أخبار النافذة

دعوة

الاستيعاب في حياة الدعوة والداعية (3/2)

لمطالعة ما سبق : الاستيعاب في حياة الدعوة والداعية (1)
 

 بقلم- الدكتور فتحي يكن :
 

 

الاستيعاب الخارجي

إن حمل الدعوة إلى الناس وجعلهم يؤمنون بها ويثقون ويتأثرون ومن ثم يلتحقون ويعملون ويجاهدون ويضحون عملية صعبة وشاقة وتحتاج إلى قدرات ومتطلبات مختلفة ..


ومن توفرت فيه هذه الشروط أو أكثرها كان داعية موفقاً ناجحاً قادراً على استيعاب الناس واستقطابهم حول الإسلام وحول الدعوة وبقدر تكاثر هذه العينات من الدعوة بقدر ما يكون استيعاب الدعوة للناس أكبر وأثرها فيهم أبعد وأكثر ..


ومن خلال كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وفى ضوء السنة النبوة الشريفة يمكننا تحديد أبرز المتطلبات التي يحتاجها الدعاة في عملية الاستيعاب والاستقطاب هذه ..

أولاً : الفقه في دين الله


إن الأخ المسلم كيما يكون داعية إلى الله بحق مستقيماً على الصراط راشداً مسترشداً يحتاج أولاً وقبل كل شئ إلى قدر مقبول من الفقه في دين الله ..
فاستبانت الحلال من الحرام والخير من الشر ومعرفة الفرائض والواجبات والسنن والعقائد والأحكام وهي المنارات الهادية على طريق الدعوة والداعية تجتاح كلها إلى فقه في الإسلام ..
من هنا جاءت التوجيهات القرآنية والنبوية تلفتان إلى قيمة الفقه وتحضان عليه .
فمن كتاب الله قوله تعالى { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } وقوله { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد }وقوله { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون }
ومن مشكاة النبوة قوله صلى الله عليه وسلم (( يا أيها الناس : إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد لله به خيراً يفقهه في الدين وإنما يخشى الله من عباده العلماء )) وقوله ((إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده )) وقوله (( إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة )) .
ثم هل يمكن أن يكون الداعية داعية إلى الله بصدق كان جاهلاً لمبادئ الإسلام وأصوله وقواعده وأحكامه وتشريعاته وحلاله وحرامه ؟
إن اجتذاب الناس إلى الإسلام أولاً هو الأساس وهو الطريق الصحيح حيث يجعلهم مسلمين مرتبطين بالإسلام متشبثين به كائناً ما كانت الظروف في حين أن اجتذابهم إلى الحركة أولاً سيجعل ولاءهم للتنظيم وللحركة وليس لشرع الله .
ولقد ابتلى الإسلام اليوم بدعاة يدعون الناس إلى تنظيماتهم بدل أن يدعوهم إلى الإسلام . ويبينون لهم محاسن تنظيماتهم ومزاياها بدل أن يبينوا محاسن الإسلام ومزاياه وهذا ما جعل ارتباط الفرد بالدعوة ارتباطاً حزبياً وليس ارتباطاً عقائدياً بل وجعله في بعض الأحيان ارتباطاً شخصياً وليس مبدئياً وهذا بالتالي جعل ميدان الدعوة الإسلامية غاصاً بالتنظيمات والأحزاب والفرق والحركات .
إن معظم ذلك مرده إلى جهل بحقيقة هذا الدين وبالتالي إلى عدم الالتزام بأحكامه وقواعده ..
والنتيجة كما نرى وكما أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :(( إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً ولكن ينتزعه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم قط اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول ((قليل العلم خير من كثير العبادة وكفي بالمرء فقهاً إذا عبد الله وكفي بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه )).
إن الداعية معرض لأن يستفتى ويسأل عن أمور كثيرة فهل يفتى ويجيب برأيه أم بالإسلام ؟ فإن كان جاهلاً بدين الله فهل تنعقد له الإمامة على المسلمين ويكون له الأثر فيهم ؟
ثم إنه قبل هذا هل يمكن أن يكون قدوة للناس بعمله إن لم يكن على علم بشريعة الإسلام .. وهل يكون العمل بالشريعة من غير علم للشريعة ..؟
إن الفقه في دين الله والمعرفة العامة تمكنان الداعية من مخاطبة الناس على قدر عقولهم بعد معرفته لعقولهم ومن ملامسة قلوبهم بعد معرفة ما يخالجها وما يساورها ..
والداعية الذي لا يملك من المفاتيح ما يفتح به العقول والقلوب لن يتمكن من اجتذاب أصحابها واستيعابهم وستبقى دعوته لهم صيحة في واد ونفخة في رماد ...
ومن الفقه في دين الله التزود بالثقافات والمعارف المختلفة والتي من شأنها أن تساعد الداعية على اجتذاب كل الناس على مختلف ثقافاتهم وميولهم وبخاصة في عصر تعددت فيه الاتجاهات وكثرت الفلسفات وغدا التأثير في الناس واجتذابهم ليس بالأمر السهل بل ويحول دونه مائة سؤال وألف شبهة وشبهة مصداقاً لقوله تعالى { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكن يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور }.
أعرف بعض الدعاة ممن يعلمون في المجالات السياسية والعامة وهم مقطوعوا الصلة تماماً بالثقافة والفكر الإسلاميين وليسوا على شئ من الفقه في دين الله فهل يمكن أن نتصور كيف أن يسلكوا بعملهم السياسي الصراط السوي وأن يصب عملهم هذا في خدمة الإسلام ولمصلحته؟؟
ثم إن عملية إقناع الناس بالإسلام واجتذابهم إليه واستنفاذهم من براثن الأفكار والتصورات التي يحملونها كما أن عملية اقتحام عقولهم ونفوسهم وحل مشاكلهم العقلية والنفسية تحتاج كلها إلى ثقافة وخبرة ومهارة ... والداعية بحاجة ماسة إلى نصيب كبير منها جميعاً في عملية الدعوة والاستيعاب ...
إن اقتحام العقول والنفوس أصعب بكثير من اقتحام المواقع والثغور وإذا كانت تلك تحتاج إلى معدات مختلفة ومهارات فائقة وخبرات واسعة فإن هذه تحتاج إلى أكثر في كل المجالات ..
في الحرب يواجه الجندي عدواً واحداً في مواقع محددة وبأسلحة محددة .. أما في عمل الدعوة فيواجه الداعية أنواعاً شتى من الخصوم والأعداء بأسلحة شتى وأساليب شتى كما يواجه مرضى بعلل شتى ومعقدين من مشكلات شتى ..
فهذا ماركسي .. وذاك قومي وغيره هيبي أو اشتراكي أو رأسمالي أو علماني إلى ما لا نهاية له من الانتماءات الأخرى ..
وهذا عالم مغرور بعلمه .. وذاك جاهل ويجهل أنه جاهل .. والآخر غبي أو ذكى .. الخ .
وهذا مريض نفسياً .. وغيره مريض جنسياً .. وسواه مريض عاطفياً .. وآخر مريض عصبياً الخ .
وهذا غنى أبطره غناه والآخر فقير سحقه فقره أو جعله حاقداً على الناس جميعاً وغيره زاهد في الدنيا متخل عنها لأعداء الله .
وهذا عائلي النزعة .. وسواه عرقي الطلعة .. والآخر عشائري الشرعة ..
وهذا جرئ إلى حد التهور .. وسواه جبان .. وما بينهما من الطباع أشكال وألوان ..
وهكذا يجد الداعية نفسه في مستشفي كبير تغص بالمرضى والمعاقين والمشوهين والمعقدين .. وهذا ميدانه وهذه مسئوليته وقدره . وهو يحتاج أول ما يحتاج لسلوك هذا الطريق بعد الإيمان بالله والثقة به ولاتكال عليه إلى قدر من العلم والثقافة والدراية والفكر والخبرة والإطلاع لأنها جميعاً تعينه على ملامسة الداء بالدواء اللازم ومواجهة المشكلة بالحل الحاسم وبغير ذلك سيخبط خبط عشواء ويزيد بلة والمشكلة تعقيداً ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

ثانياً: القدوة الحسنة


والداعية لا بد وأن يكون قدوة حسنة في الناس كيما يتمكن من التأثير فيهم واستقطابهم واستيعابهم .. فالناس لا يتأثرون بلسان المقال بقدر ما يتأثرون بلسان الحال .
فالذي يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق وأخلاقه سيئة لن تكون دعوته مستجابة ولن يلقى إلا الصد والأعراض ..
والذي يدعو الناس إلى الجهاد في سبيل الله دون أن يكون مجاهداً أو على ثغرة من ثغور الجهاد لن يتجاوب الناس مع دعوته وادعاءاته ..
والذي يحض الناس على البذل والتضحية والعطاء وهو شحيح لن يلقى أذناً صاغية في الناس أجمعين ..
والذي يدعو الناس إلى التواضع وهو مختال فخور وإلى إيثار وهو صاحب أثرة وإلى الصدق وهو كذاب وإلى الأمانة وهو خائن وإلى الاستقامة وهو منحرف وإلى الطاعة وهو عاص وإلى التماس الحلال الطيب وهو غارق في المحرمات والخبائث .. إن إنساناً كذلك قد يتمكن من خداع الناس حيناً ولكنه لن يتمكن من خداعهم في كل حين .
أعرف إنساناً من أصحاب العمائم بل كان صاحب العمة الوحيد في قريته .. كانوا ينتظرون عودته من الدراسة الشرعية بفارغ الصبر ليكون فيهم إماماً ولهم مرجعاً .. وعندما عاد تمنوا لو أنه لم يعد .. كان لسانه فيه سليطاً بذيئاً لا يتورع عن التلفظ بأبذأ العبارات وعن أكل أموال الناس بالباطل .. حتى بلغ به السوء أنه خرج مع رفيقين له من أبناء القرية لجمع التبرعات من بلد عربي وحدثني أحدهما قائلاً : قبل أن تهبط بنا الطائرة في البلد المقصود التفت إلينا (صاحب العمة ) قائلاً : أود أن تعلموا منذ الآن أنني سأقتطع لنفسي نصف التبرعات ولكما الربع والمتبقي يكون لمشروع بناء المسجد .. والتفت إليه محدثي قائلاً : ألا تتقى الله يا شيخ وأنت بين يديه وهو قادر على أن يجعلك رماداً في أقل من لحظة ..
المهم أن هذا الرجل عندما تكشفت لقريته أخلاقه نبذه الناس فارتحل إلى المدينة .. وفي المدينة استمر على نفس السيرة والسريرة دون أن يتعظ فنبذه الناس فارتحل إلى بلد أجنبي بعيد وأدخل في ورع الجالية الإسلامية هناك أنه إمام المسلمين بلا منازع قبل أن يكشفوا حقيقته ويكتشفوا أمره .. والقصة مليئة بالشجون ..
إن أمثال هذه الرجل في الناس كثير وهذا ما جعل هؤلاء حجة لضعفاء الإيمان على الإسلام وعلى الدعوة بل وجعل أعمالهم وأفعالهم ذريعة للمترخصين وفتنة للكثيرين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. إن استقامة الداعية هي سر نجاح دعوته وهي المؤهل الأهم لإمامته وهي العامل الأقوى في هدايته .. وصدق الله العظيم حيث يقول { فلذلك فادع واستقم كما أمرت } .
والقرآن الكريم يذخر بتهديد ووعيد من يخالف فعله قوله والذين يقولون ما لا يفعلون .. ويقول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون } .
{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } وفي كتب الحديث عشرات الروايات التي تحض على تطابق الظاهر مع الباطن والقول مع الفعل .. كما تنذر وتحذر المعرضين عن ذلك بالعواقب الوخيمة والعقوبات العظيمة ..
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه)) ((إن أناساً من أهل الجنة ينطلقون إلى أناس من أهل النار فيقولون : بم دخلتم النار فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمناه منكم : فيقولون :إنا كنا نقول ولا نفعل )) .
((مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضئ للناس ويحرق نفسه )) .
((إنى لا أتخوف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً .. فأما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمعه كفره .. ولكن أتخوف عليكم منافقاً عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون )) .
(( إن الرجل لا يكون مؤمناً حتى يكون قلبه مع لسانه سواء ويكون لسانه مع قلبه سواء ولا يخالف قوله عمله ويأمن جاره بوائقه)).
إن الدعوة الإسلامية حين تبتلى بأشخاص من هذا الشكل تصبح معرضة للبوار .. أناس فيها يبنون والآخرون يهدمون وأناس يجمعون وآخرون يفرقون وآخرون يحببون وغيرهم يكرهن .
من هنا وجب على الدعوة أن تنقى صفوفها من مرضى الانفصام كائناً ما كانت مراكزهم ومراتبهم وكائناً ما كانت قدراتهم التنظيمية والإدارية والفكرية لأن ضررهم سيكون أكبر من نفعهم ويكفي أنها لن تكون بهم على هدى من الله وتوفيق ..{ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}.

ثالثاً : الصبر


واجتذاب الناس واستيعابهم يحتاج من الداعية إلى صبر عليهم لا إلى ضيق بهم وتبر منهم ..
فالناس أصحاب أمزجة شتى وعيوب شتى وطباع شتى وحاجات ومصالح شتى .. والناس مشاكلهم كثيرة وهمومهم كبيرة يحتاجون إلى من يتسع لهم ..
والناس ير مؤدبين بأدب الإسلام وغير متخلقين بخلق القرآن وهم بمسيس الحاجة إلى من يعايشهم ويتعايش معهم ليسبر أغوارهم ويعالج أمراضهم وهذا يحتاج إلى صبر طويل ..
والهداية لا يمكن أن تأخذ طريقها إلى نفوس الناس وقلوبهم دفعة واحدة ولا بد لذلك من زمن ومتابعة وجهود تبذل لتؤتى أكلها بإذن ربها .. وهذا يحتاج كذلك إلى صبر ..
والناس أصحاب حاجات مختلفة ومنهم من لا يرى في الكون حاجة أهم من حاجته وصاحب الحاجة أرعن قد لا يلقى بالاً إلا ما يقول لك وقد لا يبالي بالساعة التي يقرع فيها بابك من غير موعد أو إشعار وقد تكون هذه الزيارة في وقت طعامك أو منامك أو راحتك وهذا يحتاج لتحمله إلى صبر ع التوجيه الناعم ولفت النظر وإلا وقعت بينك وبينه الواقعة وانقلب عدواً حاقداً لا يرعى إلاً ولا ذمة ..
أعرف بعض العاملين في الحقل الإسلامي لا يستقبلون الناس إلا ضمن مواعيد مسبقة فإن جاءهم من ليس على موعد صرفوه أو قال لهم أهله أنه ليس موجوداً وهو يعلم أنه موجود .. وتصور عندئذ كيف ستكون النتيجة .. وأعرف آخرين يعطلون (الهاتف) أثناء قيلولتهم وليكن من بعد ذلك الطوفان .. وآخرون يمتنعون بالمرة عن استقبال أصناف من الناس لمعرفتهم المسبقة بأنهم متعبون ..
إن هؤلاء وأولئك قد يكونوا معذورين من قريب أو بعيد ولكن الشيء الذي لا خلاف فيه هو أنهم في الدعوة فاشلون وأن الناس عنهم سيعرضون ..
إن الداعية بحق هو الذي يعيش لغيره لا لنفسه وتهمه سعادة غيره ولو على حساب سعادته هو ويتجرع الغيظ في ذلك وهو على يقين بأنه سيتحول في جوفه إيماناً وسيكون له ذخراً عند الله يوم الحساب وصدق إمام الصابرين محمد حيث يقول :(( ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ كظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله بها جوفه إيماناً )).
إن نقل إنسان من الضلال إلى الهدى والأخذ بيد إنسان من الظلمات إلى النور ليس له هذا الأجر الجزيل عند الله والمثوبة العظمى يوم القيامة كما جاءت به أحاديث كثيرة لولا أن هذه العملية تحتاج من الداعية إلى صبر طويل وتحمل واحتمال ..
فقد تحتاج إلى أن تصرف معه أوقاتاً طويلة من أوقات عملك أو راحتك وقد تحتاج إلى أن تسمع له وتنصت وتنصح له وتذكر وتزوره وتهاديه كل ذلك من غير ملل أو تبرم أو ما يشعره منك بذلك فإن وقع ذلك حبط العمل وفشلت المحاولة وذهبت الجهود سدى ..
أعرف أحد الدعاة الموفقين الذين يتقربون إلى الله بصبرهم على متاعب الآخرين وبخاصة أن كل ذلك طريقاً إلى هداية هؤلاء والأخذ بأيديهم إلى واحة الإسلام .. وكان لهذا الداعية قريب أدمن الخمرة إدماناً مفرطاً جعله منبوذاً من عائلته ومحيطه لا يكاد يجد بيتاً يؤويه أو إنساناً يكلمه إلا من كان على شاكلته ..
ومرة قرع الباب على (الداعية ) ولما فتح وجد نفسه وجهاً لوجه أمام ذلك المنبوذ والذي يكبره بعشرات السنوات .. وبحنو الهداية طلب منه الدخول فدخل الرجل متعثراً بخطاه مستغرباً هذا الصنيع وقد تعود أن تركله الأقدام خارج البيوت ويقذف في وجهه البصاق بلا حساب ..
دخل الرجل وبدأت بدخوله مسيرة الصبر الطويلة أياماً وأسابيع إلى أن أشرقت شمس الإيمان في قلبه وبدأت ثمار الهداية تؤتى أكلها فيه بإذن ربها ..
صلح الرجل وحسن إسلامه وأصبح ملازماً للداعية لا يكاد يفارقه .. إلى أن حدث ما لم يكن بالحسبان .. فقد أدخل (الداعية) مستشفي لإجراء جراحة عاجلة .. ولقد أجريت الجراحة بالفعل كان الرجل المهتدى خلالها على أعصابه يردد الدعوات ويصعد العبرات من شدة خوفه على من كان سبباً في هدايته .. ولقد أقسم أن يبقى قرب سريره ليل نهار يخدمه بعينه ويرد له بعض ما عليه .. وأخيراً كانت الطامة حين منع الرجل من الدخول إلى غرفة الداعية بعد العملية وعندما جاء مستفسراً محتجاً على ذلك صفعه كبير أصحاب الداعية على وجهه صفعه قوية كانت كافية لهدم كل شئ ولتحويل هذا الإنسان الذي حطمت بلحظة واحدة مشاعره وأحاسيسه إلى عدو للإسلام والمسلمين .
من هنا كان طريق هداية الناس طريقاً صعباً على النفوس الضعيفة والإرادات العاجزة والذين لم يؤتوا حظاً من الصبر ونصيباً من سعة الصدر ..
ومن هنا جاءت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تحض على الصبر وتعرض لمقام الصابرين :
فمن كتاب الله قوله تعالى :
{ واستعينوا بالصبر والصلاة } { فاصبر على ما يقولون } { وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم } {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } {إن الله مع الصابرين } { وبشر الصابرين } { إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب } { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } .
{ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون }.
ومن مشكاة النبوية في الصبر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( الصبر معول المسلم ))
(( ما رزق الله عبداً خيراً له ولا أوسع من الصبر ))
((ومن يتصبر يصبره الله وما أعطى أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر ))
(( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ))
(( الصبر شطر الإيمان )) .
(( وعن ابن المسيب رضى الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر رضى الله عنه فآذاه فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثانية فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثالثة فانتصر أبو بكر .
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : أوجدت على يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك . فلما انتصرت ذهب الملك وقعد الشيطان فلم أكن لأجلس إذن مع الشيطان ))
(( ما من جرعة أعظم عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله )).

رابعاً : الحلم والرفق


واستيعاب الناس يحتاج من الداعية إلى أن يكون حليماً عليهم رفيقاً بهم فالناس يمقتون العنف وأصحابه وينفرون من القسوة وأهله وصدق الله العظيم حيث يقول { ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } .
فالداعية لا تكون دعوته بحمل الأفكار والنظريات المجردة إلى من حوله قبلوها أم رفضوها وإنما بأن يعيش هذه الأفكار معهم ويترجمها لهم على أرض الواقع أفعالاً وأخلاقاً وممارسات ..
والداعية لا تكون دعوته بمفاصلة الناس ولإقامة الحجة عليهم وإنما بأخذ كافة الأسباب التي تؤدى إلى هدايتهم ..
فهو من موقع الحب لهم والغيرة عليهم والرحمة بهم يكابد من أجل استنقاذهم من حمأة الجاهلية وشقوتها إلى نعيم الإسلام ولذلك فهو لا يسارع إلى مدابرتهم ومقاطعتهم ومفاصلتهم وهذا كله يحتاج منه إلى حلم ورفق ..
إن على الداعية أن يعتبر نفسه مربياً للناس ومعلماً لهم وإن عليه ليكون ناجحاً في تربيته وتعليمه أن لا يعاملهم كأنداد وأن لا يتعامل معهم كند وهو إن فعل ذلك أصبح مثلهم وفقد عنصر القوامة عليهم فالداعية معنى أولاً وقبل كل الناس بقوله تعالى { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم } . والداعية معنى قبل غيره بقوله تعالى { الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } .
ومن أولى من الداعية بتحقيق قوله تعالى { ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } وقوله { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } .
والداعية الأول صلى الله عليه وسلم كان أحلم الناس وأرفق الناس وهذا ما فتح قلوب الناس له وجعلهم يدخلون في دين الله أفواجا ..
وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه بأقواله وأفعاله الحلم على الناس والرفق بهم : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((إن الله يحب الرفق في الأمر كله ))
((إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق مالا يعطى على العنف وما لا يعطى على سواه)). ((إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه ولا ينزع من شئ إلا شانه )).
((من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير )) (( ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ويرفع الدرجات .. قالوا : نعم يا رسول الله . قال تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطى من حرمك وتصل من قطعك )).
(( وجبت محبة الله على من أغضب فحلم ))
أما أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فكثيرة في ذلك :
- عن أنس رضى الله عنه قال : كنت أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثر بها حاشية الرداء من شدة جذبته ثم قال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك .. فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء .
- وكان ليهودي اسمه (زيد بن سعنة) دين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاث جاء إلى رسول الله وهو في نفر من أصحابه فأخذ بمجامع قميصه وردائه وقال : يا محمد ألا تقضينى حقي؟ فوالله ما علمتم بنى عبد المطلب إلا مطلاً فغضب عمر وقال : يا عدو الله أتقول لرسول الله ما أسمع؟ وتصنع به ما أرى ؟ فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك .. وكان رسول الله ينظر بسكون وتؤدة فقال : يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن الطلب ثم أمره أن يعطيه حقه مع زيادة عشرين صاعاً من تمر فلما سأل اليهودي عن سبب هذه الزيارة قال له عمر : أمرني رسول الله أن أزيدك مكان ما رعتك . عندما قال اليهودي : يا عمر : لم يكن من علامات النبوة شئ إلا وقد عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرها منه : يسبق حلمه جهله ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً وقد اختبرتهما فأشهدك يا عمر أنى قد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وأشهدك أن شطر مالي صدقه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولقد أسلم هذا اليهودي وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهد كثيرة ثم استشهد في غزوة تبوك .
- ومما يروى عن الإمام الشهيد حسن البنا أنه قال : (( كونوا كالشجر يرميه الناس بالحجر فيرميهم بالثمر )) .

خامساً : التيسير لا التعسير


ومن الصفات التي تساعد الدعاة على الإيغال بدعوتهم بين الناس معالجة الأمور باليسر والتيسير وليس بالعسر والتعسير ..
ولما كان الناس أصنافاً شتى فهم كذلك يتفاوتون في القدرة والاحتمال فما يطيقه هذا قد لا يطيقه ذاك وما يتناسب مع هذا قد لا يتناسب مع ذاك ولذلك كانت القاعدة النبوية ((سيروا على سير لأضعفكم )). ومن أسوأ ما ابتلى به الإسلام في هذا العصر دعاة جبلوا على التعسير في كل شأن وكأن اليسر ليس من الإسلام في شأن ..
فهم في الصلاة معسرون وفي الوضوء معسرون وفي اللباس معسرون وفي بيوتهم مع معسرون وفي المأكل معسرون وفي المشرب معسرون وفي علاقاتهم مع غيرهم معسرون وفي البيع والشراء معسرون وفي عمل الدعوة معسرون وهم في كل ذلك مخالفون للنهج النبوي الصريح ..
ثم أن هؤلاء لا يتقيدون بمنطق الأولويات ولا يفرقون في الموقف بين ما هو فرض أو واجب أو سنة وبين ما هو حرام أو مكروه وبين ما فيه نص أو اجتهاد فتراهم يكيلون للناس الاتهامات فيكفرون هذا ويفسقون ذاك وكأن الله قد نصبهم حكاماً على الأمة يقضون فيها بكل ما هو صعب وعسير فيضيقون سعة الإسلام ويحجرون مرونة الشريعة وينفرون الناس من الدين ألا ساء ما يفعلون ...
إن هذا لا يعنى أن يترخص الداعية وأن يتساهل ويداهن في إقامة حدود الدين وإنما أن يستفيد من مساحات المرونة واليسر التي جاء بها الدين نفسه .. فإقامة حدود الله أمر لا جدال فيه وليس هو المعنى في كلامنا هنا .
ويكفي أن نذكر هنا بقوله صلى الله عليه وسلم :(( أقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم )).
إن القاعدة النبوية في التعامل مع الآخرين والتي يجب أن تحكم أسلوب الدعوة والداعية تبدو واضحة جلية في قوله صلى الله عليه وسلم (( يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا )) .
وفيما ترويه عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه يؤكد هذه القاعدة .. قالت عائشة رضى الله عنها (( ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً .. فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شئ قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى )) .
ويحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على لين الجانب وسهولة المعشر وبين ذلك عند الله فيقول :((ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل هين لين سهل )) .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم هذا الخلق لأصحابه ويدربهم عليه عملياً .. فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال ((بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين )). إن سماحة الداعية ولينه وسهولة معشره هي التي تفتح مغاليق القلوب وتنفذ به إلى أعماق النفوس يلامسها بالهداية فتقبل ويدعوها إلى الخير فتستجيب ..
والخلق هذا يجب أن يغطى مساحة حياة الداعية كلها وأن يكون ملازماً له في كل شأن من شأنه وليس أثناء الدعوة فقط ..
ففي بيته يجب أن يكون كذلك .. وفي بيعه وشرائه يجب أن يكون كذلك .. وفي تقاضيه يجب أن يكون كذلك ..

ويقرر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول :

- ((أفضل المؤمنين : رجل سمح البيع سمح الشراء سمح القضاء سمح الاقتضاء ))
- (( رحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا اقتضى )) .
- (( وعن حذيفة رضى الله عنه قال :(( أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له :ماذا عملت في الدنيا ؟ قال ولا يكتمون الله حديثاً ؟ قال يا رب : آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر فقال الله تعالى أنا أحق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري : هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم )
أعرف أحد الدعاة وهو من كبار العلماء طبعه العسر في كل شئ صعب التعامل مع كل الناس .. مع الزوجة في البيت ومع الأولاد .. مع الجيران مع كل الناس ولقد وصل به الأمر أن عشرات الدعاوى أقيمت عليه أو أقامها على الناس لدى المحاكم .. هذا الإنسان أوتى سعة في العلم ولم يؤت سعة في النفس ولذلك لم ينفعه علمه ولم يتمكن من اجتذاب حتى أهل بيته إلى الإسلام واسيتعابهم ..
ولقد ذهب الإسلام في دعوته للسماحة والإحسان أبعد من ذلك حتى أنه أوجب أن يكون ذلك مع الحيوان ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )).

سادساً : التواضع وخفض الجناح


ومن أهم وأبرز الصفات التي تجعل الداعية محبوباً في قومه وبيئته ذا أثر فيهم وقوامه عليهم صفة التواضع وخفض الجناح ..
فالكبر يشكل جداراً وحاجزاً بين الداعية والناس .. بل ويجعل الداعية معزولاً عن مجتمعه غير مألوف ممن حوله وإلى هذا المعنى يشير الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ((إن أحبكم إلى أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى : المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون للبراء العيب )).
ومظاهر الكبر قد تبدو في صور مختلفة :
- فقد تبدو في عدم مخالطة الداعية للفقراء أو لعوام الناس وفي حرصه على مخالطة الأغنياء وأصحاب الجاه والسلطان ..
- وقد تبدو في زيادة اهتمامه بلباسه وتأنقه وفي إعابة التبذل فيمن حوله ..
- وقد تبدو في استنكافه عن القيام بواجب الدعوة (وعظاً وتوجيهاً وتدريساً ) في عوام من الناس أو قلة قليلة منهم فهو لا يتحدث إلا إذا كان الجمهور كبيراً ووسطه رفيعاً؟؟
- وقد تبدو من خلال تنميق الكلام وتزويق العبارة والمبالغة في ذلك إلى حد يضع المعاني ويبطل الأثر وهذا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :(( إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة )) .
- وقد تبدو في الإعجاب بالعلم والزهو بالمعرفة والتحدث عن النفس بعجب وفي الحرص على منافسة العلماء ومماراة السفهاء وهي أخلاق مرذولة نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وحذر منها فقال :((لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء ولا تحيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار )).
وقال :(( إن من أحبكم إلى وأقربكم منى مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلى وأبعدكم منى يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون )) للترمذى .
إن الداعية المتواضع هو الذي يعيش مع كل الناس ويستقبل كل الناس ويكلم كل الناس ويزور كل الناس ويحب كل الناس ..
وهو الذي يخدم الناس ولا يستخدمهم .. ويتواصل مع الناس لا يقاطعهم أو يجافيهم ..
ألا فليسمع الدعاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليقتدوا بتواضعه وهو سيد ولد آدم وأكرم إنسان .. فمن أقواله صلى الله عليه وسلم :
- (( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر )).
- (( إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد )).
- (( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم )).
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم :
- عن أنس رضى الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله . - وعنه قال :((إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت )).
- وعن الأسود بن يزيد قال : سئلت عائشة رضى الله عنها : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينع في بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله (يعنى في خدمتهم ) فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة )).
- وعن أبى رفاعة تميم بن أسد رضى الله عنه قال :انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقلت : يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه فأقبل علىّ رسول الله وترك خطبته حتى انتهي إلى فأتى بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها)).
- واخرج الطبرانى عن أبى أمامة أنه قال : ((كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن .. يكثر الذكر .. ويكثر الخطبة .. ويطيل الصلاة .. ولا يأنف ولا يستكبر أن يذهب مع المسكين والضعيف حتى يفرغ من حاجته )).
- وأخرج البيهقى عن أبى موسى أنه قال : ((كان الرجل من العوالى ليدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف الليل على خبز الشعير فيجيب )).
- وأخرج الطبرانى عن أبى أمامة قال : ((كانت امرأة ترافث الرجال وكانت بذيئة فمرت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل ثريداً على طربال (البناء المرتفع) فقالت : انظروا إليه يجلس كما يجلس العبد ويأكل كما يأكل العبد .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأي عبد أعبد منى ؟ قالت : يأكل ولا يطعمني . قال فكلى ؟ قالت : ناولني بيدك .. فناولها .. فقالت أطعمني مما في فيك .. فأعطاها فأكلت فغلبها الحياء فلم ترافث أحداً حتى ماتت)).
وفيما يلي طائفة مما روى عن تواضع الصحابة رضى الله عنهم :
- أخرج ابن عساكر عن أسلم قال : قدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الشام على بعير فجعلوا يحدثون بينهم . فقال عمر : تطمح أبصارهم إلى مراكب من لا خلاق لهم )).
- وأخرج الدينورى عن الحسن قال : خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه في يوم حار واضعاً رداء على رأسه فمر به غلام على حمار فقال : يا غلام احملني معك .. فوثب الغلام عن الحمار وقال : اركب يا أمير المؤمنين قال : لا اركب وأركب أنا خلفك تريد أن تحملني على المكان الوطىء وتركب أنت على الوضع الخشن فركب خلف الغلام فدخل المدينة وهو خلفه والناس ينظرون إليه ))
- وأخرج ابن سعد وأحمد وابن عساكر عن عبد الله الرومي قال : كان عثمان رضى الله عنه يلي وضوء الليل بنفسه فقيل : لو أمرت بعض الخدم فكفوك . فقال لا إن الليل لهم يستريحون فيه )) .
- وأخرج سعد عن ثابت قال :(( كان سلمان رضى الله عنه أميراً على المدائن فجاء رجل من أهل الشام من بنى (تيم الله ) معه حمل تين فقال لسلمان : تعال احمل (وهو لا يعرفه ) فحمل سلمان .. فرآه الناس فقالوا : هذا الأمير .. قال لم أعرفك ... فقال له سلمان : لا حتى أبلغ منزلك )).
- وأخرج العسكري عن على رضى الله عنه قال : ثلاث هن رأس التواضع : 1- أن يبدأ بالسلام من لقيه 2- ويرضى بالدون من شرف المجلس 3- ويكره الرياء والسمعة )).

سابعاً : طلاقة الوجه وطيب الكلام


ومن الصفات التي تفتح للداعية قلوب الناس وتجعله محل قبول عندهم وألفة منهم طلاقة وجهه وطيب كلامه ..
فالوجه هو عنوان الداعية والمرآة التي تعكس نفسيته وأعماقه .. فإن كان متجهماً أوحى بالضيق والتجهم وإن كان طلقاً مبتسماً أوحى بالبشر والخير ..
وليس المقصود بطلاقه الوجه جماله أو حسن تقاسيمه .. فقد يكون الوجه جميلاً وليس فيه أثر من الطلاقة وقد يكون قبيحاً ويفيض أنساً وبشراً ..
والداعية عليه أن يتعود طلاقة الوجه ولو أن يدرب نفسه على ذلك وأن يعود نفسه الابتسام كائناً ما كانت ظروفه ضاغطة أليمة .
إن نجاح الداعية يكمن في قدرته على تكييف نفسه وأن تكون له القوامة عليها وليس العكس وأن تكون لديه القدرة على التحكم بنفسه حيال الظروف التي يمر بها وأن يعطى لكل مقام مقالاً ..
أعرف بعض الدعاة يخرجون على الناس والابتسامة تعلو محياهم وقد دفنوا في الأعماق هموماً ومشاكل لا يعلم مداها إلا الله ..
وأعرف آخرين لا يستطيعون السيطرة على أنفسهم حيال أبسط المشكلات والملمات فترى آثار ذلك بادية في وجوههم ومن خلال تصرفاتهم فتشعر حيال ذلك وكأنك أنت المسيء إليهم ؟؟
سمعت أن أحد الدعاة كان يلقى محاضرة في جمهور غفير في بعض أرياف مصر وكان قد غادر القاهرة تاركاً أحد أولاده في مرض شديد .. وأثناء المحاضرة دخل القاعة أحد أقرباء الداعية واقترب من المنصة وسلم المحاضر قصاصة من الورق فما كان من الداعية إلا أن قرأها ثم تابع محاضرته بشكل طبيعي ودون أن يلحظ الحضور عليه أي أثر .. وبعد أن انتهي من حديثه أجاب على كثير من الأسئلة بطلاقة نفس ورحابة صدر .. ثم صعق الناس بعد ذلك عندما علموا أن قصاصة الورق التي وصلت الداعية كانت تحمل نبأ وفاة ابنه المريض ؟؟
هذا عن طلاقة الوجه أما عن طيب الكلام فإنه لا يقل أهمية إن لم يكن أكثر أهمية من سواه .. فكلام الداعية هو وسيلة الاتصال بالناس ووسيلة التعبير عن المعاني والأفكار فأن كان الداعية تمناً من لسانه متحكماً بكلامه قادراً على انتقاء الكلم الطيب والتعبير الحسن كان بالتالي قادراً على كسب قلوب الناس والولوج إلى نفوسهم وذواتهم وإن كان غير ذلك لا يلقى بالاً إلى ما يخرج من بين شدقيه فقد أقام بينه وبين الناس حاجزاً لا يخترق وسداً لا يمكن النفاذ منه .. بل وجعله ذلك مذموماً مكروهاً تحاشاه الناس ولا يألفونه ...
فمن كتاب الله تعالى قوله
- { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً } .
- { وقولوا للناس حسناً }.
- { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم }
- { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً }
- { وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد }
- { وجادلهم بالتي هي أحسن }
- { فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى}
ومن توجيهات النبوة قوله صلى الله عليه وسلم :
- ((لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق )).
- (( من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت طلق الوجه)) .
- (( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط وإياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة ولا يحبها الله وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه فإن أجره لك ووباله على من قاله )).
- (( والكلمة الطيبة صدقة ))
- (( موجب الجنة : إطعام الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام )).
- (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أ, ليصمت ))
- (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ))
- (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه ))
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة للناس جميعاً فإن الدعاة أولى بهذا الإقتداء من غيرهم فلينظر دعاة الإسلام كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم :
- أخرج الخرائطى والحاكم عن عمرة قالت : سألت عائشة رضى الله عنها كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا مع نسائه ؟ قالت : كالرجل من رجالكم إلا أنه كان أكرم الناس وألين الناس ضحاكاً بساماً ))كذا في الكنز ج 4 ص .47
- وأخرج البزار عن جابر رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت : نذير قوم أتاهم العذاب فإذا ذهب عنه ذلك رأيت أطلق الناس وجهاً وأكثرهم ضحكاً وأحسنهم بشرا وعند الطبرانى : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أضحك الناس وأطيبهم نفساً )).

ثامناً: الكرم والإنفاق على الناس


ومن لأبرز الشروط اللازمة لنجاح الداعية في دعوته والتي تمكنه من اجتذاب الناس واستيعابهم هي كرمه وإنفاقه على الناس ...
فالكرم والسخاء والعطاء دليل أكيد على كرم وسخاء وعطاء نفس الإنسان فيما البخل والحرص والشح دليل على بخل النفس وحرصها وشحها ...
في كثير من الأحيان يجد الداعية نفسه أمام مشكلات وقضايا لا حل لها بالإنفاق وبذل المال فإن هو بخل قد يخسر فرضاً لا تفوت بل قد يتسبب بإحراجات وإساءات بالغة للدعوة نفسها ...
اعرف دعاة المال عندهم له شأن كبير وحرصهم عليه يؤدى إلى خسارة كثير من الطاقات كان يمكن أن تكون خيرة ومعطاة فيما لو قوبلت بالسماح والكرم والعطاء .
أنا أفهم إنه في سبيل الهداية وعمل الدعوة كل شئ يجب أن يرخص ذلك أن القيمة الأساسية هي للإنسان الذي سخر الله له ما في السموات وما في الأرض والمال هو أحد هذه الأسباب ويجب أن يوضع في خدمة الهداية والدعوة وليس العكس ..
- إن إكرام الضيف في الإسلام واجب .. ولقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على القيام به فقال:(( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه .. الحديث )) وهل يتحقق الإكرام من غير إنفاق ومن سخاء نفس ويد ؟
إن السخاء الذي جبلت عليه قلوب الرعيل الأول من صحابه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي جعلهم أئمة مهتدين ..
فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود .. فقال : من يضيف هذا الليلة رحمه الله ؟ فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله .. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته : هل عندك شئ ؟ قالت : إلا قوت صبياني .. قال : فعلليهم بشيء فإذا أرادوا العشاء فنوميهم فإذا دخل ضيفنا فأطفئ السراج وأريه أنا نأكل .. قال : فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين .. فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ((الملائكة تصلى على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة )) وقوله :(( الخير أسرع إلى البيت الذي يؤكل فيه من الشفرة إلى سنام البعير )).
- وإن المهاداة بين المسلمين من خلق الإسلام ومن الفعال التي حض عليها الرسول صلى الله عليه وسلم .. حيث قال :(( تهادوا تحابوا )). والهدية يهديها الأخ لأخيه هي رسول خير ومظهر حب ووسيلة قربى ومبعث أنس تقرب البعيد وتصل المقطوع وتشق طريق الدعوة إلى النفوس ومن أولى من الداعية بذلك ومن أحوج منه إلى ذلك ؟ ولكن تحقيق ذلك يحتاج إلى بذل وإنفاق وكرم ..
- ثم أن الفضائل كلها التي أمر الإسلام بها تحتاج للقيام بها إلى الجود والكرم ويصعب أن يتحقق في غير الجواد الكريم فالإنفاق على أصحاب الحاجة من الفقراء والمساكين وكفالة الأيتام والإيثار وإيفاء الكيل والمواساة والأخوة وحق الجار وإصلاح ذات البين غيره كلها صفات تتعارض والبخل ولا يمكن أن يتحلى بها البخلاء ..
من هنا جاءت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تندد بالبخل والبخلاء وتحض على الكرم وتشيد بالكرماء ..
فمن قوله تعالى في البخل :
{ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون بما بخلوا يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعلمون خبير }
{ وأحضرت الأنفس الشح }
{ من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون }
{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً }
{ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الأنفاق وكان الإنسان قتورا }
وفي وصفه تعالى للمؤمنين :
{ الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار }
{والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم }
{ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً }
{ ومما رزقناهم ينفقون } وردت في عشرات الآيات في سياق وصف المؤمنين .
وفي أمره تعالى بالإنفاق :
وردت عشرات الآيات بمختلف الصيغ ..
{ أنفقوا من طيبات ما رزقناكم } { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } {أنفقوا مما رزقكم الله } {قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً } { وأنفقوا خيراً لأنفسكم } { وأنفقوا في سبيل الله } { لينفق ذو سعة من سعته } { وما لكم ألا تنفقوا } .
ومن قوله صلى الله عليه وسلم في البخل :
(( ما محق الإسلام محق الشح شئ))
((شر ما في الرجل : شح هالع ، وجبن خالع ))
((لا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبداً ))
((خصلتان لا يجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق )).
((السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد عن النار .. والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل ))
((ألا أن كل جواد في الجنة حتم على الله وأنا به كفيل ((ألا وإن كل بخيل في النار حتم على الله وأنا به كفيل .. قالوا : يا رسول الله من الجواد ومن البخيل ؟ قال: الجواد من جاد بحقوق الله عز وجل من ماله . والبخيل من منع حقوق الله بخل على ربه .. وليس الجواد من أخذ حراماً وأنفق إسرافاً ))
((السخاء خلق الله الأعظم ))
((إن الله استخلص هذا الدين لنفسه فلا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما)) (( أنفق يا بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالا))

تاسعاً : خدمة الآخرين وقضاء حوائجهم


ومن شروط نجاح الداعية في دعوته والتي تمكنه من النفاذ بدعوته في المجتمع الذي يعيش فيه قيامه بخدمة الآخرين والعمل على قضاء حوائجهم ...
فالدعوة ليست منبراً لعرض الأفكار والنظريات .. والداعية ليس (مذياعاً) يردد الأفكار المجردة فحسب .. بل إن الدعوة والداعية يجب أن ينتقلا نقلة نوعية تجعلهما يعيشان هموم الناس ويحملان بقسط وافر من هذه الهموم ..
وهذا الأمر ليس من قبيل الدعاية والمتاجرة والاستغلال كما هو الشأن لدى الجمعيات التبشيرية وغيرها وإنما هو مبدأ في صلب المنهج الإسلامي . لا يصلح الإسلام إلا به وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :(( من بات ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ))
في كثير من الأحيان تحول هموم الناس ومشكلاتهم بينهم وبين التلقي .. وتصبح هذه الهموم والمشكلات سداً منيعاً في وجه ما يردهم من أفكار مجردة ونظريات ومن هنا كان من واجب الداعية أن يبادر إلى إزالة العوائق من طريق دعوته وإلى فتح القنوات الموصلة لأفكاره إلى قلوب الناس وعقولهم ..
وإن كان صحيحاً أن الداعية لن يسع الناس بماله وجهده وخدماته ولكن ليس من الصحة في شئ اعتباره حائلاً بينه وبين قيامه بما يستطيع فالمطلوب منه ابتداء القيام ببذل ما يستطيع من جهد فإن قصر به جهد عوضه وأكمله بحسن الخلق .. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم)).
والإيمان نفسه يجب أن يدفع الداعية إلى أن يحب لغيره ما يحب لنفسه .. وهذا لن يكون إلا بالسعي في شؤونهم وقضاء حوائجهم ..
والأخوة الإسلامية نفسها والتي تقوم على الحب في الله لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع ويتحقق نقلها من حيز الادعاء إلى حيز التطبيق إلا من خلال المساعدة والمساندة والاهتمام والسعة وقضاء الحاجة .. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبرأ من إنسان يبات شبعان وجاره جائع وهو يعلم فهو أكثر تبرأ من إنسان يقدر أن يرفع الظلم عن أخيه أو يقضى حاجته أو يفرج كربه أو يزيل همه ثم لا يفعل ؟؟ إن الداعية بحق هو الذي يعيش لسواه لا لنفسه ويكون ديدنه الدوران حول مجتمعه وحول المسلمين وليس حول ذاته .. وهو الذي يعمل على توفير الراحة للآخرين ولو على حساب راحته بل إن الداعية بحق هو الذي تسعده سعادة الآخرين وتشقيه شقاوتهم يرتاح إذا ارتاحوا ويطمئن إذا اطمأنوا ويسعد إذا سعدوا ..
فإذا قامت هذه الوشائج بين الداعية وبين الناس تحقق الوصال والاتصال وتحقق التأثر والأثر ونجحت المهمة وآتت الدعوة أكلها بإذن ربها وإن كان غير ذلك لم تكن دعوته ولم يكن داعية ..
وكيما يتمكن الداعية من خدمة الناس وقضاء حوائجهم فإن عليه أن يكون قريباً منهم موصولاً بهم غير مقطوع عنهم كما أن عليه أن يجالسهم ويحادثهم ويستمع إليهم ..
ولقد كان من صفاته صلى الله عليه وسلم إنه كان يجلس إلى الناس ويستمع لهم حتى وقع الظن لدى البعض وأشاع البعض الآخر من المنافقين أن رسول الله (أذن) يستمع إلى هذا ويصدقه أي تنطلي عليه الأمور فنزل في ذلك قوله تعالى : { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم }.
أعرف داعية كثير الجلوس إلى الناس والاستماع إليهم وإلى ما عندهم حتى غدا بيته مقصداً للناس ومرجعاً لهم يبثون فيه همومهم ويستقضون فيه حوائجهم ويحلون عن طريقه مشاكلهم ولقد شق هذا الأمر على بعض أصحاب الداعية واعتقدوا أن في ذلك مضيعة لوقته ومشغلة عن دعوته .. ولم يعلم هؤلاء وأولئك حتى الآن أن هذا هو ميدان الدعوة العملي وأن هذا هو الطريق الذي يصلها بالناس وصلاً مباشراً وإن التوجيه والتوعية الذين يمكن أن يكونا من خلال ذلك أكثر أثراً من التوجيه العام النظري الذي يكون عادة عن طريق الخطبة والمحاضرة والحديث ...
إن من الأسباب الرئيسية لركود الدعوة أو جمودها أو عقمها أحياناً اكتفاء أصحابها بالإطلال على الناس في المناسبات بمكتوبات أو مقولات -
والدعوة الناجحة هي الدعوة الموصولة بقضايا الناس لأنها ستكون عند ذلك موصولة بقلوبهم ومشاعرهم ..
إن الفكرة المجردة تدب فيها الحياة وتصبح قضية متحركة إذا ما تجسدت في الواقع وطرحت على أرض الواقع والفكرة تبقى نظرية وبعيدة ما لم ترتبط أو تحاكى واقعاً معاشاً أو بالتالي تكون معالجة ومتعاملة مع هذا الواقع سلباً أو إيجاباً ..
إن قضايا الناس كثيرة ومتشبعة فمنها الخاص ومنها العام ومنها النفسي ومنها الحسي ومنها التافه ومنها المهم والداعية يجب أن تكون معالجته لها بحسب الأولويات والأهميات ..
والأمر الذي لا مناص منه ولا فائدة بدونه أن يكون ارتباط الحوائج وبذل المساعي بفكر الداعية ودعوته لا بشخصه وأن يبدأ بهذا الربط ويسعى له من أول يوم وإلا كان الاستقطاب حول الشخص وليس حول الفكرة أو الحركة وهذه قضية مهمة يجب التنبه إليها والحذر منها قبل أن تصبح باباً للشيطان ووبالاً على الدعوة والداعية ..
وإذا كان المنهج الإسلامي قد حض عموم المسلمين وعامتهم على القيام بقضاء حوائج الناس فإن دعاة الإسلام معنيون بذلك أكثر ..
- فمما ورد عن رسول الله في الحض على قضاء الحوائج قوله :
(( المسلم أخو المسلم : لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ) (( لأن يمشى أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته وأشار بإصبعه أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين )). ((لا يزال الله في حاجة العبد مادام في حاجة أخيه)).
- وفي حضه على السعي والسعاية للمسلمين يقول :
((الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وكالقائم الليل الصائم النهار )). ((من كان وصلة (أي شفيعاً موصلاً)) لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو إدخال سرور رفعه الله في الدرجات العلى من الجنة )).
((من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك سره الله عز وجل يوم القيامة )).
((من مشى في حاجة أخيه حتى يثبتها له أظله الله عز وجل بخمسة وسبعين ألف ملك يصلون له ويدعون له إن كان صباحاً حتى يمسي وإن كان مساء حتى يصبح ولا يرفع قدماً إلا حط الله عنه خطيئة ورفع له بها درجات ))
- وفي حضه على إدخال السرور إلى قلب المسلم يقول :
((إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور إلى أخيك المسلم )).
((أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو قضيت حاجته)).
((من أدخل على أهل بيت من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنة )).
((أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة أو تقضى عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً ولأن أمشى مع أخ في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام )).
وهكذا تتكاثر وتكثر التوجيهات النبوية التي تدعو وتحض على قضاء حوائج المسلمين وبذل المساعي الخيرة لهم وإدخال السرور إليهم ودعاة الإسلام أولى الناس جميعاً في الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع سنته ..
وبذلك نأتي إلى ختام الكلام عن الصفات والشروط التي يحتاجها الداعية ليتمكن من نشر دعوته وتأدية رسالته على أكمل وجه وليتمكن من استقطاب الناس حول الإسلام واستيعابهم في دعوته ..
ولننتقل بعد ذلك إلى الاستيعاب الداخلي أي ضمن الدعوة وداخل الحركة والتنظيم
والله ولى التوفيق

يتبع

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة