلعون بمسؤولياتهم، فلا يشعرون بنقص، ولا يتيهون في لجة الهواجس والأفكار والتصورات المنحرفة..
o أما عامل الفقر فهو عامل كبير في انحراف الولد النفسي، ويقوى جانب هذا الانحراف فيه حين يفتح عينيه ويرى أباه في ضائقة، وأسرته في بؤس وحرمان.. ويزداد الأمر لديه سوءاً حين يرى بعض أقربائه أو أبناء جيرانه، أو رفاقه في المدرسة.. وهم في أحسن حال، وأبهى زينة، وأكمل نعمة.. وهو كئيب حزين لا يكاد يجد اللقمة التي تشبعه، والثوب الذي يستره..
فولدٌ هذه حاله ماذا ننتظر منه أن يكون نفسيّاً؟ حتماً سينظر إلى المجتمع نظرات الحقد والكراهية.. وحتماً سيصاب بأمراض من مركبات النقص، والعُقد النفسية.. وحتماً سيتبدل أمله إلى يأس، وتفاؤله إلى تشاؤم.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل – فيما رواه أحمد بن منيع والبيهقي - :"كاد الفقر أن يكون كفراً".. بل كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الفقر في دعائه، فقد روى النسائي وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر".
والإسلام عالج مشكلة الفقر بأمرين أساسيين:
الأول: احترامه الكرامة الإنسانية.
الثاني: سَنّه لمبادئ التكافل الاجتماعي.
• أما احترامه الكرامة الإنسانية فلأنه سوّى بين جميع الأجناس والألوان والطبقات في الاعتبار والكرامة الإنسانية، وإذا كان لا بد من المفاضلة فلتكن بالتقوى والإنتاج والعمل الصالح..
والمبدأ الذي طبعه الإسلام في ضمير الزمان إلى يوم القيامة قوله تعالى:
{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ أو أنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات: 13.
ولأنه لم ينظر إلى الصور والأجسام، وإنما جعل النظرة إلى القلوب والأعمال، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: "... إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
ولأنه رفع من قدر الضعفاء والفقراء، واعتبر إغضابهم وتحقيرهم إغضاباً للرب سبحانه، فقد روى مسلم أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك"، فأتاهم فقال: يا أخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي...!".
• وأما سنّه لمبادئ التكافل الاجتماعي فلا شك أن الإسلام سن من مبادئ التكافل في حل مشكلة الفقر ما يعتبر من أرقى وأسمى ما وصل إليه الجهد البشري في العصر الحديث.
وإليكم بعض هذه اللمحات في معالجة الإسلام لمشكلة الفقر في المجتمع:
• أنه شرع بيت مال للزكاة تتولاه الدولة المسلمة، وجعل مصارفه على المستحقين من الفقراء، والمساكين وأبناء السبيل، والمديونين، وتحرير الأرقاء.. قال تعالى:
{إنما الصدقات للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قُلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فريضةً من الله، والله عليمٌ حكيم} التوبة: 60.
وروى الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً".
• أنه لم يعتبر المسلم مسلماً إذا بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به، فقد روى البزار والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما آمن بي مَن بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به". بل اعتبر إسعافه وإدخال السرور عليه من أحسن القربات، وأفضل الأعمال، فقد روى الطبراني في الأوسط عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: "أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن: كسوتَ عورتَه، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجة".
• أنه جعل إسعاف الجائع والمحروم في وقت الشدة من أهم الواجبات، فقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: أن أصحاب الصُفّة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عنده طعان اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس".
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان معه فضل ظهر (أي مركوب) فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصناف المال ما ذكره حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.
• أنه أوجب على الحاكم أن يهيئ سبيل العمل لكل من كان قادراً عليه، فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي: "أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عطاء، فقال له: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى يا رسول الله، حِلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما عليه الصلاة والسلام وقال: من يشتري مني هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم: قال رجل أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذْه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدّوماً فأتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال: اذهب واحتطب وبع، ولا أرينّك خمشة عشر يوماً، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وبعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من أن تجيء والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة".
• إنه سنّ قانون التعويض العائلي لكل مولود يولد في الإسلام سواء أكان المولود ابناً لحاكم أو موظف أم كان ابناً لعامل أو سوقة.. فقد روى أبو عبيد في كتابه (الأموال) (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يفرض لكل مولود عطاء إلى عطاء أبيه يقدر (بمائه درهم)، وكلما نما الولد زاد العطاء، وقد جرى عليه من بعده عثمان وعلي والخلفاء..).
