أخبار النافذة

دعوة

سعة موضوعات القرآن الكريم

 الأستاذ الدكتور/ عبد الستار فتح الله سعيد
       أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعتي الأزهر وأم القرى (سابقا)
 
1-السعة البالغة لموضوعات القرآن الكريم:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. . . أما بعد:
فإن من يتكلم في التفسير الموضوعي يعلم أنه يجمع موضوعات ليفسرها؛ فهل القرآن الكريم فيه موضوعات كثيرة؟ وهل تتسع لنشأة هذا العلم الجديد؟
الجواب عن هذا: أن القرآن الكريم يشمل موضوعات شتى كثيرة، لا يمكن حصرها،وهي ممتدة امتدادًا يدهش العقول والأسماع والأبصار؛ لأن القرآن الكريم كتاب -من حيث الصفحات- محدود الحجم، لكنه من حيث المعاني والسعة يمتد امتدادًا لا عهد للعقول البشرية به في الكتب أو المؤلفات البشرية، ولذلك قال الإمام الراغب -رحمه الله- في كتابه الفذ البديع (مفردات ألفاظ القرآن الكريم)، قال في مقدمة هذا الكتاب: إن الله -سبحانه وتعالى- كما جعل نبوة النبيين بنبينا محمد ^ مختتَمة، وجعل شرائعهم بشريعته -من وجه- منتسخة، ومن وجه مكملة متممة، جعل كتابه المنزل عليه متضمنا لثمرة كتبه التي أولاها أولئك النبيين؛ كما نبه عليه بقوله تعالى: ]يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً $فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ[(البينة:2، 3)
وجعل سبحانه من معجزات هذا الكتاب أنه -مع قلة الحجم- متضمنٌ للمعنى الجمّ؛ بحيث تقصر الأسباب البشرية عن إحصائه، وتقصر الآلات الدنيوية عن استيفائه؛ كما نبه عليه تعالى بقوله ]وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله[(لقمان:27)؛
2- العلوم المستنبطة من القرآن:
كتب  علماؤنا -رضي الله عنهم- في كتب علوم القرآن أبوابًا واسعة؛ لبيان ما في القرآن الكريم من معانٍوموضوعات، وعلوم متضمنة، أو ظاهرة؛ بحيث نجد من ذلك فيضًا غزيرًا؛ فمثلًا الإمام الزركشي كتب ذلك في أول كتابه (البرهان فيعلوم القرآن) وبيَّن أشياء كثيرة في هذا. ثم جاء الإمام السيوطي -رحمه الله- فمد ذلك مدًّا موسعًا في كتابه الجليل )الإتقان في علوم القرآن) وبيّن السعة الواسعة في النوع الخامس والستين بعنوان “العلوم المستنبطة من القرآن الكريم” فقال فيها: وقال تعالى: ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ[(النحل:89) وقال ^: (ستكون فتن، قيل: وما المخرج منها؟ قال كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم)أخرجه الترمذي وغيره، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: (من أراد العلم فعليه بالقرآن فإن فيه خبَر الأولين والآخرين،قال البيهقي: يعني أصول العلم).
وأخرج البيهقي عن الحسن قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة منها؛ هي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان -يعني: القرآن- وقال الإمام الشافعي -رضي الله عنه: جميع ما تقوله الأمة، هو شرح للسنة، وجميع السنة شرح للقرآن. وقال أيضًا: جميع ما حكم به النبي ^ فهو مما فهمه من القرآن، ويؤيد هذا قوله ^: (إني لا أحل إلا ما أحل الله، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه )، أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في (الأم).
وقال سعيد بن جبير -رضي الله عنه: ما بلغني حديث عن رسول الله ^ على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله تعالى.
وقال ابن مسعود -رضي الله عنه: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله تعالى. أخرجهما ابن أبي حاتم هكذا قال السيوطي -رحمه الله- ثم امتد بعدهذا في كلام طويل، وقال نقلًا عن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين؛ بحيث لم يحط بها علمًا حقيقة إلا المتكلم بها -سبحانه وتعالى- ثم رسول الله ^ خلا ما استأثر الله بعلمه، ثم وَرِثَ عنه معظم ذلك السادة الصحابة وأعلامهم، مثل: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم- أجمعين حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى.
ثم ورث عنه التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوَّعوا علومه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه؛ فاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه. . . إلى آخره، فسموا القرَّاء.
واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال والحروف، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها وضروب الأفعال. . . إلى آخره، فسموا بالنحاة، واعتنى المفسرون بألفاظه وتراكيبه فسموا بالمفسرين، واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله تعالى: ]لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا[(الأنبياء:23). . . إلى غير ذلك، فاستنبطوا الأدلة على وحدانية الله تعالى، وسموا هذا العلم بأصول الدين، وتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي العموم، ومنها ما يقتضي الخصوص إلى غير ذلك فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز، وتكلموا في التخصيص والإخبار والنص والظاهر والمجمل والمحكم. . . إلى آخره، وسموا هذا العلم «أصول الفقه».
وأحكمت طائفة صحيحَ النظر وصادق الفكر، فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام، فأسّسوا أصوله، وفرّعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطًا حسنًا، وسمّوه بعلم الفروع أو بالفقه أيضًا. . . إلى آخر العلوم المستنبطة من القرآن.
تكلم الإمام السيوطي وغيره من الأئمة كلامًا طويلًا كثيرًا إلى أن روى الإمام السيوطي -أيضًا- في (الإتقان) قال: قال ابن سراقة: من بعض وجوه إعجاز القرآن ما ذكر الله فيه من أعداد الحساب، والجمع، والقسمة، والضرب، والموافقة، والتأليف، والمناسبة، والتنصيف، والمضاعفة؛ ليعلم بذلك أهل العلم بالحساب أنه ^ صادق في قوله، وأن القرآن ليس من عنده؛ إذ لم يكن له أصل في مخالفة الفلاسفة، ولا تلقى الحساب والهندسة عن أحد.
لهذا كله نجد أن القرآن الكريم يمتد في علوم شتى وشُعَب طويلة عظيمة، وجاء بعض العلماء فحدد تحديدًا فقال -مثلًا- مما روي عن الإمام أبي بكر بن العربي قال: وأمُّعلوم القرآن ثلاثة؛ يعني: أصول علوم القرآن -أو جوامعها- ثلاثة؛ توحيد، وتذكير، وأحكام.
فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات، ومعرفة الخالق بأسمائه، وصفاته وأفعاله، والتذكير منه: الوعد والوعيد، والجنة والنار، وتصفية الظاهر والباطن، والأحكام منها التكاليف كلها، وتبيين المنافع والمضار، والأمر، والنهي، والندب، ولذلك كانت «الفاتحة” تسمى «أم القرآن” ؛ لأن فيها الأقسام الثلاثة.
وسورة الإخلاص تسمى بذلك؛ لأنها ثلث القرآن؛ لاشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة -وهو التوحيد- وقال الإمام ابن جرير الطبري: القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء -يعني: الجوامع الكبرى- الوحي، والإخبار، والديانات، ولهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه؛ لأنها تشمل التوحيد كله، وقال علي بن عيسى الرمّاني: القرآن يشتمل على ثلاثين شيئًا؛ الإعلام، والتنبيه، والأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، ووصف الجنة، والنار، وتعليم الإقراء باسم الله، وبصفاته، وأفعاله، وتعليم الاعتراف بإنعامه، والاحتجاج على المتخالفين، والرد على الملحدين، والبيان على الرغبة، والرهبة، والخير، والشر، والحسن، والقبيح، ونعت الحكمة، وفصل المعرفة، ومدح الأبرار، وذم الفجار، والتسليم، والتحسين والتوكيد، والتقريع. . . إلى آخره، وعد من ذلك شيئًا كثيرًا.
وقال القاضي أبو المعالي: وعلى التحقيق إن هذه الأقسام الكثيرة هي تلك الثلاثة التي قالها ابن جرير؛ لأنها تشمل هذا كله، بل أضعافه فإن القرآن لا يُسْتَدْرَك ولا تُحْصَى عجائبه.
ويعلق الإمام السيوطي على هذا، فيقول: وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء، وأما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها، وفيهِ عجائب المخلوقات، وملكوت السماوات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وما تحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل، والملائكة، وعيون الأخبار؛ كقصة آدم مع إبليس في إخراجه من الجنة، وطردإبليس، وغرق قوم نوح، وقصة عاد الأولى، والثانية، وثمود، والناقة، وقوم يونس، وقوم شعيب، والأولين، والآخرين، وقوم لوط، وقوم تبع، وأصحاب الرس، وقصة إبراهيم في مجادلة قومه. . . وغير ذلك كثير عدّه الإمام السيوطي في هذا الباب.
فنحن إذن أمام أنواع وعلوم كثيرة جدًّا،وموضوعات شتى لا يمكن أن نحصيها، لكن يُلَاحظ أن بعض الأئمة حاول أن يجمع الموضوعات القرآنية في الأغراض التي جاء من أجلها القرآن أصلًا، فإن القرآن الكريم جاء بمبادئ يريد أن يعلمها للناس، وأن يقرِّرها -وهي الهداية- أي المنهاج الذي يمشي عليه الناس، أو الشريعة -الدين والشريعة- التي ينبغي أن تسير عليها الأمم والشعوب والبشرية إلى يوم القيامة، وهذا -كما علّم الأنبياء السابقين- علمه محمدًا ^ وضمنه هذا الكتاب المعجز الباقي الذي تعهد ربنا بحفظه -سبحانه وتعالى- ومن ثمَّ ركزوا على الدين والهداية.
نحن أيضًا عندما ننظر في القرآن، نجد قولالله -عز وجل-: ]شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[(البقرة:185) فالغرض الأساسي للقرآن الكريم هو هداية الخلق إلى طريق الله، إلى معرفة الله، إلى السبيل الذي يسلكونه؛ لكي يرجعوا إلى الجنة، وهي الدار التي طردوا منها أول مرة بذنوبهم، فنحن إذن نقول: عندنا الهداية القرآنية أو الشريعة القرآنية أو الدين الإلهي الذي قرره القرآن هو المحور الأساسي في كتاب الله -سبحانه وتعالى- من هنا نجد بعض الأئمة يركز على هذا.
إذن هناك قصص كثيرة في القرآن وأخبار، كل هذه وسائل لتقرير هذا الأصل الأصلي وهو الشريعة والدين -الذي جاء به رسل الله عبر القرون والأمم.
3-المبادئ والوسائل في القرآن الكريم، واتصاف القرآن بالشمول:
إذا انتقلنا إلى تقرير هذا العنصر المهم الأساسي في القرآن الكريم لنبين أن القرآن الكريم ينقسم إجمالًا إلى قسمين كبيرين:
القسم الأول: المبادئ التي جاء بها، وأمرنا بها ربنا، أو نهانا عن ارتكباها من المخالفات.
والقسم الثاني: الوسائل والأساليب التي جاءت لتقرر هذه الشريعة مثل: مجادلة الكفار، وإقامة الأدلة للناس.
التوحيد: فريضة الفرائض، وأصل الأصول، والأصل أن الشرك يجب أن ينتهي عنه الناس، هذه مبادئ ودين، لكن الأساليب التي جاءت لتقرير ذلك أو لدفعه،لبيان الحقيقة أو للرد على الشبهة وعلىالمخالفين هذه أساليب في القرآن الكريم؛ لذلك كثير من الأئمة؛ إما يركز على هذا، وإما يركز على الموضوعات جميعًا، ومن ذلك ما يقولهالسيوطي -مثلًا: القرآن فيه جميع أسماء الله تعالى الحسنى؛ كما وردت في الحديث، ومن أسمائه مطلقًا ألف اسم، ومن أسماء النبي ^ جملة، وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون، وفيه شرائع الإسلام الثلاثمائة والخمس عشرة، وفيه أنواع الكبائر وكثيرٌ من الصغائر، وفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي ^ إلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات.
فإذا أردنا أن ننتقل إلى العنصر الثاني في هذا، وهو عنصر (الشمول القرآني)يتقرر لنا أن القرآن جاء شاملًا كاملًا تامًّا مستوعبًا لكل شئون الحياة التي يحتاجها البشر في دينهم ودنياهم، ولهذا نجد أن هذا الشمول ينص عليه في القرآن -الشمول بمعنى الاستيعاب، والعموم- نجد أن القرآن الكريم ينص على هذا الشمول في مواضع كثيرة، وبمتابعةهذا في القرآن الكريم وجدت أن هذا الشمول ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شمول المكان والزمان.
القسم الثاني: شمول الأفراد.
القسم الثالث: شمول المبادئ والأحكام.
أما شمول المكان والزمان فمعناه: أن هذا الدين موجه لكل مكان وزمان إلى يوم القيامة، فهو ليس موجهًا إلى الجزيرة العربية فقط، ولا إلى المعاصرين للنبي ^ فقط، وإنما هو موجه لكل من يوجد في مكان أو زمان، وهما مترابطان -يقول الله تعالى في تقرير هذا: ]ولِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا[(الأنعام:92) أم القرى: هي مكة المكرمة، ومن حولها: هو العالم كله؛ لأن نقطة االارتكازفي اليابسة هي مكة المكرمة، فهي أم القرى؛ كأن القرى خرجت منها جميعًا.
فهذا شمول للمكان: النبي ^ جاء مبلغًا الدين للجزيرة العربية ابتداء، والعالم جميعًا من بعد ذلك، فهذا شمول للمكان والزمان.
شمول الأفراد -أي: أن هذا الدين الذي عموده القرآن وموضوعات القرآن، هي الأساس كما بيَّنا- موجه إلى كل فرد في الناس إلى يوم القيامة؛ منذ بعث محمد ^ ونادى في بطحاء مكة: قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، ونزلت عليه الآيات الأولى من القرآن: ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ$ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ $اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ $الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ $عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[(العلق:1- 5).
فهذا هو الأساس، أنه نداءٌ موجه لجميع الأفراد بشرط أن يكونوا عقلاء يفهمون الخطاب، وبشرط أن يكونوابالغين لسن التكليف أو بَلَغَتْهُمْ هذه الرسالة، وفي القرآن آيات كثيرة تقرر ذلك، وهذا أيضا من الموضوعات العظيمة التي يتناولها التفسير الموضوعي، ومن فوائد الجمعالموضوعي الذي يجمع لنا الآيات المتعلقة بهذا؛ حتى نفهم هذا الجانب الخطير من رسالة الله للناس.
ماذانقصد بالأفراد؟ كل إنسان عاقل مكلَّف يبلغه هذا الحق الإلهي هو مطالب به، وينبغي أن يدخل في الإسلام، وأن يقرر مصيره النهائي بقبول هذا الحق الإلهي الذي بعث الله به الأنبياء جميعًا من قبل، وختم بمحمد ^ هذه الرسالة الجامعة، وبهذا القرآن المعجز الموجه للأفراد والجماعات والمجتمعات والدول والحكومات، كل هذا داخل في شمول الأفراد، الآيات في هذا كثيرة جدًا: ]تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[(الفرقان:1)،ويقول تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا[(سبأ:28)،ويقول سبحانه وتعالى: ]قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جميعا[ (الأعراف:158)، لم يقل الله -عز وجل: يا أيها الذين آمنوا، أو الذين كفروا، أو البيض أو السود، بل الناس جميعًا: ]قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ[ كان يكفي أن يقول: إني رسول الله إليكم، لكن جاءت (جميعًا)؛ للتأكيد ولرفع أي احتمال باستثناء أحد من توجه الخطاب إليه.
وإذن يقول: ]قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ[(الأعراف:158).
ومن هنا نجد الآيات في هذا كثيرة، في سورة الأنعام: ]وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِه وَمَنْ بَلَغَ[(الأنعام:19) هذا خطاب لقريش، وللعرب ]وَمَنْ بَلَغَ[ هذه جملة  من القرآن «وهو حمال ذو وجوه صحيحة” تتفق مع اللغة ومع الشرع ]لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ[ يعني: ومن بلغه هذا القرآن، بلغته الرسالة، بلغته الدعوة، هذا إذن من البلاغ،أو هو من البلوغ: ]لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ[ومن بلغ سن التكليف والمخاطبة، فكل إنسان يوجد على الأرض، ويصل إلى سن التكليف والبلوغ، هو مُنْذر بهذا القرآن، ومطلوب منه أن يحدد موقفه منه، بالنسبة للفرد، وبالنسبة للجماعات أيضًا يقول الله تعالى في سورة هود تقريرًا عن القرآن وعن النبي ^: ]وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ[(هود:17(
إذن الأحزاب، الجماعات، والدول، والحكومات، والشعوب، والأفراد، كل هؤلاء مطالبون، أو متوجه إليهم هذا الخطاب الإلهي -الذي يدعوهم فيه إلى إسلام وجوههم وقلوبهم لله رب العالمين- هذا شمول الأفراد.
هناك القسم الثالث: شمول المبادئ والأحكام، وهذا أمر مهم جدًا؛ لأنه يمكن إدعاء أن الله -عز وجل- يوجه دينًا إلى الأفراد جميعًا في كل زمان ومكان، ولكنه دين محدود، أو دين ناقص، أو دين لا يستوعب كل شئون الحياة، لكن -هنا- يقرر ربنا أن القرآن والإسلام رسالة ربانية للبشرية جميعًا، تستوعب كل ما يحتاج إليه الناس في شرائعهم ومعاملتهم وحياتهم جميعًا، يقول ربنا -سبحانه وتعالى- في الآية التاسعة والثمانين من سورة النحل، وهي آية فاصلة في هذا: ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ[فكلمة: ]تِبْيَانًا[ أبلغ من البيان، البيان هو التوضيح والكشف، التبيان أبلغ من ذلك: فهو ليس مبينًا فقط وإنما هوموضح غاية التوضيح، ومقرر غاية التقرير،لذلك انزله ]تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين[(النحل:89)ثم يقول ربنا -سبحانه وتعالى- في آيات كثيرة: بعد ذلك؛ ليقرر هذا المبدأ -شمول المبادئ والأحكام الشرعية- كما قال تعالى: ]أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ[(الأنعام:114).
يستنكر أنيبتغي حكمًا خارج الدين والقرآن، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا؟! ويقول سبحانه: ]الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[(هود:1) ويقول ربنا في الآية الجامعة المستوعبة التي نزلت على رسول الله ^ في حجة الوداع، وهو بين مائة ألف أو يزيدون من أصحابه -رضي الله عنهم- نزلت في حجة الوداع في خاتمة الإسلام هذه الآية الجامعة: ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا[(المائدة:3) فهذه الآية تقرر ثلاثة مبادئ أو ثلاثة أصول لصيقة بالإسلام.
أولاً: الإكمال.
ثانيا: إتمام النعمة.
ثالثًا: الرضوان الإلهي لهذا الدين الذي شرعه لعباده؛
 
فالإكمال في قوله تعالى: ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ[ يرجع إلى الكيف أي جودة الصفات في كل شريعة، وفي كل حكم أنزله الله تعالى لعباده، جودة كاملة، جودة لا سبيل إلى تسرب النقص والخلل إليها، في كل شريعة شريعة، فإذا نظرنا إلى الدين كله نجد الإتمام، أي: أنه جاء مستوعبًا لكل شئون الحياة؛ لأن الإتمام يرجع إلى الكم والعدد، فإذا كان الناسيحتاجون إلى ألف حكم، أوألف شريعة مثلًا، فهذا الدين جاء بها تامة ؛ إما عن طريق الأصول التي تدخل تحتهاأفراد كثيرة، وإما عن طريق النص المباشر على الأحكام الجزئية، وإما عن طريق الاجتهاد أو القياس. . . أو غير ذلك مما قررته الشريعة في تقرير الأحكام، فنحن إذن أمام دين يستوعب كل هذه المبادئ والأحكام؛ ولذلك ختم الله هذا الكلام في الآية الكريمة الثالثة من سورة المائدة: ]وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا[.
معنى هذا أن الله -تبارك وتعالى- أعطانا دينًا بالغ التمام وبالغ الكمال وبالغ الجودة وبالغ التغطية الكاملة لكل شئون الحياة؛ لذلك رضيه الله،وما رضيه الله لا بد أن يكون شيئًا عظيمًا هائلًا مستوعبًا لكل شئون الحياة،وهكذا الإسلام.
4-بيان هذه الشعب وأدلتها وتفاصيلها: ([2])
بعد تقرير الشمول نجد أننا ينبغي أن نضع أيدينا في موضوعات القرآن بالذات على نمط محدد، نستطيع أن نفهم به شريعتنا، ونستطيع أن نقنع به الناس، وأن نقدمه لهم بيانًا واضحًا، فمثلًا في الحديث الشريف ما معناه في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: الإيمان بضع وسبعون شعبة) أو (بضع وستون شعبةفي رواية البخاري، وفي رواية الإمام مسلم: بضع وسبعون،المراد التكثير أن شرائع الإسلام كثيرة: الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها لا إله إلا الله (هذه العقيدة) وأدناها إماطة الأذى عن الطريق (هذه معاملات) والحياء شعبة من الإيمان (هذالون من الأخلاق التي قررها ربنا -سبحانه وتعالى-)فنجد في الحديث أن شعب الإسلام كثيرة جدًا، وقد ألَّف فيها كثير من العلماء؛ الإمام البيهقي ألّف(شعب الإيمان) وتكلم كثيراًفي تفصيلاتها، وقد نظرنا فيها فوجدنا أننا نستطيع كما فعل العلماء -رضي الله عنهم- أن نقدم هذه الشعب في جوامع أساسية.
لقد وجدنا هذه الشعب المتكاثرة يمكن جمعها في أربع شعب رئيسة، جوامع الكلم فيها، هي أربع شعب أساسية:
الشعبة الأولى: شعبة الإيمان.
الشعبة الثانية: شعبة الأخلاق.
الشعبة الثالثة: شعبة العبادات.
الشعبة الرابعة: شعبة المعاملات، وما يلحق بها من قوانين أو شرائع العقوبات الزاجرة التي تلزم الناس بإتباع الدين، وعدم انتهاك حرمات الله -سبحانه وتعالى- ما معنى ذلك؟
هذه شعب أربع ينبغي أن نقرر فيها الحقائق التي جاءت في القرآن، وهي -إذا أردنا أن نأخذها على طريقة التفسير الموضوعي نجد- موضوعات شاسعة كبيرة جدًا؛ لأن هذه شعب كبرى أساسية تحت كل شعبة منها أفراد كثيرون، وأجزاء وتفاصيل لا يستطيع الإنسان أن يحصيها في هذا المقام.
فالشعبة الأولى: شعبة الإيمان هي شعبة تمثل العقائد العظمى التي جاءتنا من الله -سبحانه وتعالى- من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر الإلهيخيره وشره، وهكذا. نجد كل واحدة منها فيها تفصيلات واسعة جدًا، ثم بعد ذلك الأخلاق؛ من الصدق والأمانة والعفة والصبر والمواساة. . . إلى آخره، نجد في ذلك تفصيلات كثيرة جدًا، والأخلاق نوعان؛ أخلاق أمرنا بها –وهي الأخلاق الفاضلة الحسنة- وأخلاق نُهِينَا عنها، وهي الأخلاق السيئةالمنكرة وما إلى ذلك، مثل: الْكِبْر والكذب. . . إلى آخره.
أيضًا شعبة العبادات: العبادات شعبة عظيمة ممتدة تمثل اساسامن اسس التكليف، وهي مثل: الصلاة، والزكاة، والحج، وقراءة القرآن، والذكر، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، وسائر شعب العبادات الإلهية، التي سواء كُلفنا بها على طريق التحديد مثل الصلاة أو على طريق الإطلاق، أو عدم التحديد مثل الذكر. . . وهكذا، فنجد أيضًا هذه الشعبة من الشعب الأساسية التي تحتها أفراد كثيرون.
بعد ذلك عندنا شعبةالمعاملات، وهي ما يقع من ألوان التعاملات بين الناس، مثل: البيع، والشراء، والرهن، والهبة، والميراث، والزواج، والطلاق، والحرب، والسلام، والهدنة، والمصالحات، وتقسيم الغنائم، شعبةممتدة، واسعة النطاق، تشمل شئون الحياة الدنيوية، وكل هذا مقرر في كتاب الله -عز وجل- ومقرر في سنة رسول الله ^ وهذا يعطي لنا بُعدًا عظيمًا كبيرًا في أن الإسلام دين شامل لكل شئون الحياة، وأن القرآن كتاب شامل لكل شئون الحياة كما قال ربنا: ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[(النحل:89)
5- الجمع الموضوعي وأنواع الترتيب القرآني: ([3])
هنا ننتقل إلى عنصر مهم جدًا، وهو الجمع الموضوعي، الجمع الموضوعي لا بد أن يتقرر بعد أن نفهمأن القرآن الكريم العظيم فيه موضوعات كثيرةجدًا، نريد أن نبحث موضوعًا معينًا؛ فكيف نبحث فيه؟
أولاً: نجمع الآيات الكريمة المتعلقة بهذا الموضوع؛لنضعها أمامنا للبحث والمقارنة والموازنة واستنباط العناصر منه؛ ليتقرر موقف القرآن الكريم من هذا الموضوع، ومن هنا نتحدث عن الجمع الموضوعي، نقول: إن الجمع الموضوعي هو وجه من وجوه الترتيب في القرآن الكريم؛ كيف هذا؟ نزل القرآن الكريم منجمًا على مدار ثلاثة وعشرين عامًا تقريبًا، وكان كلما نزل شيء منه أمر النبي ^ بوضعه في مكان معين من سورة معينة، وكانت هذه النجوم القرآنية تتضمن أغراضًا شتى توزعت في سور القرآن الكريم، ومن هنا كان للقرآن الكريم وجوه متعددة في ترتيبه، هي -بإيجاز:
أولاً:ترتيب النزول:
حيث كانت الآيات الكريمة تُنزل على حسب الوقائع والأحوال -كما نعلم- أحيانًا بعض آية، أو آية، أو عدة آيات، أو سورة كاملة، وقد بدأ هذا الترتيب -ترتيب النزول- بصدر سورة العلق: ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق[ إلى خمس آيات منها، وانتهي بالآية الكريمة -على الراجح- الآية رقم 281 من سورة البقرة: ]وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله[ وهذا الترتيب هو أساس البحث والدراسة عند العلماء، هذا ترتيب للبحث والدراسة، ليس للتلاوة، ينبغي أن ننتبه لهذا؛ لأن عليه يترتب معرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، وتدرج التشريع، وتاريخ التشريع، ولا يوجد -بالمناسبة- ضبطٌ كامل لهذا النوع من الترتيب -ترتيب النزول- وإنما يوجد -كما قلنا- في المكي والمدني أشياء مقطوع بترتيبها نزولًا، وأشياء راجحة، وأشياء محتملة، وهذا قليل في الأحكام.
ثانيًا:ترتيب التلاوة -بعد ترتيب النزول ترتيب التلاوة:-
وهو الموجود في المصاحف الآن، وقد رُتِّب على هذا الوجه بأمر النبي ^ وفق ما علمه جبريل عليه السلام؛ أخذًا من اللوح المحفوظ، وهو الذي كان يقرأ به النبي ^ في الصلاة وفي التلاوة، ويحفِّظُه لأصحابه، ويدارسه به جبريل في رمضان، وهذا هو الترتيب المتواتر المتعبد بتلاوته والمتحدى به، وقد رُتب على هذا النمط؛ لحكم وأسرار كثيرة، سنتحدث عن بعضها -إن شاء الله.
إذن ترتيب النزول أولاً، وترتيب التلاوة ثانيًا
ثالثًا:ترتيب الموضوعات:
وهو الذي يُجمع فيه الآيات المتعلقة بكل موضوع على حدة، وفي مكان واحد؛ للنظر فيها مجتمعة واستخراج عناصرها، ومعرفة حقائقها عن طريق تفسيرها تفسيرًا موضوعيًّا، وهذا الوجه هو أساس البحث والدراسة عند العلماء من قديم، مثل: الوجه الأول، وكان عمدتهم في استخراج حقائق القرآن وأحكامه؛ في العقائد والفقه وغيرها مثل: آيات الخمر مثلًا -أي إنسان يسأل عن الخمر وحكم الخمر تجمع الآيات المتعلقة بهاالتي نزلت في أوقات شتى، ليتقرر حكم الخمر- ومثل آيات الربا، ونحو ذلك.
وكل ما جدّعليه -على التفسير الموضوعي أو الجمع الموضوعي- هو الاتجاه به نحو مزيد من التخصص، وتحديد الموضوعات ودراستها دراسة تلائِم حاجة الإنسان في هذا الزمان، ولتبرزَ وجهًا من وجوه الإعجاز القرآني، وأصل هذا النوع -الذي هو الجمع الموضوعي- هو أمرٌ يقيني موجود في القرآن بيقين، ويمكن النظر فيه واستخراجه بلا تكلف ولا تعسف؛ أما طرائق الترتيب الفني أو التصنيف العلمي فهي وجوه دراسية يمكن أن تتعدد.
الترتيب الرابع:ترتيب النظام القرآني أو ما يسمى بالوحدة الموضوعية في السورة الواحدة أو في القرآن الكريم كله:
وهذا الموضوع مازال قيد البحث، ولم يتضحْ للعلماء القواعد العلمية الكبرى التي تضبطه، وإنما هو مازال في طور البحث والتأليف وما إلى ذلك كما فعل الشيخ محمد عبد الله دراز في كتابه (مدخل إلى القرآن الكريم) وغير ذلك.
5-رد الشبهات الواردة على الجمع الموضوعي: ([4])
ننتقل إلى رد الشبهات التي ترد على الجمع الموضوعي: فقد وردت بعض الشبهات على هذا المبدأ، وما يترتب عليه من التفسير الموضوعي، ملخصها –
الشبهة الأولى: أن الله تعالى قد ذم مثل هذا الاتجاه التجزيئي في القرآن، في قوله تعالى: ]كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ$ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ([5])$فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ $عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ[(الحجر:90- 93).
الشبهة الثانية: أن الجمع الموضوعي هو تقطيعٌ للوحدة القرآنية التي سماها القرآن السورة، وإحلال لوحدة أخرى مكانها هي وحدة الموضوع، هذه شبهة.
الشبهة الثالثة:الجمع الموضوعي إخلال بنظام ترتيب القرآن المعجز المتواتر المتعبد بتلاوته على هذا النمط الموجود في المصاحف الآن.
الشبهة الرابعة:فيه -يعني: في الجمع الموضوعي- يقولون ؛ فيه معنى الاستدراك على الله تعالى؛ إذ لو شاء لجعل القرآن على الترتيب الموضوعي من أول الأمر.
والجواب عن هذا كله -بإيجاز:
أولاً: معنى عضين في الآية “فرقًا، وأقسامًا” أي أن الكفار جعلوا القرآن هكذا؛ بعضه سحرًا وبعضه كهانة وبعضه شعرًا، هكذا كان يقول الكفار، وغير ذلك من أباطيلهم التي لا وجود لها في القرآن الكريم، أما الجمع الموضوعي فغير هذا جملة وتفصيلًا؛ لأننا نجعل بعضه في موضوع التوحيد، وبعضه في إثبات النبوة، وبعضه في إثبات القيامة، وهكذا كل موضوع هو تقرير لحقائق القرآن ذاته.
وقد روي البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال -في تفسير هذه الآيات: «هم أهل الكتاب، جزّؤه أجزاء؛ فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه” أما نحن فعندنا الجمع الموضوعي وتفسيره  هما إيمان بالكتاب كله -ولله الحمد- ثم هما تجميع لحقائق كل موضوع، وتفسير هذا الجمع، وليس فيهما تجزئة وتفرقة لمعاني القرآن، فبطل الاستدلال بالآيات الكريمة على ذم الجمعِ الموضوعي.
ثانيا: القول بأنه تقطيع لأوصال الآيات، ومخل بالنظم المعجز، هو قول باطل مردود؛ لأننا لا نؤلف بهذا الجمع الموضوعي قرآنًا يتلى، أو يُتعبد بتلاوته على هذا الوجه، فإن هذا لا يشك مسلم في حرمته أو في كفر من يستحله، وإنما هذا الجمع الموضوعي مقصود به البحث والدراسة العلمية؛ لاستخراج كنوز القرآن في جوانب الحياة على نمط يلائِم العصر، ويؤكد الإعجاز القرآني.
ومثل هذا كمثل ترتيب النزول، فإن مقصده الدراسة واستخراج الأحكام الصحيحة، وليس التلاوة، ورحم الله علماءنا فقد ردوا على مثل هذه الشبهة قديمًا، كما روى الإمام الزركشي في كتابه (البرهان) قال: قال بعض مشايخنا المحققين: قد وَهِمَ من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا، وعلى حسب الحكمة ترتيبًا.
فالمصحف كالصحف المكرمةالتي جاءت في الآية الكريمة: ]فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ[(عبس:13)، على وفق ما في الكتاب المكنون، وهي مرتبة بسورها وآياتها كلها بالتوقيف، وحافظ القرآن الكريم لو اسْتُفتي -لو أحد من حفاظ القرآن استفتي- في أحكام متعددة أو ناظر فيها أو أملَاها، لذكر آية كل حكم على ما سُئِلَ، فإذا رجع إلى التلاوة لم يتلُ كما أفتى، ولا كما نَزَلَ مفرَّقًا، بل كما أنزله الله جملة واحدة إلى بيت العزّةفي سماء الدنيا، أما القول بأن الجمع الموضوعي استدراك على الله تعالى، ولو شاء لجعله على النظام الموضوعي من أول الأمر، فالجواب أن الله تعالى بعلمه جعل القرآن موضوعاتٍ محددةً مرتبةً من أول الأمر، وهي في القرآن على قسمين:
القسم الأول: قسم محدد مستقل بصورة لا تتناول إلا موضوعًا واحدًا -كما في سورة الفيل- وفي سورة “قريش والمسد والإخلاص ونوح والجن، وسورة القارعة” ونحو ذلك.
القسم الثاني: موضوع محدد قائم برأسه مبثوث في صور مختلفة لحكم كثيرة، وهذا الذي يُجمع موضوعيًّا من سوره؛ للدراسة لا للتلاوة، مثل: الإيمان بالله، ومثل: الإيمان بالآخرة، وهكذا.
لكن يبقى لدينا السؤال عن حكمة بث الموضوع الواحد في سور شتى. ؟؟!
6-حكمة ترتيب السور وبث الموضوع الواحد في سور شتى: ([6])
هنا ننتقل إلى عنصر مهم جدًا، نقول: ما حكمة بث الموضوع الواحد في سورشتى، وإيثار ترتيب السور على هذا النمط المتواتر في المصحف، دون ماعداه؟نقول: الحكمة في ذلك -والله أعلم- واسعة متشعبة منها: –
 أولاً:تيسير حفظ القرآن وتلاوته:
لأن الله تعالى تعهد بحفظ القرآن إلى يوم الدين، وجعل لذلك وسائل شتى منها: تيسير حفظه في الصدور، والتشويق إلى تلاوته دائمًا، وترتيب القرآن على نمطه المتواتر للتلاوة هو أيسر ترتيب يُحفظ، وهو أشوق نص يتلى ويكرر؛ لأن الأغراض وُزِّعَتْ على سوره، ومزجَ بعضها في بعض مزجًا عجيبًا وفق خطة ونظام معجز، فلا يزال القارئ للحفظ أو للتلاوة ينتقل بين الآي والسور لا يمل ولا يزهد، بل يزداد إقبالًا، كلما فرغ من غرض ممتزج بقصة ومفضية إلى موعظة حسنة، وهكذا، ولعل هذا بعض أسرار قوله تعالى: ]وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ[(القمر:17).
ثانيًا من الحكم:التلطف في عرض موضوعاته دائمًا:
ذلك لأن هذا النمط من ترتيب التلاوة يستدرجالقارئ بغاية اللطف إلى الإلمام بجميع أغرض القرآن، كلما تلا شيئاًمنه عاد إليه، وإلى تذكيره بها دائمًا، فلا ينعزل عن بعضها أبدًا، وهذا ضرب من الإعجاز في القرآن عجيب؛ ذلك لأن الإنسان مفطور على حب الانتقاء -فطرة في الإنسان، وعادة في الناس جميعًا- فيختار ما تميل إليه نفسه، ويعرض عما عَدَاه إعراضًا دائما أو موقوتًا؛ حسب حاجاته، وهو في ذلك كثير التقلب كما قيل بحق: وللناس بعدد رؤوسهم آراء، وسريع الملل، ودائم التحول بين الأشياء والأضداد، وبما أن الله تعالى هو الذي علم القرآن وخلق الإنسان، ويعلم فطرته، لذلك جاء بالقرآن على هذا الضرب المعجز من معالجة الفطرة الإنسانية، وملائمة أحوالها التي تنفعها.
فلو جعل القرآن الكريم أبوابًا موضوعية في التلاوة،بابٌ للصلاة، ثم ينتهي الحديث فيه، وآخر للزكاة، ثم ينتهي الحديث، وثالث للعقيدة. . . إلى آخره، لو جُعِلَ القرآن على هذا النمط لأقبل كل قارئٍ على ما تهواه نفسه من أبواب المصحف، وترك غير ذلك، أما حين وُزِّعَتِ الموضوعات على نمط ترتيب التلاوة المعجز الموجود في المصاحف الآن، فإن القارئ ينتقل بينها في يسر وبلا إحساس بالفواصل بين ما يرغب فيه، وما يرغب عنه؛ لأنهما مُزِجَا مَزْجًا حكيمًا، فالنذارة مزجت بالبشارة، وأحوال النار قرنت بأحوال الجنة، والقصة اشتملت على العقيدة، والأحكام الشرعية عرضت من خلال الأمثال والصور البلاغية، وهكذا تنسرِبُ الموضوعات والأغراض في لطف بالغ إلى نفس القارئ، وكأنها عناصر شتى من الغذاء والدواء والفاكهة مزجت في قوارير من فضة، فطابت قلبًا وقالبًا، وصار مزاجها محبوبًا، وغالبًا يتلقاه الإنسان من كل أقطاره بالقبول والإقبال، وبالشوق والإجلال.
فلما تم ذلك من خلال ترتيب التلاوة، واستقر القرآن في الأرض، استقرار الأبد، التفت العلماء إلى أغراض القرآن وموضوعاته يستخرجونها، كلٌّ بما يلائِم زمانه، حتى جاء هذا العصر -الذي يحتاج إلى الجمع الموضوعي بمعناه المحدد- فوفق الله تعالى العلماء لاستخراج موضوعات القرآن متكاملة متجاورة، ووضعوها على مناهج التفسير الموضوعي؛ لاستخراج عناصرها، وبيان ما بينها من قرابة ماسَّة ومناسبة خاصة رغم تباعد الزمان وتعدد الوقائع التي نزلت عليها نجوم القرآن.
ولعل أصدقَ تصوير لهذه المعاني كلها هو قول الني ^ في وصف القرآن: “هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه” أو كما قال ^ في الحديث الذي رواه الترمذي، وغيره.
أما تفسير القرآن الكريم مطلقًا، فهو من أجلِّ الأعمال؛ لأنه اشتغال بفهم كلام الله تعالى، وببيانه للناس، وقد أمر الله تعالى بالأمرين جميعًا في عديد من الآيات الكريمة، حتى إنها لَتَصلح أن تكون موضوعًا قرآنيًّا إذا جمعت الآياتالمتعلقة بها في شتى السور، ولذلك قال السيوطي -رحمه الله: أجمع العلماء على أن التفسير من فروض الكفايات، وأجل العلوم الثلاثة الشرعية، قال الأصبهاني – هذا تابعكلام السيوطي-: أشرف صناعة يتعاطها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك أن شرف الصناعة؛ إما بشرف موضوعها مثل: الصياغة -صياغة الذهبِ يعني- وإما بشرف غرضها، مثل: الطب -صناعة الطب- وإما لشدة الحاجة إليها كالفقه، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث؛ لأن موضوع التفسير هو كلام الله تعالى، والغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى، وأما شدة الحاجة إليه؛ فلأن كل كمال ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى، والتفسير الموضوعي هو نوع من أنواع التفسير، بل هو أقربها إلى التفسير بالمأثور، أو إلى تفسير القرآن بالقرآن على وجه الخصوص، وهو أوثقها جميعًا بمعنى تدبر الآيات الكريمة في قوله تعالى: ]كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[(ص:29).
7-أشهر المؤلَّفات في الجمع الموضوعي:
ننتقل إلى العنصر الأخير في هذه المحاضرة بسؤال مهم عن المؤلفات الأساسية في الجمع الموضوعي في هذا العصر الحديث، الحقيقة لم نجد -رغم تنبه علمائنا لما في القرآن من سعة وموضوعات شاملة عظيمة لم نجد- كتابًا محددًا يبين لنا موضوعات القرآن الكريم، إنما هو -كما قلنا في الكتب الخاصة بعلوم القرآنتفصيلات في هذا عامة، لكن لا يوجد كتاب مفرد يسمى موضوعات القرآن، لكن في العصر الحديث بدأ الناس يحتاجون لموضوعات القرآن، ومن هنا ظهر الاهتمام بالجمع الموضوعي للقرآني الكريم، هذا معناه أن يؤلف كتاب يجمع الآيات في موضوعات تحت عناوين متعددة، يقول هذا موضوع مثلًا: الإيمان بالله، وبصفات الله، الإيمان بالآخرة، الجنة، النار، وهكذا ويجمع الآيات التي تحتها. كان من أوائل الكتب التي حدثت في هذا هو كتاب المستشرق الفرنسي «جول لابوم” والذي ترجمه الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي تحت عنوان «تفصيل آيات القرآن الكريم” وهذا الكتاب ألحق به كتابًا سماه “المستدرَك” لأدورد مونتيه، وهو فرنسي أيضا حاول تكميل الكتاب السابق.
فهذا الكتاب أصل فكرته فكرة صحيحة، لكن المستشرق «جول لابوم” لم يكن يتقن العربية، واعتمد في تأليف كتابه هذا على ترجمات للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية؛ ترجمات غير دقيقة، وبالتالي وقع في أخطاء هائلةٍ جمَّة؛ لأنه التوى بأغراض القرآن، ولم يحسن وضع الآيات تحت عناوينها، وما إلى ذلك.
ولهذا الكتاب -من ناحية الفكرة- كتاب طيب، لكن من حيث التنفيذ والموضوعات التي فيه عليه ملاحظات كثيرة جدًا وأخطاء، ولذلك جاء الشيخ الدكتور أحمد إبراهيم مهنّا، فألف كتابًا سماه (تبويب القرآن الكريم من الناحية الموضوعية)وطُبع الكتاب في مصر، انتقد فيه “جول لابوم” انتقادًا شديدًا جدًّا، وبيَّن بعض أخطائه، ثم تتابع التأليف في ذلك كثيرًا، عندنا كتاب اسمه (الجامع لمواضيع القرآن الكريم) لمحمد فارس بركات، وقد طُبع الكتاب في دمشق، وعندنا كتاب (معجم الأعلام والموضوعات في القرآن الكريم) للدكتور عبد الصبور مرزوق، وهو مطبوع هنا في مصر، في ثلاثة أجزاء كبيرة، وهناك كتاب اسمه (تصنيف آيات القرآن الكريم) للأستاذ محمد محمود إسماعيل، وهو مطبوع في دار اللواء في الرياض، وهذا الكتاب جامع لموضوعات القرآن أحسن من كتابات المستشرقين كثيرًا؛ لأن المؤلفين المسلمين -أولاً- ملتزمون بدينهم ويفهمون لغتهم، ثم هم يضعون الكتب على أساس خدمة القرآن الكريم لا على أساس الطعن فيه؛ لأن«جول لابوم»، كما كتب الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (الدستور الأخلاقي في القرآن) وهي رسالة دكتوراة، كانت مكتوبة بالفرنسية أصلًا، وقد ترجمت إلى اللغة العربية، وقد بيّن الدكتور دراز الأخطاء الجمة التي وقع فيها “جول لابوم” وأسباب ذلك، لكن المؤلفين المسلمين يخدمون دينهم وكتاب ربهم، لذلك كانوا أكثر دقة وخدموا الموضوعات القرآنية، وأصبحت عندنا هذه الموضوعات في كتب منشورة مشهورة.
الذي ينقصنا الآن هو التفسير الموضوعي الجامع الذي يكون في مبسوطة كبيرة على نمط التفسير التحليلي مثل: تفسير الطبري وغيره،هذا الذي ينقص المكتبة الإسلامية الآن.
ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا جميعًا للتعاون في إخراج هذه الموسعة أو المبسوطة الكبيرة التي تكون خدمة عظيمة جدًّا لموضوعات القرآن ولأهدافه وتكون زادًا في أيدي الدعاة؛ لتبليغ رسالات الله.
والسلام عليكم ورحمة الله.
 
 
 ([1])راجع:
أ- البرهان في علوم القرآن للزركشيّ “مرجع سابق”:جـ1 صـ16 وما بعدها.
ب- الإتقان في علوم القرآن للسيوطي “مرجع سابق”:جـ4 صـ24 وما بعدها “النوع الخامس والستون:في العلوم المستنبطة من القرآن” وقد توسع في ذلك طويلًا….
جـ- مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني “المقدمة صـ53” بتحقيق صفوان داودي.
 
([2])راجع:(المنهاج القرآني في التشريع للدكتور عبد الستار فتح الله:صـ319.الطبعة الأولى ـ دار التوزيع والنشر الإسلاميَّة- القاهرة)
.
([3])راجع:(المدخل إلى التفسير الموضوعي:صـ88).
([4]) راجع: (المدخل إلى التفسير الموضوعي:صـ90)
([5]) معنى عضين: أجزاء وتفاريق.
([6])راجع:(المدخل إلى التفسير الموضوعي:صـ92)

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة