د/ حمدي شعيب
بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود بالمدينة.. فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.
فخرجا حتى أتيا المدينة. فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.
قال: فقالوا لهم: سلوه عن فتيةٍ ذهبوا فى الدهر الأول ما كان من أمرهم, فإنهم قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه. وسلوه عن الروح ما هو؟. فإن أخبركم بذلك فهو نبى فاتبعوه وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول, فاصنعوا فى أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروه بها.
فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أخبركم غدًا عما سألتم عنه".
ولم يستثن، ـ أى لم يقل إن شاء الله ـ فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث له فى ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدًا واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحى عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبرائيل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه). [تفسير القرآن العظيم: ابن كثير]
لم تزل الحرب مستمرة:
ولنا مع هذه الواقعة، عدة وقفات تأملية:
1-ادخلوا عليهم الباب:
تدبر هذا الجهد المضنى الذى قام به هذا الطاغية النضر بن الحارث رائد الحرب الإعلامية ضد الدعوة الإسلامية وهو يضرب أكباد الإبل لمئات الأميال مع زميله، للوقوف على خبر هذا الدين الجديد الذى قلب موازين قريش.
فما أشبه الليلة بالبارحة!.
فلم تزل تلك الحرب الإعلامية وإن أخذت بعض الصور العصرية وعلى رأسها الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعى.
ولكننا نستغرب غيبة أهل الحق عن هذا الميدان الإعلامى.
ولم يدخلوا عليهم الباب!؟.
2-جلد الفاجر وعجز الثقة:
وعندما نتدبر هذا العنت والجهد الذى تحمله الوفد القرشى برئاسة النضر، فى رحلاته المتعددة لمجابهة هذا الدين الجديد، وكذلك جهود من على شاكلته من مسؤولى محاربة الأنشطة الدعوية فى كل عصر وفى كل مكان.
ويقابله كسل بعضنا وقد شق عليه مجرد خطوات يسيره فى نصرة الحق وأهله.
فتصدق معنا صرخة أحد الصالحين: (اللهم إنى أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة)!؟.
3-المتخصصون ... والهواة:
الشيء المدهش فى قريش؛ أنهم انتدبوا رجلاً معينًا ليترأس وفوداً جابت أقطار الأرض، والتقت بكل الثقافات، وألّبت قوى الحقد، وذلك لدراسة خطر هذا الدين، وسبل محاربته، وتجفيف منابعه.
وذلك هو ديدن أعداء الدعوة دوماً.
وتدبر أحوال أهل الحق، وإهمالهم لمبدأ التخصص.
والأدهى من هذا أن يتصدر الآلة الإعلامية الإسلامية الهواة وأهل الثقة.
4-حُيَى بن أَخْطَبْ لم يزل يدير المعركة:
تدبر موقف اليهود من الدعوة ومن صاحبها صلى الله عليه وسلم منذ نشأتها.
فلقد كان من المعلوم عند العرب أنهم أعلم الناس بالحق وبالدين الجديد؛ مما دفع قريش لإرسال وفدهم إليهم. ولكنهم كانوا ولا يزالون أشد الناس عداوة للذين آمنوا: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ". [المائدة 82]
وهى طبيعتهم، وهى نفسية زعيمهم (حُيَى بِنْ أَخْطَبْ) الذى كان يعلم بصدقه صلى الله عليه وسلم، فأعلن بعناد مدمر: (عداوته والله ما بقيت)!؟.
5-اهدموا خنادق الفكر الدفاعى:
فى تأخر الوحى عنه صلى الله عليه وسلم تلك المدة، ثم يأتيه بالإجابة الشافية.
وهو درس تربوى لكل مسلم؛ ألاّ ينشغل بالرد على حرب الشبهات ومعارك التشكيك، وألا يقع فى فخاخ الفكر الدفاعي. وألا ينشغل عن مهمته وخطواته المحسوبة وأهدافه الكبار.
وفى هذا دلالة أيضًا على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم.
ما أشبه الليلة بالبارحة!؟:
عندما نتأمل كلمة (أساطير) فى القرآن الكريم وكيف ارتبطت باسم (النضر بن الحارث)، وهى ترمز إلى أن حرب الشبهات الإعلامية ضد الإسلاميين ليست جديدة!؟.
فلا نستغرب أن نرى أتباع النضر لا يزالون على منصات التجمعات والتحالفات ويصدعوننا فى دكاكين مَكْلَمات (التوك شو).