هذا عدا عن التربية الوجدانية التي يغرس الإسلام جذورها في قلوب المسلمين، وفي أعماق مشاعرهم، وحنايا ضمائرهم.. ليندفع الجميع إلى تحقيق التعاون، والتكافل، والإيثار عن رغبة وإيمان، وطواعية واختيار..
والواقع التاريخي أكبر شاهد على ما نقول.. وإليكم بعض النماذج في تكافل المجتمع المسلم، وفي تعاطفه وتراحمه وتعاونه:
1- قال محمد بن إسحاق: "كان أناس بالمدينة يعيشون ولا يدرون من أين يعيشون؟ ومن يعطيهم؟ فلما مات زين العابدين بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بالليل بما يأتيهم به، ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب (أي الكيس) إلى بيوت الأرامل والمساكين".
2- وكان الليث بن سعد ذا غلّة سنوية تزيد على سبعين ألف دينار يتصدق بها كلها حتى قالوا إنه لم تجب عليه زكاة قط، واشترى مرة داراً بيعت بالمزاد، فذهب وكيله يتسلمها فوجد فيها أيتاماً وأطفالاً صغاراً، سألوه بالله أن يترك لهم الدار، فلما بلغ ذلك الليث أرسل إليهم أن الدار لكم، ومعها ما يصلحكم كل يوم.
3- وكان عبد الله بن المبارك الإمام الكبير المحدّث كثير الصدقات، تبلغ صدقاته في السنة أكثر من مائة ألف دينار، خرج مرة إلى الحج مع أصحابه، فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر، فأمر بإلقائه على مزْبَلَة هناك، وسار أصحابه أمامه، وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، فلما سألها لم فعلت ذلك، أخبرته أنها وأخاها فقيران لا يعلم بهما أحد، ولا يجدان شيئاً، فأمر ابن المبارك بردّ الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، فقال له: عُدّ منها عشرين ديناراً تكفينا إلى "مرو" وأعطها الباقي فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع فلم يحج[7].
ويوم تتضافر جهود الدولة، وجهود المجتمع، وجهود الأفراد في حل مشكلة الفقر، لا يبقى في المجتمع الإسلامي فقير ولا محتاج، وتنعم الأمة الإسلامية بظلال الأمن، والرفاهية، والتكافل والاستقرار.. ويتحرر أبناء المجتمع من كل العوامل الإجرامية، والانحرافات النفسية.. ونرى بأم أعيننا راية العزة الإسلامية ترفرف في علياء المجد والكرامة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
[1] من كتاب (أخلاقنا الاجتماعية) للمرحوم الدكتور مصطفى السباعي ص 159.
[2] السجل: الدلو في البئر.
[3] المراد بالقيراط جزء من الدرهم (عمله عصر النبوة).
[4] أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها.
[5] عرامة الصبي: أن انطلاقته وحيويته وقوة الاجتماع مع غيره.
[6] أي يزجره وينهره.
[7] ومن أراد المزيد في معالجة الإسلام للفقر فليرجع إلى كتابنا (التكافل الاجتماعي في الإسلام) فإن فيه ما يشفي الغليل.
ظاهرة الحسد
الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو ظاهرة اجتماعية خطيرة، إن لم يعالجها المربون في أطفالهم ستؤدي حتماً إلى أسوأ النتائج، وأخطر الآثار..
وقد لا تكون ظاهرة الحسد واضحة لأول وهلة بالنسبة للأهل، فيظنون أن أولادهم لا يتوقع منهم الحسد، ولا يشعرون به، ولا يقعون فيه.. لذا وجب على كل من يقوم بمسؤولية التربية أن يعالج الحسد بالحكمة والتربية القويمة حيث لا يؤدي إلى مشاكل صعبة، ونتائج وخيمة، ومضاعفات نفسية أليمة.
وقبل أن أتعرض للوقاية والعلاج في استئصال هذه الظاهرة يحسن أن أتعرض للأسباب التي تؤجج نار الغيرة والحسد في نفوس الأطفال.
وأرى أن هذه الأسباب تتركز في الأمور التالية:
• خوف الطفل أن يفقد بين أهله بعض امتيازاته كالمحبة والعطف، وكونه شخصاً مراداً، ولا سيما عند مقام مولود جديد يتصور أنه سيزاحمه في هذه المحبة والعطف.
• المقارنة السيئة بين الأولاد كوصف أحدهم بالذكاء، والآخر بالغباوة..
• الاهتمام بأحد الأولاد دون الآخرين، كولد يُحمل ويُداعب ويُعطى.. وآخر يُزجر ويُهمل ويُحرم...
• الإغضاء والتسامح عن ولد محبوب يؤذي ويسيء، والترصد بالعقاب لولد آخر تصدر منه أدنى إساءة.
• وجود الولد في بيئة غنية مترفة وهو في فقر شديد، وحالة من العيش سيئة.
إلى غير ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى أسوأ الآثار في شخصية الطفل وربما يصاب بآفة من مركب النقص، أوالأنانية القاتلة، أو الحقد الاجتماعي.. عدا عن إصابته بمضاعفات نفسية كالقلق والتمرد، وعدم الثقة بالنفس..
والإسلام قد عالج ظاهرة الحسد بمبادئ تربوية حكيمة لو أخذ المربون بأسبابها اليوم لنشأ الأولاد على التوادد والإيثار، والمحبة، والصفاء.. ولأضمروا كل تعاون، وخير، وتعاطف بالنسبة للآخرين..
وأرى أن هذه المبادئ التربوية لعلاج ظاهرة الحسد تتجسّد في الأمور التالية:
1- إشعار الطفل بالمحبة:
وهذا ما كان عليه الصلاة والسلام يفعله، ويأمر أصحابه به، ويحضهم عليه ويراقب تنفيذه هنا وهناك.
وإليكم بعض الأمثلة:
- روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فحملهما، ووضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله عز وجل {إنما أموالكم وأولادكم فتنة...} الأنفال: 28، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما".
- وكان عليه الصلاة والسلام يداعب الحسن والحسين رضي الله عنهما، فيمشي على يديه وركبتيه، ويتعلقان به من الجانبين، فيمشي بهما، ويقول: "نعم الجمل جملكما، ونِعم العِدْلان أنتما".
- وروى البخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتقبّلون صبيانكم فما نقبّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أو أملك، أن نزع الله من قلبك الرحمة"؟.
- وروى البخاري في أدبه كذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين، ونظرا إلى أمهما، فعمدت الأم إلى التمرة فشقتها فأعطت كل صبي نصف تمرة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته عائشة، فقال: وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها الله برحمتها صبيّيْها!!..
وينبغي ألا يغرب عن البال أن الأخذ بالاحتياطات اللازمة للحيلولة دون اشتداد الحسد عند مقدم طفل جديد من أهم ما ينبغي أن يعتني به المربون ولا سيما الأم.
هذه الاحتياطات يجب أن تبدأ قبل عدة أشهر من الولادة كتغيير سرير الطفل الأكبر، إو إرساله إلى الروضة.. ولا بأس بالسماح للأخ الكبير بالمساعدة في شؤون الطفل الجديد عند إلباسه، أو تغسيله، أو إطعامه، ولا بأس كذلك بالسماح له بأن يلاعب أو يداعب أخاه الصغير ولكن مع شيء من المراقبة مخافة إيذائه، وعندما تحمل الأم الوليد لإرضاعه، فيستحسن من الأب أن يداعب أخاه الأكبر، إويحادثه ويلاطفه ليشعره بالمحبة والعطف والاهتمام..
والمقصود على العموم إشعار الأخ الأكبر بأنه محبوب، وأنه المراد، وأنه محل العطف والعناية كأخيه الوليد سواء بسواء.
وهذا ما كان يوجه إليه المربي الأعظم صلوات الله وسلامه عليه في الأحاديث التي مر ذكرها، وسبق تعدادها..
ألا فلينهج المربون طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إشعار الطفل بالمحبة إن أرادوا تكوين شخصيات أطفالهم على الحب والتعاون والإيثار، وتحريرهم من الحقد والأثرة والأنانية.
2- تحقيق العدل بين الأولاد:
فمن المعروف بداهة أن المربين حين يسوّون بين الأولاد في المعاملة، ويحققون العدل بينهم في العطاء تتلاشى ظاهرة الحسد في نفوسهم، وتزول آفات الضغائن والأحقاد من قلوبهم، بل يعيش الأبناء مع إخوتهم ومربيهم في تفاهم تام، ومحبة متبادلة، بل ترفرف على البيت أجنحة المودة، والإخلاص، والصفاء...
فلا عجب أن نرى المعلم الأول، والمربي الأكبر صلوات الله وسلامه عليه، وهو يحض الآباء والمربين على تحقيق مبدأ العدل بين الإخوة، بل كان عليه الصلاة والسلام يستنكر كل الإنكار على الذين لا يحققون عدلا ولا رحمة بين أولادهم، ولا يسوّون بينهم في القسمة والعطاء!!.. وإليكم طرفاً من توجيهاته واستنكاراته، ليعرف من يريد أن يعرف حرص الرسول صلوات الله وسلامه عليه على التربية القويمة، والإصلاح الاجتماعي!!..
سبق أن ذكرنا في معالجة ظاهرة الشعور بالنقص عند الأولاد هذه الأحاديث، والآن نكرر إعادتها زيادة في الفائدة:
- "ساووا بين أولادكم في العطية" الطبراني.
- وروى أنس أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه، فقال صلى الله عليه وسلم للرجل: "ألا سوّيت بينهما؟".
- وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا – أي أعطيته – غلاماً كان لي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلّ ولدك نحلتَه مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه.
وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ فقال: نعم، قال: أكلّهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا.
قال: فلا تُشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور – أي ظلم - ، ثم قال: أيسرّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذن.
3- إزالة الأسباب التي تؤدي إلى الحسد:
فعلى المربي أن يكون حكيماً في تربية الولد، وذلك باتباع أنجع الوسائل في إزالة ظاهرة الحسد من نفسه:
فإذا كان مجيء الوليد الجديد يشعره فقدان محبة أبويه وعطفهما.. فعلى الأبوين أن يسعيا جهدهما في إشعاره أن هذه المحبة باقية على مدى الأيام.
وإذا كان رميُ الأبوين له بالغباوة، والألفاظ القارعة.. يؤجج في صدره نيران الحقد والحسد.. فعلى الأبوين أن ينزّها ألسنتهما عن التقريع المؤلم، والكلمات الجارحة..
وإذا كان تفضيل أحد الأولاد عليه في معاملة أو عطاء.. يغيظه ويولّد في نفسه ظاهرة الحسد.. فعلى الأبوين أن يحققا بين الأولاد العدل والمساواة..
وهكذا يجب على المربين والآباء والأمهات أن يكونوا حذرين كل الحذر من أن يتعرض الولد لآفة من هذه الآفات النفسية وعلى رأسها الحسد.. حتى تكتمل شخصيته، وينشأ إنساناً سوياً في ظلال التربية الصالحة..
وبما أن للحسد آفات نفسية وآثاراً اجتماعية، حذر عليه الصلاة والسلام منه ونهى عنه.. وإليكم طائفة من تحذيراته وأقواله:
- روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".
- وأخرج الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا"، وأخرج كذلك: "ليس مني ذو حسد".
- وأخرج الديلمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر[1] العسل". فما أحوج الآباء والمربين إلى هذه المبادئ التربوية في معالجة الحسد عند الأولاد.. ولا شك أنهم إذا التزموها، وأخذوا بتوجيهاتها.. نشأ الأولاد على خير ما ينشؤون من الصفاء والإخلاص!!..
[1] الصبر: مادة مُرّة المذاق كالعلقم.
ظاهرة الغضب
الغضب هو حالة نفسية، وظاهرة انفعالية يحس بها الطفل في الأيام الأولى من حياته، وتصحبه في جميع مراحل العمر إلى الممات.
وما دامت ظاهرة الغضب خُلقاً متأصلاً في الإنسان منذ ولادته، فمن الخطأ أن نعد الغضب من الظواهر المستقبحة، والحالات الانفعالية السيئة.. لأن الله سبحانه لما خلق الإنسان، وركب فيه الغرائز، والميول، والمشاعر.. كان ذلك لحكمة بالغة، ومصلحة اجتماعية ظاهرة.
فمن فائدة الغضب:
المحافظة على النفس، والمحافظة على الدين، والمحافظة على العرض، والمحافظة على الوطن الإسلامي من كيد المعتدين، ومؤامرات المستعمرين..
ولولا هذه الظاهرة التي أودعها الله في الإنسان لما ثار المسلم وغضب إذا انتهكت محارم الله، أو امتهن دينه، أو أراد عدو أن يغتصب أرضه، ويستولي على بلاده..
وهذا لا شك من الغضب المحمود الذي كان مصاحباً لفعله عليه الصلاة والسلام في بعض الحالات:
فقد ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قد جاءه من يشفع في حدّ من حدود الله فغضب، وظهرت على وجهه أسارير الغضب، وقال قولته الخالدة: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
وأخرج الطبراني عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقم لنفسه من شيء إلا إذا انتهكت لله حرمة، فإن انتهكت لله حرمة كان أشد الناس غضباً، وما عُرِض عليه أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه سخط الله، فإن كان فيه لله سخط كان أبعد الناس منه".
وإذا كان كثير من علماء الاجتماع والتربية عدّوا الغضب من الرذائل الممقوتة، والعادات المذمومة.. فإنما يقصدون من وراء ذلك الغضب المذموم الذي يؤدي إلى أسوأ الآثار، وأوخم العواقب.. وذلك حين الانفعال والغضب من أجل المصالح الشخصية، والبواعث الأنانية.. ولا يخفى ما في هذا الغضب من تمزيق للوحدة، وتصديع للجماعة، واستئصال لمعاني الأخوة، والمحبة والصفاء.. في ربوع المجتمع.
فلا عجب أن يهتّم رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه لظاهرة الغضب، وأن يمتدح الذين يكظمون الغيظ، ويملكون أنفسهم عند الغضب.
- أخرج البخاري أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: "لا تغضب"، فردّد مراراً، قال: "لا تغضب".
- وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما يساعدني من غضب الله عز وجل؟ قال: "لا تغضب".
- وأخرج البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّره في أي الحور العين شاء".
- وروى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدّون الصُّرَعَة فيكم؟ قالوا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: لا ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب".
ولا غرابة أيضاً أن يأمر القرآن العظيم المؤمنين والمؤمنات بكظم الغيظ، والدفع بالتي هي أحسن، والإعراض عن الجاهلين.. حتى يتحقق للمجتمع مودته، ويتم للمسلمين تآلفهم:
- {ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ ادفع بالتي هي أحسنُ، فإذا الذي بينك وبينهُ عداوةٌ كأنه وليّ حميم} فصلت: 34.
- {وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} الفرقان: 63.
- {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} آل عمران: 134.
- {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} الشورى: 37.
وإذا كان لظاهرة الغضب المذموم آثار سيئة على شخصية الإنسان، وعقله، واتزانه.. وعواقب وخيمة على وحدة المجتمع وترابطه، وتماسكه.. فما على المربين إلا أن يهتموا بعلاج هذه الظاهرة منذ نعومة أظفار الولد إلى أن يصل مرحلة التمييز، إلى أن يتدرج إلى سن المراهقة.
وإن خير علاج تقدمه لمعالجة ظاهرة الغضب في الولد تجنيبه دواعي الغضب وأسبابه حتى لا يصبح له خُلقاً وعادة، وصدق من قال: "درهم وقاية خير من قنطار علاج".
• فإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه الجوع، فعلى المربي أن يسعى إلى إطعام الولد في الوقت المخصص، لأن إهمال غذائه يؤدي إلى أمراض جسمية، وانفعالات نفسية.. وكم يكون المربي آثماً إذا ضيع من يعيل؟، روى أبو داود وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت".
• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه المرض، فعلى المربي أن يسعى إلى معالجة الولد طبيّاً، وإعداده صحيّاً.. امتثالا لتوجيهاته صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأحمد: "لكل داء دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برأ بإذن الله عز وجل".
• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه تقريع الولد وإهانته بدون موجب، فعلى المربي أن ينزه لسانه عن كلمات التحقير والإهانة.. حتى لا تترسخ في نفس الولد الآفات النفسية، والانفعالات الغضبية.. ولا شك أن هذا من حسن التربية، والإعانة على البر.. فقد روى ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم"، ويقول أيضاً فيما رواه ابن حبان: "رحم الله والداً أعان ولده على برّه".
• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه محاكاة الولد لأبويه في ظاهرة الغضب، فعلى الأبوين أن يعطيا الولد القدوة الصالحة في الحِلْم، والأناة، وضبط النفس عند الغضب.. تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى:
{والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناس والله يُحب المحسنين}، وتنفيذاً لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم القائل في الحديث الذي مر ذكره: "... ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه لدى الولد الدلال المُفرط والتّنعم البالغ، فعلى المربين أن يكونوا معتدلين في محبة الأولاد، وأن يكونوا طبيعيين في الرحمة بهم والإنفاق عليهم تحقيقاً لما ينسب إلى علي كرم الله وجهه: "أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما"... وتطبيقاً لما حذر منه عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد... "إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين".
• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه الهزء والسخرية والتنابز بالألقاب، فعلى المربين أن يجتنبوا هذه المسببات الغضبية.. حتى لا تتأصل ظاهرة الغضب في نفسية الولد..
وما أعظم تربية القرآن الكريم حين نهى عن السخرية، وسوء الظن، والتجسس، والتنابز بالألقاب.. حين قال في سورة الحجرات:
{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنّ خيراً منهنّ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} الحجرات: 11.
ومن العلاج الناجع في معالجة الغضب لدى الطفل تعويده على المنهج النبوي في تسكين الغضب..
وإليكم مراحل هذا المنهج:
1- تغيير العادة التي يكون عليها الغضبان:
روى الإمام أحمد وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب.. وإلا فليضطجع".
2- اللجوء إلى الوضوء في حالة الغضب:
أخرج أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
3- اللجوء إلى السكوت في حالة الغضب:
روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا غضب أحدكم فليسكت".
4- التعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
جاء في الصحيحين أنه استبّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمرّ وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة، لو قالها لذهب عنه ما يجد... لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
هذه هي أهم الوصايا التي وجه إليها رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه في تسكين الغضب، والتخفيف من حدته.
فما على الآباء والمربين إلا أن يؤدبوا أولادهم وتلامذتهم عليها، عسى أن يعتادوا الحلم والأناة، وضبط النفس عند الغضب.
وأخيراً على المربين أن يقبّحوا لأطفالهم ظاهرة الغضب، كأن يُرُوهم حالة إنسان غضبان كيف تتسع عيناه، وتنتفخ أوداجه، وتتغير ملامحه، ويحمرّ وجهه، ويرتفع صوته.. ولا شك أن إظهار هذه الصورة الحسية لدى الطفل أدعى للزجر والاعتبار..
وكذلك عليهم أن يحذّروهم آفات الغضب، وأخطاره البالغة، وعواقبه الوخيمة..
فهذا التقبيح والتجسيد والتحذير لظاهرة الغضب هي الطريقة التي كان ينهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية المجتمع، ومعالجة النفوس، فقد روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا إن الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه، واحمرار عينيه؟ فمن أحس من ذلك شيئاً فالأرض الأرض....".
والذي نخلص إليه بعدما تقدم أن المربين حين يجنبون أولادهم منذ الصغر دواعي الغضب وأسبابه، وحينما يأخذون بالمنهج النبوي في معالجة الغضب وتسكينه، وحينما يقبّحون لأطفالهم ظاهرة الغضب تجسيداً وتحذيراً.. فإن الأولاد – لا شك – ينشؤون على الحلم، والأناة، والاتزان العقلي، وضبط النفس.. بل يعطون الصورة الصادقة عن أخلاق المسلم، وسلوكه السويّ في الحياة!!..
وحين يحرر المربون أبناءهم وطلابهم، ومن لهم حق التربية عليهم:
من ظاهرة الخجل.. ومن ظاهرة الخوف.. ومن ظاهرة الشعور بالنقص.. ومن ظاهرة الحسد.. ومن ظاهرة الغضب..
يكونون قد غرسوا في أنفسهم الأصول النفسية النبيلة التي تتحقق:
بالثبات والجرأة الأدبية.. وبالشجاعة والإقدام.. وبالشعور بالواجب والكمال.. وبالإيثار والمحبة.. وبالحلم والأناة..
بل يكونون بهذه التخلية والتحلية قد أعدوا أولاداً ليكونوا شباب الغد، ورجال المستقبل.. يواجهون الحياة بابتسامة متفائلة، وعزيمة جبارة، وهمة قعساء، وأخلاق سمحة كريمة..
فما أحوجنا إلى مربين يعرفون طريقة الإسلام في التربية النفسية، ومنهج الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الإصلاح.. ليؤدوا ما عليهم من واجب ومسؤوليات.. عسى أن نجد أبناء الجيل وقد اكتملت شخصياتهم، وصلحت سريرتهم، وسمت أخلاقهم، وتحررت من الآفات النفسية نفوسهم وقلوبهم.. وما ذلك على الله بعزيز إن جاهد المصلحون، وقام بمسؤولياتهم المربون!!..

 

يتبع

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة